في عام 2002، تعاونت منظمة الصحة العالمية مع مجموعة من المختبرات بهدف إيجاد لقاح لفيروس سارس الذي ظهر قبل مدة قصيرة. حينها قامت بعض المختبرات بوضع التسلسل الجينومي لفيروس سارس ضمن براءات الاختراع الخاصة بها لتأمين ربح مادي واحتكار العلاج. شكلت هذه الخطوة عائقاً أمام تطوير العلاج من قبل مختبرات أخرى في وقت كان الوباء يزيد من انتشاره ويحصي المزيد من الضحايا.  

وعرضت إدارة ترامب مؤخراً على شركة ألمانية "مبلغاً كبيراً" للحصول على براءة اختراع علاج فيروس كورونا المستجد، مع إصرار من جهة "الشاري" أن تحصل الولايات المتحدة وحدها على العلاج. والهدف بطبيعة الحال، هو احتكار العلاج وتكديس الأرباح على حساب الأرواح. هكذا أعاد انتشار وباء كورونا المستجد قضية الدواء إلى الواجهة، طارحاً تساؤلات حول العلاجات وبراءات الاختراع. ومع انتشار الوباء عبر الحدود، "اكتشف" العالم أن اللامساواة الصحيّة عابرة للحدود أيضاً. فكيف وصلنا إلى هنا؟

اتفاقية "تريبس": المال أولاً

تُنقِذ اللقاحات ملايين الأشخاص من جميع الفئات العمرية من أمراض كالأنفلونزا والحصبة. ورغم نجاح هذه الحملات وفعاليتها من حيث التكلفة، يمكن منع 1.5 مليون حالة وفاة إضافية (معظمها في دول الجنوب) سنويّاً إذا تحسّنت نسبة التغطية حول العالم.

مثّلت الزيادة السّريعة في أسعار المواد الغذائية والطاقة، وتراجع أسواق الأسهم، والآثار طويلة الأمد للأزمة المالية العالميّة، تذكيراً بأن الاقتصاد العالمي يؤثر على مستوى حياة البشر في كل البلدان. أذ تلعب التّجارة الدوليّة دوراً بارزاً في الحفاظ على معيشة الناس في جميع أنحاء العالم، خاصة أنها تتجاوز القطاع الاقتصادي وصولاً إلى المجال الصحي. من هنا أهمية فهم الواقع السياسي لمنظمة الصحة العالمية (WHO) ومنظمة التجارة العالمية (WTO) لشرح آثاره على قضايا التجارة والصحة.

يحدد "الاتفاق حول الجوانب المتعلقة بالتجارة لحقوق الملكية الفكرية" (تريبس) نظام براءات اختراع الأدوية الحالي. وتم تقديم الاتفاق خلال مفاوضات منظمة التجارة العالمية في الأوروغواي عام 1995 (Ravvin, 2008). تشترط اتفاقية "تريبس" من جميع الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية الامتثال لقوانين حماية الملكية الفكرية الصارمة (Intellectual Property) للأدوية، والتي تَضمَن 20 عاماً على الأقل من حصرية السّوق للأدوية الحاصلة على براءة اختراع (Ravvin, 2008). شكّلت هذه الاتفاقية بداية تحوّل الحق بالصحة والعلاج إلى سلعة تجارية تستفيد منها قلّة على حساب مئات الملايين من البشر. يرى المدافعون عن مبدأ الصحة العامة بأن نظام "تريبس" يفيد شركات الأدوية العابرة للحدود والبلدان المتقدّمة ذات القدرة التَصنيعية العالية مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان، وذلك على حساب توفير الأدوية بأسعار معقولة لملايين الأشخاص ذوي الدخل المحدود حول العالم. وقد أدّى هذا الواقع إلى خلق معاناة جديدة للعديد من البلدان المتوسطة الدخل والبلدان الفقيرة التي كانت تعاني أصلاً من ضعف النظام الصحي لديها، وهي الآن مطالبة بالامتثال لنظام براءات الإختراع الدوائية.

قبل نظام البراءات الحالي، كانت البلدان النّامية تعتمد على حِمائية فضفاضة لبراءات الاختراع التي مكّنت الشّركات المُصنّعة من إصدار نسخ  منخفضة السعر (Generic) من الأدوية (Muzaka, 2009). تاريخياً، شكّل الخطاب المرتبط بـ "العالم الثالث" دفعة نحو الأمام لمنظمة الصّحة العالميّة لتعزيز دورها في المجال الصّحي. فاعتبرت منظمة الصّحة العالميّة أن الأدوية الأساسيّة "ذات أهمية قصوى، وبالتالي، لا غنى عنها وضرورية للاحتياجات الصحيّة للسّكان، ويجب أن تكون متاحة في جميع الأوقات كجرعات تناسب جميع شرائح المجتمع." (Reich, 1987) ومنذ ستينيات القرن الماضي، شجعت الحكومة الهندية على تصنيع الأدوية المنخفضة السعر لتلبية حاجات سكانها ذوي الدخل المحدود، إضافة إلى تصدير هذه الأدوية إلى بلدان أخرى في عالم الجنوب.

تكريس النيوليبرالية وضرب منظمة الصحة العالمية

في عام 1977، تلقّت خطط منظمة الصّحة العالميّة لشراء الأدوية الضرورية بالجُملة للدول الأفريقية، وتشجيع الهند على إنتاج الأدوية المنخفضة السعر، تلقت مقاومة شديدة من لوبي شركات الأبحاث الدوائية (Towsend, 2016). تحجّجَ اللوبي بفكرة أن هذه الخطوات ستؤدي إلى زعزعة مجال الأبحاث وإدخال أدوية جديدة إلى السوق. بحلول منتصف التسعينات، أصبحت منظمة الصحة العالمية تعتمد بشكل متزايد على المساهمات المالية من الدول الأعضاء الغنية. أدى ذلك إلى خلق الظروف المناسبة لولادة اتفاق "تريبس" والحق الخاص في الملكية الفكرية، في ظل تحوّل الاقتصاد العالمي إلى اقتصاد نيوليبرالي. وكان لحقبة التسعينات بسياساتها النيوليبرالية أثر سلبي على قسم كبير من سكان دول الجنوب. فزادت الفروقات الإجتماعية ونسبة الفقر والبطالة والأثر البيئي الناتج عن أنشطة الشركات متعددة الجنسيات.

وفي ظل سياسة التجارة الحرة، ونتيجة انتشار الايديولوجية النيوليبرالية التي تعزز المنافسة بين الأسواق، ضَغَطَت الشّركات بقوة لحماية الملكية الفكرية من أجل حماية احتكاراتها. وفي ظلّ سيطرة الشركات الخاصة على هذه الأسواق، أصبحت الحكومات والمبادرات الصحية العالمية تعتمد بشكل كبير على شركات الأدوية التجارية من أجل تأمين الدواء واللّقاح للفئات الأضعف. إلا أن هذه الشركات، ونتيجة منطق المنافسة في ما بينها، قلّصت انخراطها في هذه المبادرات التي تتطلب منها تأمين الأدوية بأسعار منخفضة. كما تسمح حماية الملكية الفكرية بطرح أسعار احتكارية، ما جعل وصول البلدان النامية إلى الأدوية بأسعار معقولة أمراً صعباً (Ravvin، 2008). وقد أدى ذلك إلى نقاش دولي حول عدم إمكانية الوصول إلى الأدوية الضرورية مثل أدوية علاج فيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز. فعلى سبيل المثال، واحد من بين كل ألف شخص مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية في أفريقيا حصل على علاج الإيدز. كانت الأدوية المضادة للفيروسات (ARV) متاحة فقط من الشركات الأصلية التي كانت تمتلك براءة الاختراع وكانت أسعارها تتراوح ما بين 10000 إلى 15000 دولار أميركي لكل مريض سنوياً.

رفع سعر الدواء بنسبة 400٪

تم إنشاء نظام البراءات بغرض تحفيز الاستثمارات في مجال البحث والتطوير (R&D) ومساعدة المبتكرين على استرداد تكاليف أبحاثهم. إلا أن هذا النظام له عواقب أخلاقية من حيث تأثيره السلبي على تأمين الأدوية للجميع. وبموجب اتفاقية "تريبس"، تستطيع شركات الأدوية فرض أسعار عالية جدًا على الأدوية الحاصلة على براءة اختراع والتي يمكن أن تصل إلى 400٪ فوق أسعار السوق التنافسية (Ravvin, 2008). هذا المنطق الربحي يتلخص ببيع الأدوية بسعر أعلى لعدد قليل من الأسواق الغنية بدلاً من بيعها بسعر أقل إلى سوق أكبر. دفع هذا الواقع المصنعين في البلدان النامية إلى إنتاج وبيع الأدوية المحمية ببراءة اختراع بطريقة غير قانونية من أجل تأمين الدواء للسكان. ثبُتَ أن العديد من هذه الأدوية المزيّفة غير فعّالة وأحياناً مضرّة بالصحة. أما من منظور حقوقي وإنساني، يواجه ملايين الأشخاص خطر الموت سنوياً نتيجة هذه السياسات والاحتكارات وهو ما يتعارض مع الحق في الحصول على الأدوية الأساسية التي سبق أن أقرتها منظمة الصحة العالمية.

من له اليد الطولى في مجال الصّحة العالميّة؟

القوّة مفهوم معقد للغاية. فهي لا تستند على القوة المالية فقط، بل أيضاً على المعرفة والمعلومات التي تُعطي شرعيّةً مُفتَرَضة لوضع طروحات "أخلاقية" على جداول الأعمال المرتبطة بالصحة العالمية. قبل نظام حقوق الملكية الفكرية، كانت السّلطة تُمارَس في بيئة صحية أقل تعقيداً. تمكنت منظمة الصحة العالمية من تفرض سلطتها كمرجع للصّحة حول العالم من خلال إدراج معظم دول العالم، الغنيّة والفقيرة، في اتفاقية عضويتها. ولفرض سلطتها الأخلاقية، استندت منظمة الصّحة العالميّة على المعرفة والقدرة على استخدام الأدلة العلمية وعلى التفويض السياسي المعترف به في القانون الدولي (Shiffman, 2014). ومع ذلك، فقد تغير هذا النظام بشكل كبير اليوم. تراجعت القوة الماليّة لمنظمة الصّحة العالميّة، وتم تقويض سلطتها الأخلاقية وتحديداً من قِبَل الشركات الصحية العالمية وهيئات البحث والجامعات التي تتنافس على الموارد الماليّة للإستثمار في البحث والتطوير في مجال الصحة العالمية (Hanefeld and Walt, 2015).

طالما أن نظام براءات الاختراع الحالي يربط المكافآت على الابتكار بنظام الأسعار، فمن غير المحتمل إيجاد حل للأزمة وتخفيف حدة اللامساواة بين شعوب العالم. هذا هو الواقع الحالي بالنسبة لوباء فيروس كورونا المستجد. وها هي الشركات الطبيّة تتنافس في ما بينها، ليس من أجل التقدم العلمي أو صحة الإنسان، بل من أجل الإحتكار وتكديس الأرباح على حساب معاناة شعوب الأرض. افتُتِح المزاد… فمن يحصل على اللقاح أوّلاً؟

مراجع:

Hanefeld, J., & Walt, G. (2015). Knowledge and networks - key sources of power in global health: Comment on "Knowledge, moral claims and the exercise of power in global health". International journal of health policy and management, 4(2), 119-21. doi:10.15171/ijhpm.2015.25

Muzaka, V. (2009). Dealing with Public Health and Intellectual Property for Pharmaceuticals at the World Trade Organization. In S. MacLean, S. Brown, & P. Fourie (Eds.), Health for Some (pp. 183-195). Basingstoke: Palgrave Macmillan.

Ravvin, M. (2008). Incentivizing Access and Innovation for Essential Medicines: A Survey of the Problem and Proposed Solutions. Public Health Ethics, 1(2), 110-123. doi: 10.1093/phe/phn017

Reich, M. (1987). Essential drugs: economics and politics in international health. Health Policy, 8(1), 39-57. doi: 10.1016/0168-8510(87)90129-1

Shiffman, J. (2014). Knowledge, moral claims and the exercise of power in global health. International Journal Of Health Policy And Management, 3(6), 297-299. doi: 10.15171/ijhpm.2014.120


كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: