إعلان: أفتتح الآن المسودّة السادسة لهذا المقال، عساها تنتهي بشيءٍ مفيد. أقصد شيئاً مفهوماً، إذ أن ما سبقها كان مشتّتاً لدرجاتٍ عصيّة على الفهم. والتشتّت هذا إنّما هو ناتج عن الجو العام عموماً، وعن الجو الخاص خصوصاً. بطبيعة الحال.


المهم، حضرة القارئ، ما حاولتُ أن أعبّر عنه في المسودّات السابقة، تلك التي لن تتسنَّى لك فرصة الإطّلاع عليها – للأسف، كان مُكبَّلاً بقوالب الكتابة التقليديّة أوّلاً، وقوالب اللّغة ثانياً. تَفَكَّر قليلاً يا حبّ، توقّف عن القراءة وانظر حولك، هل تعتقد أن هذا كلّه قابل للتعبير عنه باللّغة؟ ايه أحّا. وإن فعلنا (بعد تسليمنا بأن وصف الواقع الحالي باللّغة يعني اختذاله لدرجاتٍ لا متناهيّة)، إن فعلنا، هل تعتقد أن قوالب الكتابة ستسمح للفكرة بأن تصل لك كما صدرت من عندي؟ كمان أحّا. 

لذا، سأهوّن المسألة على الجميع، عليَّ وعلَيك (وربما أصعّبها على أسرة التحرير)، وسأرمي أمامك بعض الأفكار من المسودّات السابقة، بشكلٍ عشوائيّ، كي تحسم قرارك في متابعة قراءة النص إن أعجبتك كلماته المفتاحية، أو في غض النظر عنه إن لم تعجبك، والانتقال لنصٍّ آخر أو فيديو آخر أو أي شيء آخر تريده. يقولون الوقت من ذهب، تعرف، يعني إن وفّرتُ لكَ وقتك فإنّي بذلك أعطيكَ ذهباً (المصرف المركزي ما عملها). والآن ها هي، القِ نظرة:

الوقت/ الذاكرة/ الجحيم بينهما/

الوقت/ البحر/ المرفأ/ الشارع/ ساعة الحائط/

الوقت/ البيت/ بيت الشعر/ الشعر/ بسام حجّار/

الوقت/ لوحة زيتيّة/ ساعة الجَيب/ الجماد /المتحرّك/ المسخ/ البحر المتوسّط/ سلڤادور دالي/

الوقت/ الإغاثة/ العسكرة/ حالة الطوارئ/ التعب/ الخوف/ التشتّت/ علي دلّول يتهكّم علَيّ عندما أُخبره عن التشتّت (من باب التشجيع طبعاً)/

الوقت/ 4 آب/ 6:08/ اللّحظة/ اليوم/ اليوم التالي/ 5 آب/ صديقتي الّتي أخبرتها عفويّاً في اليوم التالي أنّني بموت بطيزها مخافةَ ألّا أراها في اليوم التالي لليوم التالي بسبب تفجيرٍ جديد في اليوم التالي لليوم الأوّل، والأخير/

الوقت/ تحذير: ليس كل وقت هو الوقت/ هذا مُقتطف من بيتٍ مُقتطف من ديوان "سوف تحيا من بعدي" لبسّام حجّار، يقول:

من الأيّام، ليس كل يوم هو اليوم.

من الأوقات، ليس كل وقت هو الوقت.

ص 213، من طبعة "المركز الثقافي العربي". كتبتُ بجانبها الملاحظة التالية: الـ التعريف على "اليوم" تحدّد لحظة زمانيّة مفادها اليوم الذي نعيشه الآن. هذه خاصّية لألـ التعريف عند دخولها على كلمة "يوم" حصراً . أمّا عند دخولها على كلماتٍ أخرى، فهي لا تكتسب هذا الطابع المُحدِّد ولا تعطي الكلمة المُعرَّفة هذا التحديد اللحظيّ.

عمليّاً، دقيق تعبير بسّام، ودقيقة ملاحظتي على التعبير.

الوقت/ ليس كل وقت هو الوقت. وإن كان الوقت بتعريفه مفهوماً مُجرَّداً أو متحرّك؛ فهو، ممزوجاً ببضعة أطنان من نيترات الأمونيوم، يصبح جامداً غاية الجمود وثابتاً غاية الثبات.

ليس في الأمر فلسفةً. انظروا، هذا مثال بصريّ حسّيّ: 

C:\Users\Admin\Desktop\117304321_676417626294320_6918258557046246671_n.jpg

هل ترون شيئاً  يتحرّك في الصورة؟ 


أمضيتُ ساعاتٍ طويلات أجمع صوراً مشابهة للصورة المرفقة. وجدت العشرات/ تأمّلتُها/ تفكّرت/ شعور غريب/ تناقض. الوقت، في هذه الصوَر جامد. 6:08. اللحظة الأخيرة. لحظة انتقال المدينة من الوجود إلى اللاوجود. انتقال الضحايا من الروتين إلى الجنّة – إن وُجِدَت (من جهتي، أشكّ. بالمناسبة، مفيد الشكّ، جرّبوه). ولحظة انتقالنا نحن، من الجحيم إلى الجحيم.

الوقت/ لم يتوقّف حينها فحسب، بل انّه، حتى اللحظة، لم يستأنف عمله بعد.

غَيَّرَت جريمة المرفأ قواعد الزَمَكان الطبيعيّة. أصبحنا نعيش بعالمٍ بلا وقت. غريب. تبدَّدَ الوقت. ذاب. تذكّرتُ لوحة لدالي، مُهَلوس السُريّاليّة. عنوان اللوحة: "إصرار الذاكرة". ثلاث ساعات جَيب تسيل على مهلٍ. هنا، دفع دالي التناقض قُدماً. عقارب ساعاته واقفة بحدود الساعة السادسة تقريباً (لو تأخّر قليلاً في تسريح شواربه، لكان أنهى من اللوحة عند الـ 6:08). الوقت هنا جامد. لكنّه في الوقت عينه يتحرّك. انظروا: 

C:\Users\Admin\Desktop\the-persistence-of-memory-1931.jpg


بالمناسبة، عنوان لوحة دالي – إصرار الذاكرة –  هو عنوان لوحتنا-النفسيّة-ما-بعد-الإنفجار. مهما حاولنا أن ننسى، الذاكرة تصرّ، وتصرّ. لن تنسى. ستبقى صوَر الضحايا مطبوعة في مخايلتنا البصرية. سيبقى صوت الزجاج يرنّ بين جدران أذنَينا. سيبقى البيت المُقتَطَف بلا باب. عمليّاً، ستبقى تروما التفجير ملازمة لنا، ثابتة، لا تذوب ولا تسيل؛ على عكس شكل اللوحة، بالتوافق مع مضمونها.

أمّا اللوحة، فالواقعيّ الوحيد فيها هو التلال على اليمين في الخلف. هذه تلال كاتالونيا – مَسكَن دالي. من لهُ جَلَد، فليفتح الخريطة ويرى موقعها. سيُلاحظ، للمفاجأة، أنّها تقع بالتحديد بالتحديد بالتحديد، على المقلب المقابل للساحل اللبناني في الطرف الآخر من البحر الأبيض المتوسّط. يعني، إن تأمّلنا لوحة دالي عبر المنظار، سنرى مرفأ بيروت. نقطة صغيرة بين ساعاتِ جَيبٍ ثلاثة تذوب، فيها ساعاتِ حائط يقف الزمن فيها عند الـ 6:08 بالتحديد.

مصادفة/ إسقاطات/ هلوسات/ لا يهمّ، سمّوها ما شئتم. لكن الآن، يكتسب عنوان اللوحة –إصرار الذاكرة– بُعداً جديد. بُعداً واقعي قدر سُرّياليّة اللوحة. بُعداً واقعيّاً قدر لا-واقعيّة أن تفجّر سلطة الاحتلال العاصمة كي تعيد انتاج سيطرتها (أو ربما هذه مسألة واقعية؟). بُعداً يَفكّ التناقض حول جمود/تحرّك الوقت. 

والآن، أفهم بسّام حجّار بشكلٍ أوسع. من الأوقات، ليس كل وقت هو الوقت. بعض الوقت هو اللاوقت. كهذا الذي نعيشه الآن. الآن وهنا. في بيروت الجحيم، 2020.


كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: