"خَفّفِ الوَطْء ما أظُنّ أدِيمَ ال

                       أرْضِ إلاّ مِنْ هَذِهِ الأجْسادِ" 

- أبو العلاء المعري          

أصعب الحالات حين تكتشف أنك مغفّل. المكان المألوف الذي مررت به مئات المرات عبر عشرات السنين، ويبعد عن بيتك بضعة كيلومترات لم تكن تعرف أنها قرية فلسطينية مدمّرة. بل، وهنا، أُنشئت أول مستعمرة في فلسطين، بناها الهيكلي الألماني (الإنجيلي) رأس حربة الإستعمار الصهيوني. كان ذلك في ستينيات القرن التاسع عشر. إلا أن البعوض فتكَ بالمستعمِرين قبل أن يعاودوا لاحقا بناءَ أول مستعمرة رسمية لهم في جوار حيفا. وبعد أن يصبح جزءا من الاستعمار البريطاني، يعود الصهيوني إلى نفس المكان ويبدأ إنطلاقة استعماره  في مرج ابن عامر في عشرينيات القرن العشرين ليكون هذا المكان مخيمًا استعماريًا مؤقتًا لتسوية الأرض بمحاذاته  وبالأخص تجفيف البصّات (المستنقعات). وللصهيوني خرافات واساطير بهذا المضمار تفوق كل خرافات واساطير الشاطر حسن. في هذا المكان وجدت لافتة صهيونية كتب عليها: "ذكر المكان في سفر يهوشواع وهو من أملاك زبولون كان اسمها التلمودي..." إلى آخر هذه الديباجة الألمعية. طبعاً، لا يمكن كتابة تاريخ الاستعمار الصهيوني في فلسطين بدون مرادفاته ومنهم السماسرة وبائعو الأراضي السعيدون من آل سرسق ومن آل تويني البيروتيين ومن آل كركبي (يوسف بك) من شفاعَمر وهي من أعمال فلسطين. اشترى الصهيوني هذه الناحية، وهي الغربية من مرج ابن عامر، من الثلاثي السعيد أعلاه.

تمت تسوية الأرض.. فأقيمت مستعمرة "نهلال" المجاورة  لقرية معلول. اكتشفتُ المكان صدفة حيث مشيت كعادتي (مع "سلطان" كلب العائلة) قاصداً تل الشمام. رأيت لافتة متواضعة كتب عليها بحروف عربية تلاشت الوانها، "من فضلك مراعاة قدسية المكان - مقبرة السمونية". إنها قرية السمونيه المدمرة خط أهلها كلماتهم على موتاهم.

"الذاكرة" - (للمستعمر ذاكرة)

يؤرخ الصهيوني لتأسيس مستعمرة "نهلال" 1921. خلال ست سنوات احتضنت مجموعات لتأهيلها لاستعمار المرج بالقرب منها. كانت أسماؤها المجموعة (أ) والأخرى (ب) وهكذا، مثل "نهلال". بُنيَت مستعمرات المجرّة الاستيطانية على أرض المرج، حيث الأرض الزراعية، وليس كالبشر التي فلسطين وطناً لها، عاشت على التلال المرتفعة المنحدرة الى المرج والتي كان علوها 200 متر فوق سطح البحر، ليمنع بعوض الليل من لسع البشر فهو لا يحلّق على هذا العلو. بنيت المستعمرات على دفعات كان أولها سنة 1927، على أرض الورقاني ولد العوادين وأبو شوشه وخنيفس وقصقص وأبو زريق وربع النصرة وجنجار والغبيات والنغنغية والشيخ ابريق والمنسي وجباثا وخربة المصرارة والقيرة والقامون وتل الشمام.

باكراً جداً، أمشي بهذه الناحية الغربية شمالها وجنوبها، حقيبتي على ظهري ورجلي على أرض اعشقها، من قرية مدمرة الى أختها، في بعضها معالم بيوت مارس الصهيوني سطوته وهوايته المفضله عليها فتركها أنقاضا، بقي منها حجارة مبعثر، ومقبرة البلد، وأحيانا المقبرة. لا غير. والمستعمرات منتشرة بمحاذاتها.. ذهبت إلى مكتبات الكتب المستعملة واشتريت كتب صهيونية عن ذلك القطاع ومستعمراته..لأفهم.

السيدة والبقرة فاطمة / تل الشمام

كان أجمل كتاب ترك فيّ أثراً كبيراً كتاب لمؤلفة سيدة، يحكي قصة مستعمرة أقيمت مكان قرية تل الشمام حيث إحدى أجمل سكك حديد الحجاز العثمانية. الكاتبة السيدة كان عمرها ثلاث سنوات حين انتقل أهلها من "نهلال" لاقامة هذه المستعمرة، لقد جمعت مذكرات المستعمرين الأوائل وذريتهم منذ التأسيس حتى تثبيت استعمارهم سنة 1948. يروي أحد المستعمرين "جئت ورأيت الفلاحين وبيوت من حجر وقرميد بيوت جميلة، بعد فترة لم أرهم وها أنا اسكن مكانهم"، وخز الضمير لم يدم فهو يردف، "ولكني ذكّرت نفسي أنهم ليسوا فلاحين، هم حرّاثون يعملون لدى سيدهم والأرض ليست لهم ومع ذلك دفعت مؤسساتنا (الاستعمارية) لهم تعويضاً رغم أننا لم نكن ملزمين."

مشيت سابقا على طول سكة حديد الحجاز ملاصقا للسكة محطاتها وجسورها.. وأكثر ما عشقت منها محطة تل الشمام.

عرفت أيضاً من إبن عمتي أبو العلاء إن العبد الحسن من حينا (وقريبه) كان له أرضا يزرعها بالسمسم بتل الشمام وكان ثرياً يورد محاصيله بواسطة القطار إلى ميناء حيفا .اتصلت بالسيدة صاحبة الكتاب ، قدمت نفسي وأبديت إعجابي الشديد بكتابها. فرِحَت ودُهشت، قالت سأخبر الجميع أن عربياً أحبّ كتابي وأعجبه ويتكلم عنه بشوق وإلْمام. 

سألتني كيف لك أن تحب كتابي؟ "كي لا يحدث سوء فهم، ما تسمّيه إسرائيل هي فلسطين وطني، إن كان الأمر يزعجك فبالإمكان تعليق المحادثة" أجبت. أجابت، نعم، بمعنى أكمل، تابعت "هاجس يركبني منذ صغري، أسأل كل يوم كيف خسرنا فلسطين أريد أن أفهم …".  قالت مقاطعة كلامي، وما علاقة كتابي بهذا؟ قلت "سأخبرك… مِن كتابك يظهر أنكم اعتمدتم علينا في الفلاحة والمأكل وعلّمناكم التعامل مع بلدنا، حرثتم الأرض بواسطة البغال والبقر البلدي الذي كنتم تسمونه "البقر العربي" وكان لديك بقرة اسمها...، قاطعتني :"إسمها فاطمة"، تابعت: "وتكتبين عن التاجر العربي الذي كان يأتي سنوياً ومعه قطيع من البقر والبغال ويبيت عندكم أسبوعا حتى يبيعكم إياها ثم يغادر، وآخر يكتب عن افتتاح المدرسة سنة 1930 وأن من بين الطلاب كان توفيق ويوسف أبناء عامل في محطة سكة حديد تل الشمام ويسكن فيها مع عائلته وعائلات عمال آخرين، كلهم عرب، وكوتشيك الذي صهيَنَ إسمه إلى كنعان يحكي أن والدته لم يتوفر لديها البيض وأرادت أن تصنع كعكة فذهبت إلى "ام غزالة" القاطنة في محطة  القطار ومعها لحوم معلّبة فتمت المقايضة ونشأت علاقة بين والدته وأم غزالة، كان كل صيف بعد الحصاد يأتي ويحضر أم غزالة ومعها حجر الطاحونة الى بيتهم تجلس في ساحته والطاحونة بين فخذيها تطحن لهم القمح فيصبح برغلا، هكذا حتى سنة 1948 حين "هرب العرب"، فذهب يتفحص أمرها فلم يجدها منذ ذاك اليوم "ولكني وجدت حجر الطاحونة أخذته لعلّها تعود تطحن لنا القمح ونحصل على البرغل"..

تواعدنا اللقاء، هي إبنة الـ 94 عاما، في مقصف متنقل بمحطة قطار تل الشمام. 

خالد 

بعد الظهر دخلت دكّان حيّنا، كان خالد هناك، رجل سبعيني. خالد قريب إبن عمّتي أبو العلاء من نفس الحمولة "أقارب لزم"، هو حفيد عبد الحسن من تل الشمام. فَقلت "أنت إبن حلال"، للتو كنت افكر بجدك عبد الحسن، بالأمس تكلّمت مع امرأة من تل الشمام  حيث أرض جدك وفلاحتها.

قال ،"أتعرف أن ضريح والد جدي هناك بمقبرة تل الشمام؟" . دهشت من المعلومة، لم يمهلني وقال "أما إبنه عبد الحسن فذهب  لسبب ما وأخذ معه أقربائه من هناك الى تل الشوك". قلت "ولكن ما أعلمه من أبو العلاء أن حسين الخطيب كان في تل الشوك وجدك كان في تل الشمام" ، قال "كان مع جدي في تل الشمام وانتقل معه إلى تل الشوك".

اللقاء

جاءت السيدة برفقة إبنتها. عبّرت مجدّداَ عن فرحتها بإعجابي بكتابها. كانت سيدة أنيقة، لها حضور لافت، كلّها حيوية ونشاط، لا يبدو عليها تعب العمر. عاودَت سؤالي عن سبب إعجابي بكتابها. سألتني عن عملي، قلت "اصنع الأفلام السينمائية التسجيلية". ابتسمَت وقالت "أتريد أن تصنع فيلماً عني؟". قلت "لا، ولكنها فكرة جيدة سأفكر بذلك، ولكن جئتك فهناك أمران لم أحدثك عنهما بعد، ففي كتابك يتابع من تحدث عن أم غزالة والبرغل أن الشخص الوحيد الذي بقي في البلاد هو أبو يوسف من الناصرة وحدث وإن رآه مرّة يتجول في المكان، أنه أبو يوسف الخوري وهو جار ورفيق جدّي أبو علي، فهذه المحطة محطته وهو سكن وعمل هنا  بنشل الماء وضخّها إلى القاطرات. أما الأمر الثاني، فإن الفلاحين الذين  طردوا من هنا وأقمتم مكانهم هم أقربائي وضريح الجد الكبير في مقبرة البلد هنا".. صدمت ابنتها. حملقت بي وبأمّها وقالت "كيف ذلك؟ أين؟….ولماذا لا يوجد شاهد للضريح؟" خفضت السيدة صوتها وقالت "انها هناك… المقبرة هناك خلف محطة القطار" .

الحقيقة

اتصلت بمنير (فخر الدين) مدرّس تاريخ جامعي اختصّ بالقطاع الشرقي من مرج إبن عامر حيث تقع تلّ الشوك، أخبرته عن العبد الحسن وجماعته وانتقالهم لتل الشوك من تل الشمام ، قلت "أبو علاء ذات مرة ذكر لي أن أحد اقاربه حسين الخطيب لديه أوراق طابو بملكية أرض في تل الشوك، أما أنا فاستنتجت من حادث مشابه وقع في وادي الحوارث أن الاستعمار البريطاني بعد أن أقرّ للصهاينة بأخذ أرض عشيرة الحوارث حاول أن ينقلهم للعيش بتلّ الشوك ولكنهم رفضوا"، أجابني بشغف، "قل لي الأسماء مرة أخرى فلدي أسماء جميع ملّاكي أراضي تل الشوك"، قلت "العبد الحسن وحسين الخطيب"، قرأ على مسمعي جميع الأسماء ولم يكن هذان الإسمان بينهم، قال منير حينها أن البريطانيين عرضوا أرضا في تل الشوك على الفلاحين مقابل إيجار بعد انتزاع أرضهم، ولعلّ هذا هو حال علاقة الإثنين القانونية بأرض تل الشوك فهي ليست أرض ملك. 

قاوِم

كنا شديدي الفضول. اتصلت بأبو علاء ابن عمتي. تم تحديد الزمان. أخبرني أنه لم ير أوراق الطابو، فحسين الخطيب رفض أن يريه إياها على الرغم من أنه توجّه له طالباً المساعدة لإرجاعها عن طريق المحكمة اعتماداً على حيازتها. توفي الرجل ولم أر الطابو ولا علم لي إن كانت لا تزال موجودة وإن وُجدت أصلاً. سأطرق باب شخص لعلّه يجدها، كان هذا الشخص الحفيد مقداد، والدته إبنة حسين الخطيب.

جئنا في اليوم المحدد. فلقد علمنا مسبقا أن مقداد وجد الأوراق ولكنه لا يعلم ماذا تعني. جلسنا أنا ومنير قبالة أبو العلاء ومقداد.

كنّا ننتظر على أحرّ من الجمر.. نريد أن نشم رائحة الوثائق العتيقة. رائحة الحقيقة. وقف مقداد وأحضر ملفاً، فتحه وفرد الوثائق: إنها وثيقة من أوائل الثلاثينات، تأجير أرض من قبل حكومة فلسطين (الاستعمار البريطاني) للسيد حسين الخطيب، ترى وثيقة أخرى، بالعبرية من سنة 1952 يطلب المستعمر الصهيوني أجرة الأرض من حسين الخطيب، منير مندهش، هذه وثيقة وحقيقة لم أعرفها، لم يترك الأرض، بقي هناك حتى "زمن إسرائيل". إضاءة جديدة على بحثه. "لحظة منير أنظر إنها وثيقة بالعبري من سنة 1962. المسؤول الإسرائيلي يطلب من حسين الخطيب التوجّه إلى مكتب الماليّة بحيفا لأخذ تعويضات عن أرض تل الشوك !" قلت. لقد ظلّت الأرض بحوزته حتى بعد 14 سنة من "قيام دولة إسرائيل".

نجلس صامتين 

أخذ تعويضاً إذاً، يسأل منير أبو علاء ومقداد، "لا علم لنا "، فجأة أفهم إصرار حسين الخطيب. قلت يبدو أنه رفض التعويض، لو أخذه لما توجّه الى أبو العلاء لكي يطالب بالأرض في أواخر سنوات سبعينيات القرن الماضي وهو لم يعط الوثائق حتى لأبو العلاء خوفا من أو … لا أعرف …

يقول أبو العلاء: "أفهم الآن لماذا كان وحيداً، ادّعى الجميع أنه غريب الأطوار أما هو فلم يستسغ أحد."

قلت: "هكذا قاوم الرجل كي تبقى حقيقة أن الأرض أرضه."

المقبرة

باكراً أمشي. مرّة أخرى إلى قصقص والشيخ ابريق وأبو زريق وخنيفس وأبو شوشة والغبيات والنغنغيه والمنسي في وادي الطواحين وتل قسيس والمنصورة، صعدت الكرمل حتى دير المحرقة، في كل مكان دمار مقابر. مقابر في كلّ قرية مدمرة. توجّهت الى تل الشمام الى المقبرة لأبحث عن ضريح عبد الحسن.

لا شيء …سوّيت بالأرض… لافتة في وسط دائرة قطرها عشرة أمتار كتب عليها بالعبرية "تل شمام .كان مكاناً عالياً مرتفعاً، يقول علماء الآثار بأنها مدينة "دبشت" (السنم) التوراتية المذكورة في سفر يهوشواع الفقرة 19…" إلخ… تصبح الخرافة حقيقة والصهيوني يرى التلة بخياله التوراتي سنم جمل. بحثت في كل مكان، لا حجارة ولا بيوت ولا أي معلم ولا حتى مقبرة! 

في كتاب السيدة يقص أحدهم طرفة من الفلكلور الغابر للمستعمرة: "كنا نؤمن بأن تُربة التل في تل الشمام وما حوله هي من أجود أنواع السماد وإذا مزجته بتربة المرج التي نفلحها تزداد الأرض خصوبة. تسابق مزارعو المستعمرة على جرف تراب تل الشمام ونثره بأرضهم. كانت العربات تجرها البغال، تجري ذهاباً واياباً من تل الشمام محمّلة بأتربة التلة في سباق محموم حتى لم يبق من التلة وما حولها شيئا".

 قلت ، لقد جرفوا حتى المقبرة وما بقي من رفات والد العبد الحسن ونثروها  في أرض المرج…. 

الخاتمة

يروي الكتاب عن أحد المستعمرين التالي: "ثلاث أسباب دعتنا لإقامة مستعمرتنا في تل الشمام، السبب الأول أن التربة كانت سمراء بلون تربة الوطن: أوكرانيا".

الصورة: في مرج إبن عامر، ومدينة الناصرة في الخلفية

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل:
Patreon support button