كان يخطو على أحد أرصفة بيروت في ليلة رتيبة، يشغل ذهنه بالتّأمّل في وجوه النّاس، ويسائل نفسه عن سبب جهادهم في سبيل العيش تارة، ويتساءل "لماذا أتى هو إلى هنا؟" تارة أخرى. كان شابّا فقيرا أنيقا في مظهره بلا تكلّف، متأبّط لكتب الفلسفة والسّياسة، يراعي مشاعر الآخرين بحساسيّة مفرطة، مدافع بليغ اللّسان عن حقوق النّساء والأطفال والمستضعفين، متحدّث متفوّه قادر على الاستماع لهموم الآخرين ونصحهم بمنهجية عقلية تقوم على اعتصار مضامين الأحداث من جهة والالتفات للغايات من جهة أخرى.
خطوات قليلة حتّى اخترقت جملة طائشة سلسلة أفكاره، كان ثمّة رجل عجوز يجالس أصدقاءه في مقهى صغير، يقول لهم "كيف يمكن أن أقوّم تصرّفات ابني المراهق، هل أحثّه على قراءة الفلسفة؟". بالنسبة للشّاب، كانت هذه الجملة تصلح اسما لمعهد فلسفي، "نحن نحث ابنك على قراءة الفلسفة، أحضره طفلا وخذه أفلاطون مثلا، هاهاها". بالنسبة للعجوز، كانت هاجسا يطرق ذهنه بإلحاح. تقدّم نحوه وقال ملاطفا "يا عمّ، إنّ الفلسفة ليست قدحا يشربه ابنك فتنبت لحيته ويصير متّزنا"، استدار العجوز نحوه وابتسم، وهو كان يتسوّل بجملته الأولى ابتسامة العمّ كي لا يفهم تدخّله تطفّلا. طلب منه الجلوس إلى جانبه، ثمّ قال "ألا تظنّ أنّ الفلسفة قد تنفع؟"، قدّم الشّاب نفسه ثم قال "هل تعتقد أنّك إذا قدّمت لابنك "سِسْتاما" يمَلّكه ثلاثيّة تشرح كينونة الإنسان كما صدف أن كان، غير مروّض، ثم كينونته مستطيعا أن يكون، ثم القواعد الّتي ينبغي أن تضبط هذا الانتقال أو هذه الصّيرورة، أنّ ابنك سيصير فاضلا؟"، أجاب العمّ وهو يصرف بأسنانه، "في الواقع، إنّ خياراتي تجاه ابني وليدة تخبّط أعيشه دون انقطاع، مسؤوليّتي تجاهه معلّقة بين طرفين، الأوّل لوم المجتمع إيّاي إذا أنا أخفقت في تربيته، والثّاني، لومي أنا لنفسي. أرجو أن يفسّر هذا تيهي في العموميّات."
لقد كان الفتى على قناعة تامّة أنّ كلّ عمل أو سلوك إنّما يعبّر عن معتقدات ومفاهيم حاملة لنظريّات أخلاقيّة من شأنها أن تنظّم ترجيحنا لسلوك ما، في ظرف ما، في وقت ما. من المحتمل أن يكون هذا بديهيّا، لكنّ هذا يعني أنّ كلّ تنظير من هذا القبيل إنّما هو تنظير للقوننة وللأخلاق في آن، لأن فعل القوننة ما هو تنظيم للسلوك وفق رؤية معيّنة، إلّا أنّ العادات العقليّة الّتي خلقَتها طريقة تقديمنا لتاريخ تغيّر القوانين، وفصلها عن تاريخ الفلسفة الأخلاقية، أفضت إلى صبغ كلّ منهما بصبغة الاستقلاليّة الزّائفة.
في أواخر القرن التاسع عشر، خرج بعض الفلاسفة للقول أنّ الأخلاق لا يمكن أن تنفصل بشكل حاسم عن الأنماط الموروثة من الممارسة، هلّل كثيرون لهذا الزّعم الذي يمهّد لتزاوج بين الأخلاقيّات والبسيكولوجيا بوصفه الضّابط الأوّل من نوعه للنظر بعناية كافية إلى طبيعة الأمور المطوِّقة للمسائل التي مهمة الأخلاق الإجابة عنها. في الواقع، هذا لم يكن سابقة، لقد عرف اليونانيون قبلهم هذا الارتباط، كان شعب اليونان المثير للإعجاب، يعرف أنّ تعوّد الإنسان على نمط محدّد من العيش، يخلق من خلال الممارسة ضوابط متعالية يأنسها الذهن، كانوا ملتفتين إلى أهميّة هذه الطريقة في ضبط سلوك من ليس له أن يخاطب بالفلسفة بحسب تعبيرهم. يعني من لا يملك جودة الذّهن والقدرة على التّمييز والاستفادة الحقّة والتنبّه الصحيح والتأمّل في العواقب وسائر الخصال الّتي تمكّنه من ابتلاع الحكمة. إنّ هذا النّمط من العيش كانت ترسيه القوانين. بالتّالي فإن علاقة الضوابط العالية التي تسوّغ القوانين- نمط العيش الّتي ترسيه القوانين، إنّما هي علاقة دائريّة.
تخيّل أنّ بلدا ما يعطي أصحاب النسب امتيازات معيّنة، ألا تعتقد أنّ هؤلاء ما لم يتفحّصوا قناعاتهم، سيتعاملون مع الآخرين من الذين لا يميّزهم النّظام بدونيّة؟، تخيّل أيضا نظاما يبيح الملكيّة الخاصّة، والتي تعني السماح بتحويل ثروات عامّة إلى رأسمال خاص، ألا تعتقد أنّ سلوك الفرد هناك سيبتغي النّفع الشخصيّ فقط، دون الالتفات إلى الآخرين؟ ثمّ ماذا عن نظام يتعامل مع الانسان لا بوصفه انسانا، بل بوصفه منتميا إلى مذهب ما، ألا تعتقد أنّ مشايعي كلّ مذهب سيتقوقعون على أنفسهم في قبال جماعات المذاهب الأخرى؟، (ثم ألا يفسّر هذا الدعوات للتّقسيم وللفدراليّة الّتي نسمعها،؟). القانون يرتكز على رؤية فلسفية أخلاقيّة تترجم سلوكا، ثم يتكفّل اعتياد النّاس على هذه السلوكيات تسييل هذه الرؤية في شرايينهم.
لقد كان العمّ غارقا في مشكلة ابنه، وها هو الشّاب يخرجه منها ليطلب منه النّظر في ما هو أعمّ وأشمل. أخبره بقناعاته هذه وكان على ثقة أنّه يستطيع التفاهم معه، استدار العجوز بكرسيّه ولوّح بيده كأنّما يطرد حشرة تضايقه قائلا "إذا ما العمل؟" يجيب الفتى "إنّ أفضل نمط للحياة الانسانيّة هو ذلك الذي تكون فيه الفضيلة متجسّدة، أو في تجسّد. لأجل هذا النّمط من العيش تقوم الثورات. وإذا كان نمط العيش، وفعل القوننة، يرتكزان على رؤية أخلاقية واحدة، فإنّ الثورة على نظام ما لأجل تقويم اعوجاجه، والانتفاض على سلوكيّات ابنك لأجل ضبطها، إنما هما تمظهرين مختلفين لجوهر واحد، وفي كلتا الحالتين، فان ثمّة تعليم منافس يتوجب عليك استجوابه، وأن تكون قادرا على فهم الصعوبات الّتي يواجهها هذا التّعليم والتّغلّب عليها، ودحر مزاعمه المتعلّقة بالتسويغ العقليّ. وبعد ذلك، تكوين رؤية أكثر نضجا، وأقرب إلى الصواب. ثمّ تشريب هذه الرؤية لابنك أو للمجتمع عبر الأساليب المتناسبة وهذه المهمّة، والّتي تتفاوت بين فرض قوانين تلزم الفرد بسلوكيّات محدّدة، وبين الاكتفاء بتنبيهه على عقم الارتكاز الأخلاقيّ الذي يتبناه، والإشارة إلى الرؤية الأخرى." بدا العمّ مرتبكا وكأن ما سمعه قد مسّه في دماغه، قال بعجل "ما الفضيلة؟؟!"، ابتسم الفتى، لم يجب، وغادر.
لقد ظهرت للتّوّ لدى العمّ مشكلة تتلخّص في هذا السّؤال، لعلّه سيرهق نفسه للحصول على إجابة مرضية في ما تبقّى له من سنين.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: