في مطلع القرن العشرين، أطلقت الحركة الداديّة شعار "إلغاء الذاكرة" - الذاكرة المثقلة بالحروب وتقرحاتها وبربريّتها وارتداداتها بنماذجها وصنّاعها. وفي منقلب آخر، ومن خلال استحضار فكرة "الماضي الجميل"، يثير السياسيون الخوف والشك والقلق الاجتماعي والثقافي، ما يجعل من النوستالجيا بديلاً سياسيَاً جذّاباً وأداةً فعّالة في مجال التواصل الجماهيري والترويج لسياسات رجعيّة وسلطويّة. في كلا الحالتين، تعمل النوستالجيا كآلية دفاع، Defense Mechanism، يتجنب الأفراد والجماعات من خلالها الحقائق التاريخية والوصف الموضوعي للماضي. 

ماذا يعني أن نمتلك حنيناً الى الماضي وذكريات من الطفولة؟ هل لهذا الجانب من حياتنا الشخصية تأثير على المجال العام؟ وهل يمكن لطبقة السياسيين وأصحاب رأس المال والسلطة عموماً أن يستغلوا حنيناً الى ماضٍ ما لتمرير أفكار أو سياسات معينة؟  

النوستالجيا: بوابة إلى أرض الطفولة

تغيّر تعريف النوستالجيا مع مرور الزمن وأجريت للكلمة عمليات تجميلية زادت من قيمتها. فكلمة "نوستالجيا" تحمل في أصلها اليوناني معنيين: "العودة إلى الوطن" (البيت، مسقط الرأس، الديار) بعد طول غياب، و"الألم" الذي يسببه هذا الغياب. وتَطوُّر المعنى لم يخرج الكلمة عن سياقها الأصلي، فاعتُبِرَت النوستالجيا لعدة قرون حالة طبيّة يمكن أن تؤدي إلى الموت في بعض الأحيان، وتنتج عن الحنين الشديد إلى "المنزل\الموطن". ويرى سيغموند فرويد في دراسته The Uncanny، أن الكلمة الألمانية الأقرب إلى "النوستالجيا" هي "Heimweh" وتحمل معنيين: الموطن والأم من ناحية، وحالة الغثيان الناتجة عن الغياب عن المنزل والتوّاقة له في نفس الوقت من ناحية أخرى. يرتبط المصطلح أيضاً بكلمة "Heimlich" أي "السرّي" و"الغريب" [Unheimlich, Uncanny]، والذي يستخدمه فرويد في الإشارة إلى آليات الكبت النفسية.

والمحرّك الدائم للحنين هو العمل من أجل سد الفجوة بين الطبيعة الأصليّة والثقافة التي صنعها الإنسان بيديه، الثقافة التي جعلته يشعر بالاغتراب في أرض غريبة. وبالتالي، هدف النوستالجيا الأساسي هو العودة إلى اليوتوبيا البيولوجية المتمثلة بطمأنينة "مدينة الأم المسوّرة". وهكذا تكون النوستالجيا، في وظيفتها، آلية تعويض عمّا فقدناه، بعد الإصطدام بحقيقة أن المفقود غير قابل للاسترجاع. فتبقى "الذاكرة المعدّلة" (الوهم) صلةَ الرحم الوحيدة المتبقية لنا.

هذا الفقدان الذي ترسّخ في مجمل تفاصيل حياتنا قطع الصلة بيننا كأفراد وبين مجتمعات كما تنقطع صلة الطفل برحم أمه مع قطع الحبل السري. وهنا، ثمة فائدة في الإشارة إلى اقتباس من كتاب "الاشتباك الآتي" الذي يجسد الحالة الوجودية التي وصلنا إليها: "من لا يزال يعيش حيث وُلِد؟ من يعيش حيث نشأ خلال طفولته؟ من يعمل حيث يقطُن؟ ولمن ينتمي أطفال هذا الجيل؟ إلى التلفزيون أم إلى أهلهم؟ الحقيقة هي أننا سُلخنا تمامًا عن أي انتماء، لم نعد ننتمي إلى أي مكان أو عنوان. إن تاريخنا هو تاريخ الإستعمار والهجرة والحروب والمنفى وتدمير كل الجذور. إنها حكاية كل ما جعلنا غرباء في هذا العالم، ضيوفًا بين أهلنا. صادرت المؤسسات التعليمية لغتنا، ووضعت مسابقات تلفزيون الواقع يدها على أغانينا، واحتلت الشرطة مدينتنا، وخطفت الوظيفة أصدقاءنا." (الإشتباك الآتي، اللجنة الخفيّة، 2007).

حبل الإيديولوجيا السرّي

نميل غالباً إلى استرجاع ذكريات الطفولة بطريقة "رومانسية" في مقابل نكران المآسي التي كانت حاضرة أيضًا في هذه الطفولة. فقد ظهرت الحركة الرومانسيّة في نهاية القرن التاسع عشر، كرد فعل على الثّورة الصّناعية والأُسُس الأرستقراطية التي أرساها عصر التنوير من عقلنة وتطويع علميّ للطّبيعة والإنسان. ويتلخص موقف هذه الحركة الفكرية في الحنين إلى الماضي والعودة الى الطبيعة والمشاعر ورفض المعايير السياسية والإجتماعية السائدة آنذاك. كما ساهمت الحركة الرومانسية في صعود تيارات قومية في أوروبا، كالقوميّة البولنديّة والألمانيّة. والحركة الرومانسية، كما الحركة الداديّة، شكلت حركة دفاعية ضد وقائع مستجدة مرفوضة من إنسانية "مُعتدى على واقعها". وهذه الحركة الدفاعية، تلقائية كانت أم إرادية، لا تزال مستمرة إلى اليوم حيث محفزاتها قائمة ومستمرة.  (وكمثال حديث على هذه الآلية الدفاعية، استعادة الحركات اليمينية في أوروبا شعبيتها بعد الأزمة الاقتصادية عام 2008، حيث تبنت شعارات تشير إلى حماية الوطن "الأم" من الأجانب والغرباء، والدفاع عن التقاليد والقيم العائلية في ظلّ أزمة طابعها ماليّ واقتصادي بحت.) وعلى رغم التوصيف المنطقي لوقائع تلك الحقبة، لم تقدّم الحركة الرومانسية حينها سوى النوستالجيا، أي الحنين إلى الماضي، بديلاً عن الواقع، رغم عدم إمكانية استعادة هذا الماضي أو العودة إليه. 

إلى أن توصيفاً أكثر دقّة قدّمه المسرحي والشاعر والروائي الألماني هيوغو بالْ - أحد مؤسسي الحركة الداديّة. كتب بالْ في إحدى صفحات مذكراته "هروب من الزمن": "بدا العالم والمجتمع في عام 1913 على النحو التالي: الحياة محصورة ومقيّدة بالكامل. يسود نوع من الإقتصاد المُميت. يُسند إلى كل فرد، سواءً أكان موافقاً على الأمر أم لا، وظيفة محدّدة تشكّل مصالحه وشخصيته. [...] السؤال الأكثر إلحاحاً، ليلًا ونهاراً، هو: هل توجد في أي مكان قوّة قادرة على وضع حد لهذا الواقع؟ وإن لم تكن موجودة، فكيف يمكن للمرء أن يهرب؟"

يظهر جلياً أن الماضي (الذي كان حاضرَ بالْ آنذاك) يتكرّر في حاضرنا. ويمكننا، بكل بساطة، تبديل "1913" بـ "2020"، أو ربما "2060"، وسيبقى الوصف مطابقاً لما نعيشه في أية حقبة. وقد يكون موقف بالْ الرّافض لتبنّي النوستالجيا كبديل عن الواقع هو ما أنقذه من الهلاك في الحرب، إذ هاجر هذا "اللّامنتمي"، مع بداية الحرب العالميّة، إلى السّويد التي كانت تتخذ موقف الحياد آنذاك، وبقي فيها حتى وفاته.

ومن خلال النوستالجيا، يتمنّى البشر أموراً لم تكن موجودة أصلاً. فالذّاكرة الإيجابية هي التي تبقى، وعلى مدى عدة أجيال، تميل كفّة الذاكرة الإيجابية لتتخلص تدريجياً مما كان موجودًا في الحقيقة، وتحوّله إلى رغبات مكبوتة تطوف كالأشباح. تشير الباحثة جيني ادكينز أن التروما تسبب شعوراً بالخيانة لدى الفرد نتيجة عدم تحقق توقعاته. أي أن الصدمة تعني دائمًا التعرف على الحقيقة كما هي. ولذلك، ينتج عن كبت التروما الجماعية سرداً مزيفاً ورفضاً للاعتراف بالحقيقة والواقع. ويقول كاتب الخيال العلمي فرانك هربرت: "يتم كبت الصدمة أو التروما (وهي صدمة يسببها الواقع) من خلال الحنين المزيف (أي الاستعراض المتخيّل للأحداث) الذي يركز على الأحداث الإيجابية في الذكريات الماضية بدلاً من الذكريات السيئة.

ولهذا السبب يرى هربرت أن النوستالجيا هي وهمٌ مثيرٌ للإهتمام. فتعِدنا الأيديولوجيات والأديان باليوتوبيا وتطعمنا من فُتات الوهم مراراً وتكراراً. إلا أن هذه اليوتوبيا (أي "اللامكان"، حسب المعنى الأصلي للكلمة) غير قابلة للتحقُق سوى في ذاكرة الطفولة. ويشير المحلل النفسي النمساوي اوتو رانك إلى رابط بين الطفولة والأساطير: "تنشأ الأساطير على يد الكبار الذين يتخيلون عودتهم إلى الطفولة". وهنا تتم عمليّة "التّسامي" أو "الإعلاء" الديني، Religious Sublimation، حيث تُستبدَل الأم بالدِّين كوعد باليوتوبيا. ومثلما يتفاعل البالغون مع ذكريات الطفولة والصور الفوتوغرافية القديمة، تتفاعل المجتمعات مع ذكريات متخيّلة عن ماضٍ أفضل من حاضِرِها. فيردد الناس عبارات وأمثال عن أيام البساطة والاستقرار والطمأنينة (أيام زمان، الزمن الجميل، زمن البحبوحة…) عندما كان كل مسار الحياة واضحاً بالنسبة لهم، بسيطاً وشفافاً، على عكس الراهن الضاغط والمستقبل المُقلق. لكن، تغيب عن اولئك الذين يشعرون بالحنين إلى الماضي حقيقة أنه في ذلك الماضي كان المجتمع يعاني من مشكلاته، حيث لكل زمانٍ واقعه ووقائعه وبالتالي ضغطه وقلقه. ولذلك تميل المجتمعات بشكل عام إلى التمسك بالماضي من خلال التمسك بالتقاليد والعادات القديمة، وتعطي أهمية كبيرة للسردية الرسمية التي تصطلح عليها الغالبية عند استعراضها للتاريخ. لكننا نحن أيضًا كأفراد نخلق ذكريات مزيّفة أيضاً للتعامل مع صدماتنا الشخصية. 

لبنان وتجارة الذاكرة

ما بين "الوطن الأم" و"العالم" ثمة "اغتراب". وإذ تمثّل الذاكرة الجماعية قيمة أساسية بالنسبة لهويّة من يعيشون بعيداً عن الوطن الأم في بلدان العالم، فإن هذه "القيمة" في "بلاد الإغتراب" تساعدهم على استدامة الحبل السري، بلا انقطاع، بذاكرة جماعية هي صلة وصل بين الجاليات المنتشرة ووطنهم الأم. ويشير الباحث إريك لاغنباشر إلى أن المواطن المغترب يلعب دوراً هاماً كحامل للذاكرة الجماعية الوطنية. إذ يملك المغتربون قدرة خاصة على تعزيز (وحتى بناء) السرديات التاريخية السائدة في الوطن الأم بلغتها الماضية وجوهرها وشكلها [وحتى باللهجة]، كما كانت عليه في الماضي. ويظهر هذا السلوك جليّاً في علاقة "المغترب اللبناني" بوطنه، فيَزور لبنان مع أولاده في فصل الصّيف ويعيد تجديد ذاكرته عبر زيارة ما تبقّى من غابات الأرز القديمة في وجدانه، ويتناول المازة اللبنانية في "المصايف" النقية الهواء "في ذاكرته"، ليعود مجدداً إلى بلد الإغتراب ويستعيد وطنه البعيد، بصوت فيروز، "حنيناً" إليه  . 

فالذاكرة الجماعية ترمز إلى حضور الماضي الدائم في المجتمعات المعاصرة على شكل عناصر ثقافية واجتماعية متكررة واستعادةٍ دائمة. وهي في لبنان السياسي قد تشمل كل تلك العناصر، ولكن بانتقائية يفرضها الماضي الذي يعاد بناؤه وترميمه استجابة لحاجات وقضايا الحاضر. وهنا تلعب الذاكرة الجماعية في لبنان دوراً جوهرياً لناحية الاستغلال السياسي للماضي الذي يشكل ضبط سياقه الزماني مصدرَ قوّة مهمّاً لأهل السلطة وأصحاب النفوذ. 

وفي هذا المناخ بخصوصيته اللبنانية، يجد من يمكن تسميتهم "رواد أعمال الذاكرة" (Memory entrepreneurs) واحة استثمار لذكريات المجتمع وحنينه إلى الماضي. وهم باختصار عاملون فاعلون في السياسة والإعلام والفن والتسويق يستخدمون الذاكرة الجماعية لتحقيق مكاسب سياسية أو مالية. وهنا تكمن قوّة الأيدولوجيا أو "النوستالجيا المزيّفة" كسد منيع في وجه الحقيقة. فأقوى ما في جعبة الأحزاب السياسية في لبنان صور الأبطال والشهداء والمعارك والأساطير... التي تُستخدم إلى ما لا نهاية لإضفاء مزيد من الشرعية على سلطتها ونفوذها. كما تتهافت في واقعنا وحاضرنا من ماضينا الانفصامي ذاك، صانعُ حاضرِنا، الإنتاجات والأعمال "الفنيّة" التي تُسلّع الماضي وتصنع "تركاته" وتموّهه وتبيعه، بالجملة والتجزئة، على شكل تذكارات صغيرة وفنجان قهوة وطربوش وصورة "بوب آرت" للصبوحة أو فيروز، وقهوة "القزاز"، وحسابات انستغرامية تستعيد "نعيم" "بيروت القديمة" و"الزمن الجميل"، ولكن… انستا غرامك راح. واللافت في هذه "الصناعة" أن معظم "المخضرمين" فيها لم يعيشوا بالضرورة في بيروت القديمة التي يحنّون إليها. فهل وقعوا ضحيّة السمّ الذي صنعوه؟

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: