كلنا تعلمنا جدول الضرب تحفيظاً، أرقاماً ولحناً. أذكر أن أستاذ الرياضيات في صف السيرتيفيكا، كان يجعلنا نسمّع جداول الضرب من الـ 1 إلى الـ 10، جَماعياً وبصوت عالٍ، فيما يجول بين مقاعدنا حاملاً عصا قصيرة وغليظة، كنا نلعب بها لعبة "العلم": من ينتزعه ويفرّ نحو فريقه، ويفشل مُلاحِقُه في مسّه، يفوز.

إذاً، كنا نُنْشِد جداول الضرب بحماسة، والأستاذ يتنقّل بيننا، بخفّة نمر متربّص بطريدة، مسلّطاً أذنيه على جانبي كل ممر ليسترق السمع. وما إن يلاحظ أحدًا يتأتئ مربَكًا، حتى يترك العصا تهوي بثقلها على نافوخه.

"عَنْتْسمِّعْ اللحن وحدو، يا حْمُور؟ رُحْ قفْ هناك،" ينهر الأستاذُ التلميذَ الذي يسرع إلى هناك، متلمّساً رأسه للتحقّق من دم يسيل. كانت إصابات أستاذ الرياضيات طفيفة لكن موجعة وتخلّف "دناكير" (انتفاخات) في الرأس.

المهم أننا حفظنا جداول الضرب من 1 إلى 10، بعض الأساتذة كانوا يرفعونها إلى 12 أو أكثر لمزيد من الفائدة، بغض النظر عن طريقة التحفيظ، أكانت معاصِرة بالترغيب أم بائدة بالترهيب.

بعد حزيران 1999، طرأ على اللبنانيين جدول ضرب جديد، حفظوه بملء خاطرهم وبسرعة فائقة، وبلا ترهيب أو ترغيب، لأن حياتهم باتت رهنًا به. فمنذ ذلك التاريخ، ثُبِّت سعر صرف الدولار الأميركي عند 1507.5 ليرة لبنانية (وشراؤه عند 1515.5).

ولتيسير التعاملات في ما بينهم، وتفاديًا لاستخدام الآلات الحاسبة، توافق التجار والزبائن ضمنيًا على تدوير سعر الصرف عند 1500. وهكذا، أبصر النور الجدول الجديد للضرب بـ 1500 (آه، وللقسمة أيضًا).

وأهمل اللبنانيون الـ 7.5 ليرات عند شراء الليرة والـ 15.5 ليرات عند شراء الدولار، وقرّروا (ما عدا المصارف والصرّافين والدوائر العامة، أكيد) تحمّل الربح والخسارة الناجمَين عن الفرق، عَمَلاً بمقولتهم الشهيرة "بلا وجْعة راس" التي يطبّقونها في كل شؤونهم، مجيّرين بذلك عبء المسؤوليات على الـ "آخرين".

فانتشرت لافتات "الدولار = 1500 ل. ل." على واجهات المتاجر، جنب لافتات "يلزمنا آنسة للعمل"، وفي شتى أماكن التداول. وصار اللبناني بمجرّد أن يميل رأسه يميناً ثم يساراً (لبيع الدولار)، أو بالعكس (لشرائه)، ينطق فوراً بالنتيجة.

وانتفى الفرق بين حَمْل الدولار وحَمْل الليرة في الجيب أو الجزدان، بفضل جدول الضرب الجديد. ومعه، تعرّف اللبنانيون على مصطلح "الدَوْلَرة" فأخذوه مرادفاً لـ "الهَوْبَرة"، فلم يحفلوا بأخطارهما التي حلّت أخيراً بثقلها... أين منه ثقل عصا أستاذ الرياضيات.

ليس جديداً ارتباط الليرة اللبنانية بعملات أخرى، ولعلّ العملة المحرّرة الوحيدة في هذا الساحل المشؤوم هي الشيكل الصُوري (نسبةً إلى مدينة صُور)، عملةُ الفينيقيين (أجداد بعضنا) الذين سبكوها عام 400 قبل الميلاد. وهي تلت عملتهم أيضاً، الشيكل القرطاجي، في 450 ق.م. وكل 20 شيكل كانت تساوي داريك ذهبية فارسية.

ثم راحت عملة هذه المنطقة تتغيّر مع تغيّر الغزاة والمحتلين والمنتدِبين والمستعمِرين، العرب منهم والأعاجم، كان آخرهم العثمانيون، والليرة "العِسْملّي". ومع ذهاب الأتراك، حاول الإنكليز الذين كانوا يحكمون مصر، دخول لبنان ومعهم الجنيه المصري، فظهر مصطلح "مصاري"، لكن تداول الجنيه لم يدم طويلاً... غادر الإنكليز وبقيت المصاري لتعبّر عن النقود. 

وفي 1922، وعقب إعلان "لبنان الكبير"، أدخل الفرنسيون الليرة السورية إلى لبنان وسوريا، فخضعت لـ "الفَرْنَكَة"، لارتباطها بالفرنك الفرنسي، وكانت تساوي 20 فرنكًا. وفي عهد حكومة فيشي الفرنسية التابعة لألمانيا النازية في بدايات الحرب العالمية الثانية، أمست ليرتنا "مُسْتَرْلَنَة" مع ارتباطها بالجنيه الإسترليني، بسعر صرف قدره 8.8 ليرات للجنيه.

وقبل الدَوْلَرة الأخيرة، مرّت أسعار الليرة، منذ بدء عمل مصرف لبنان في 1964، بأرقام يصعب اعتمادها في جداول ضرب يسيرة: 3.22 ليرة للدولار حتى الحرب الأهلية. ثم 4 و5 ليرات في 1981 و82: سعران هيّنان للضرب والقسمة بالفعل، لكن في أحوال صعبة كالحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي. ثم 550 و380 فـ 880، حتى بلغ 2880.

وأخيراً 1950 ل. ل. مع وصول البشمهندس رياض سلامة الذي أراحنا من عناء حمل الآلات الحاسبة بتثبيت سعر صرف الدولار. ثم، وبفضل هندساته الباشوية وجشع "شُرَهائِه"، صَوْرَخ الدولار عاليًا. فحرمونا متعة جدول الضرب ذهنيًا بـ 1500 (أه، والقسمة عليها). ومع تبخّر ليراتنا ودولاراتنا، حتى الآلات الحاسبة لم تعد تنفع.

خسئتَ يا أستاذ الرياضيات من كل هذا الضرب لأجل جداول ضرب ولحنها الرتيب التافه. الدناكير التي أحدثتَها بعصاك الغليظة على رؤوسنا حسبناها زالت، لكنها عادت ترفُخُ كالغاتوه في الفرن، وانتفخت بحجم رأس. صار لكل منّا رأسان يلعبان لعبة "العلم": واحد يضرب وواحد يقسم، ولا أحد يفوز.