نعرض هنا جزءاً مما قدمه كتاب "دولة الكونغو الحرة والإمبريالية الجديدة" (2016)، من تأليف كيفين غرانت حول المراحل التي سبقت وتلت تصفية باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء منتخب ديمقراطياً، والدور الأميركي الداعم للاستعمار البلجيكي والقوى المحليّة الرجعيّة، الذي أصبح المحرّك الأساسي للواقع السياسي والعسكري في هذه المنطقة. 

تعتبر هذه الدراسة ثمرة جهود غرانت لفضح الأطماع الإمبريالية وشهوة الاستغلال الاستعماري التي ارتبطت بدوائر الغرب وعملائه المحليين في الكونغو. وهي تكشف المدى الهائل للأكاذيب والخيانات التي أحاطت بوقائع اغتيال رموز الحراك الاستقلالي في الكونغو. واستعان غرانت بعدد كبير من المصادر الرسمية والشهادات الشخصية لمن واكبوا تلك الفترة في الكونغو. كما بيّن دور البيت الأبيض والأمم المتحدة في أزمة الكونغو ودوافعها في ضوء الحرب الباردة، على أساس الذرائع التي أعلنتها واشنطن لتبرير تدخل المعسكر الغربي لدعم القوى اليمينية الرجعية الانفصالية، استناداً إلى المزاعم القبلية لمحاصرة "المد الشيوعي في أفريقيا".

وكيفين باتريك غرانت هو أستاذ تاريخ في كلية هاميلتون، نيويورك. له العديد من الدراسات حول التبعية النيوكولونيالية، نقد التاريخ الإمبريالي والمجتمعات المشاعية المحلية.

الاستعمار يقرر تصفية باتريس لومومبا بتواطؤ مع الأمم المتحدة

في 1957، عندما بات الاحتلال البلجيكي عاجزاً عن إخماد حركة التحرر الكونغولية، بالقمع تارة و بالإصلاحات طوراً، اضطر "بودوان الأول" إلى قبول قرار الاستقلال في 30 يونيو 1960. ولجأ بعد ذلك إلى إستراتيجية استعمارية جديدة هدفت إلى شن هجومه في اتجاهين:

الأول، إفشال الحكومة الجديدة عن طريق تمزيق "القوى العاملة" المحلية وسحب الإداريين والتقنيين البلجيكيين. والثاني، انتزاع إقليم "كاتنغا" الغني بالمعادن من الكونغو وتحويله إلى دويلة منفصلة مدعومة بالأسلحة والأموال (البلجيكية - الاميركية) عن طريق المرتزق المحلي لبلجيكا في الإقليم  "موييز تشومبي"، ابن أحد كبار الزعماء القبليين في الإقليم. وإضافة إلى الدعم البلجيكي، حصل تشومبي على إمدادات من قوى متطرفة وعنصرية من ولايات جنوب - غرب الولايات المتحدة الأميركية (أعضاء مجلس الشيوخ أمثال: روسل - ثورموند - هربرت هوفر - تشارلز ديركنز- باري غولدووتر). 

كما استهدف التدخل الغربي في الإقليم قمع الحزب التقدمي "كارتل بالوباكات" بزعامة "جاسون سيندوي" المناوئ لحزب "تشومبي". فكان ضرب هذا الحزب أمراً ضرورياً، خاصة وأن سيندوي يتزعم قبائل "بالوبا" التي كانت تؤيد حكومة "لومومبا" وتمثل 6٪‏ من سكان الإقليم وتقطن في ثلث أراضيه، حيث مناجم الماس الثمين التي كانت تجهز عليها شركات التنقيب البلجيكية - الأميركية.

كانت الإمبريالية الاميركية في الكونغو تمثل نقيض الاحتلال البلجيكي، إلا أنها في المقام الأول كانت تدعم "بودوان الأول"، ظاهرياً، رغبةً منها بسحق حركة التحرر الوطني "الكونغولية"، تفادياً لاتّهامها. ولذلك، دعمت الولايات المتحدة التدخل البلجيكي الهادف إلى شل الحكومة المركزية للجمهورية الجديدة عن طريق تصفية كوادرها وعزلها عن حلفائها العالميين.

وهكذا عملت الولايات المتحدة خلف الستار على عزل باتريس لومومبا واعتقاله، ثم تسليمه، مع موريس مْبولو الوزير السابق للشباب وجوزيف اوكيتو نائب رئيس مجلس الشيوخ، إلى تشومبي ومونونغو وكيمبي وموتاكا ليُقتلوا على مرأى قوات الأمم المتحدة. في ذلك الوقت، كانت الحركة الانفصالية المدعومة من قبل 200 ضابط أجنبي، أبرزهم المرتزق الفرنسي بوب دينار، قد فرضت سيطرتها على الإقليم. 

وهكذا عُرف السبب وراء توجيه الممثلين الأفارقة والاشتراكيين في الأمم المتحدة الاتهامات للأمينَ العام داغ همرشولد بالتقاعس أمام هذا العديد القليل من القوات العسكرية. واستنكروا أيضاً صمته المريب عندما رفض البريطانيون السماح للطائرات المصرية إعادة التزود بالوقود في أوغندا للتدخل من أجل إنقاذ لومومبا، وهو ما طالبت به الأمم المتحدة أساساً. وعليه، تعدّدت الاتهامات الموجّهة للأمم المتحدة بتخاذلها الذي أدى إلى إفشال المشروع التحرري ومقتل لومومبا.

الولايات المتحدة تسيطر على حركات التمرّد

بين شباط/فبراير 1961 وتموز/يوليو 1964 وبعد أن اغتيل لومومبا، سعت الولايات المتحدة إلى الاتفاق مع المرتزق تشومبي على إعادة دمج إقليم "كاتانغا" بالكونغو من جديد، فقد كانت معنية بتأمين التناسق بين حلفائها والمستثمرين الأميركان. وعندما لم يبد "تشومبي"، حتى تموز 1962، أي تحرّك نحو إدماج الإقليم مع الحكومة المركزية، مارست الإدارة الأميركية نوعاً من القهر الاقتصادي وشنّت حملة دولية لمقاطعة استيراد خامَي النحاس والكوبالت اللذين تنتجهما شركة أونيون مينيير البلجيكية، وكانت تتعامل مع الحكومة الانفصالية. كما دعت إلى إغلاق خطوط السكك الحديد بين كاتانغا وروديسيا. إلاّ أنها لم تفلح في مساعيها بسبب فقدان الحكومة المركزية، التابعة للبيت الأبيض، نفوذها بين الكونغوليين. ففي تلك الفترة، ظهرت قوى ثورية أخذت تتمرد على الوجود الأميركي والبلجيكي، وتنادي بإرجاع الإقليم المنفصل بالقوة. ولذا، قررت وزارة الخارجية الأميركية في 11 كانون الأول/ديسمبر 1962، مخافة أن تكتسب حكومة ليوبولدفيل (كينشاسا لاحقاً) طابعاً راديكالياً، توسّل القوة للتخلص من الحركة الانفصالية. فأعلنت في 20 كانون الأول إرسال بعثة عسكرية إلى الإقليم بقيادة الجنرال لويس ترومان، على رغم اعتراض السفير السوفييتي زورين، بوصفها إجراءاً تحكمياً من طرف واحد. فقد استغلت واشنطن موقعها في الأمم المتحدة وصوّرت للعالم أنها الجهة التي قوّضت حركة الانفصال التي كانت تدعمها في البدايات ضد برنامج لومومبا الوحدوي. ولكن عند تدخلها في الكونغو، هذه المرة، واجهت مجموعة سيمبا الثورية (أي أسد بالسواحلية). وهؤلاء كانوا من مؤيّدي فكر لومومبا وكانوا عقدوا العزم على مواصلة النضال ضد الاستعمار ووكلائه المحليين تشومبي - كازافوبو.

في كانون الثاني/يناير 1964، اندلع الحراك الثوري المسلح لسيمبا بقيادة بيري موليل ورفاقه الذين تدربوا على تقنيات الحرب الشعبية في الصين. واستطاع الفصيل السيطرة على إقليم كويلو واتّخاذَه منطلقاً للثورة، وليس بدافع الانفصال. عُرف الحراك باسم تمرد كويلو الذي أعلن ثواره تبني الفكر الماوي، وكانت الصين وكوبا تدعمان هذا التمرد.

تعاظم تأثير التمرد على النظام الكونغولي حين وشكلت قواته حكومة بديلة واستعدت للقضاء على السلطة الكونغولية الموالية للبيت الأبيض. فردّ بحملة عسكرية مضادة يقودها مرتزقة محليون وقوات مظلية أميركية، استطاعت القضاء على الحركة الثورية ففر موليل إلى كونغو برازافيل. وعقدت واشنطن وبروكسل صفقة يعيّن بمقتضاها كازافوبو رئيس الكونغو، تشومبي المغضوب عليه، رئيساً للوزراء محل سيريل أدولا الذي عجز عن التغلب على "الاستياء الاقتصادي" وعلى معارضي الحكومة المركزية. وأما اختيارهم تشومبي، في هذا الوقت، فجاء خشية أن تقوم حركة ثورية جديدة تطيح كل مكتسباتهم، بعد تخلصهم من سيمبا. فكان لابد من أن يستحكم الاستعمار ووكلاؤه في خندق واحد. شكّل ذلك بداية المرحلة الثالثة للهجوم المضاد الذي تقوده الولايات المتحدة بعد انسحاب الأمم المتحدة في حزيران/يونيو 1964.

ولذا، كان التدخل الأميركي - البلجيكي - البريطاني، المستند جوهرياً إلى اعتبارات عسكرية لتمكين قوات الميجور مايك هواري الكونغولية بقيادة المرتزقة الأوروبيين من الاستيلاء على ستانلي فيل، يُعَدّ اعتداءً صارخاً لحاجته إلى ذريعة ذات طابع إنساني، فدار الحديث عن إنقاذ رهائن بيض. وقد فضح ذلك زعماء أفارقة من أمثال كوامي نكروما وجومو كينياتا الذي شارك في مفاوضات ستانلي فيل. وفي الولايات المتحدة، طلب مالكوم اكس و7 من الزعماء السود البارزين، في مسيرة شعبية، إدانة التدخل الأميركي في الكونغو وتغيير السياسة المناهضة لأفريقيا التي يمارسها البيت الأبيض.

وضع اليد على الموارد الطبيعية والتحكم بالجيش

انتقل الصراع لاحقاً إلى المجالين السياسي والاقتصادي، حيث سعت المجموعات المالية الأميركية، مثل "بنك أوف أميركا" و"روكفلر" و "ج.ب. مورغان"، إلى زعزعة المصالح المالية والصناعية للحكومة البلجيكية في الكونغو. فتركز النفوذ السياسي والمالي الأميركي في كينشاسا من خلال أنهاء التعاقد مع شركة "أونيون مينيير" وإنشاء الشركة الأميركية "جيكامين" في 1969. وبغية الحصول على التأييد الشعبي وتأييد منظمة الوحدة الإفريقية، شرعت كينشاسا في إرضاء المشاعر المناهضة للاستعمار، عن طريق إقامة مناسبات، مثل تكريم "لومومبا" بعد فوات الأوان، وتنفيذ إعمال تصحيحية مثل إلغاء الأسماء البلجيكية من المدن الكونغولية في منتصف 1966. واستمر هذا السعي نحو أفرقة "مزيفة" مع إطلاق اسم جديد للبلاد وهو "جمهورية زائير"، بعد 27 تشرين الأول 1971، ووضع علم جديد في الشهر التالي. وفضلاً عن ذلك، جرى تغيير الأسماء ذات الوقع الأجنبي في حملة متزايدة الاتساع بدأت منذ كانون الثاني 1972. غير أن كل تلك الإجراءات كانت شكلية. فالرئيس موبوتو كان تابعاً سياسياً واقتصادياً لواشنطن. وكان من ضمن الرؤساء الذين يدافعون عن اتفاقية "كامب ديفيد" الذي أقرها الرئيس المصري أنور السادات مع الصهاينة في 1979.

وعلى رغم أن الصراع قد انتقل بدرجة كبيرة إلى المجالين السياسي والاقتصادي، ظلّ الجيش الكونغولي العنصر الرئيس للسيطرة على السلطة، وبخاصة، مع حلول المستشارين الأميركيين بالتدريج محل البلجيكيين، وظهور البعثات العسكرية الأميركية على نحو جلي ومتزايد في كينشاسا، واعتماد كينشاسا المتزايد على واشنطن فيما يتعلق بالتدريب والأسلحة والمعدات، وحتى في دفع نفقات القوات المسلحة. ووصل عدد الذين تدربوا على أيدي الإسرائيليين إلى 700 مظلي في 1970، وتقرّرت زيادتهم إلى 10 آلاف مظلي بحلول 1973. وكانت المطارات الحربية وأبراج المراقبة مجهزة بحوالى 300 من التقنيين الأميركيين، إضافة إلى عدد من الطيارين الذين تدربوا في القواعد الأميركية والإيطالية.

ومع تحكم واشنطن في الجيش الكونغولي، نجحت في السيطرة على الحياة المدنية للبلاد. كما استخدمته في التصدي لأي انتفاضات شعبية في الدول المجاورة. فحققت الإمبريالية الأميركية نجاحات عسكرية في الكونغو، وبخاصة عندما تدخلت في تشرين الثاني 1974.

خاتمة

تردد رأي في الصحافة العالمية بعد ذلك بوقت قصير مفاده أن استخدام الأسلحة الغربية في "ستانلي فيل" قد تطور إلى مفهوم لدى وزارة الخارجية الأميركية يؤمن بأن الاستخدام الجيد التوقيت للقوة الأميركية يمكن أن يقمع حركات التحرر الوطني، وهي صيغة كانت تتفق مع إستراتيجية "الاستجابة المرنة" التي طبقت بوجه خاص في فيتنام . فكان هذا التحول للأحداث في الكونغو والتخلص من لومومبا - استناداً إلى مستشار البيت الأبيض "و .روستو" - نذيراً بالنهاية الوشيكة للثورة الرومانسية في أفريقيا، وما زال أثره ماثلاً إلى يومنا هذا.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: