مثّل مصطلح "التفوّق الأبيض" حقيقة يومية لملايين من الأفرو أميركيين لعقود طويلة، ومع هذا فإنه نادرًا ما عُرّف للقارئ باللغة العربية، نظام التفوق الأبيض في الولايات المتحدة، بأنه مجموعة من القرارات والسياسات المتّبعة، من أجل فرض تبعية على فئة عرقية والتحكم بها، أداتها هي العنصرية "العلنيّة والخفيّة". يتخذ نظام التفوق الأبيض شكلين مترابطين بشكل وثيق: أفراد بيض يعملون ضد أفراد سود، وعنف جماعي من البيض ضد السود. إنها العنصرية الفردية والعنصرية الرسميّة. وتتكوّن الأولى من أفعال علنية يقوم بها أفراد، تسبب الموت أو تلحق الأذى أو التدمير العنيف بالممتلكات. ويمكن أن يوثّق هذا النوع من الأفعال بواسطة أجهزة تصوير. أما النوع الثاني فهو أقل علنية، وأقل قابلية للتعريف، وينشأ من سطوة الطبقة المسيطرة على المجتمع.

في الخمسينات والستينات، عندما كان يلقي الفاشيست البيض قنبلة على كنيسة للسود، ويشنقون رجالًا أو نساءً سود على الأشجار، كان هذا النوع من الجرائم شكلًا من أشكال العنصرية الفردية التي تأسف على وقوعها أغلب فئات المجتمع أسفًا عميقًا. ولكن عندما كان يموت في ولاية ميسيسبي أو ألاباما خمسمائة طفل أسود كل عام بسبب نقص الطعام والمسكن والخدمات الصحية المناسبة، وعندما يشوَّه الآلاف من السود جسمانيًا وعاطفيًا وعقليًا بسبب ظروف الفقر والتفرقة، كان ذلك من عمل العنصرية الرسميّة. وحين تنتقل عائلة سوداء الي بيت في حي أبيض، وتُرجَم بالحجارة أو تحرق أو تطرد من مسكنها، فإنها تكون بذلك ضحيّة عدوان علنيّ ناتج عن العنصرية الفردية التي سوف يدينها أيضاً أناس كثيرون بعبارات الشجب والاستنكار فقط. ولكن العنصرية الرسمية هي التي تبقي السّود مكدسّين في مساكن الغيتوهات الفقيرة، يخضعون للافتراس اليومي الذي يمارسه المُلّاك البيض. والمجتمع الأميركي إما يدّعي أنه لا يعلم ما الذي يحصُل، أو أنه غير قادر على فعل شيء. ولذلك، علينا تفحّص الأسباب باختصار.

تعتمد العنصرية الرسمية في الولايات المتحدة الأميركية على منهجيّة المواقف والممارسات الفعّالة الشّاملة المعادية للسّود. يدعمها في ذلك حسّ تفوّق الجماعة، أي فكرة أن البيض "أفضل" من السود، وعليه، فإن على السود أن يعيشوا تابعين للبيض. هذا موقف عنصري بامتياز تغلغل في المجتمع على الصعيدين الفردي والرسمي، سرًّا وعلانيّة.

يستطيع الافراد "البيض غير المتعصبين" أن يحرّروا أنفسهم من الملامة الفردية. فهؤلاء لم يضعوا قنبلة في كنيسة للسود، ولم يرجموا عائلة سوداء بالحجارة، أو يشنقوا طفلًا أسودَ على شجرة. إلا أنهم يستمرون في دعم المسؤولين السياسيين والمؤسسات السياسية التي تكرس السياسات العنصرية الرسمية. وهكذا فإن أفعال العنصرية الفردية العلنية لا تمثّل المجتمع الأميركي، ولكن العنصرية الرسمية تمثله، مدعومة بالمواقف الفردية السريّة العنصرية. فالسود مواطنون أميركيون، لهم، في الأغلب، نفس الحقوق المقررة لباقي المواطنين. ومع ذلك، فهم وُضِعوا في نفس مستوى الرعايا المستعمَرين في علاقتهم بالمجتمع الأبيض. وهكذا يكون للعنصرية الرسمية إسم آخر: الاستعمار. 

صحيح أن التشابه ليس تامًا، ففي ظلّ الاحتلال التقليدي، تشكّل المستعمرة مصدر مواد خام رخيصة مستخرجة (زراعية أو معدنية) يحوّلها المستعمِر الى سلع جاهزة، ويبيعها بربح مرتفع، أحيانًا لسكان المستعمرة نفسها وأصحاب الأرض. أما المجتمعات السّوداء في الولايات المتحدة فهي لا تصدّر شيئًا سوى "العمل". هنا، من الضروري أن نقدّم عرضًا سريعًا لتاريخ السّود في الولايات الأميركية الجنوبية. فهُم كانوا في تلك الولايات يعملون في زراعة القطن لقاء أجر زهيد في مقابل عشر ساعات عمل يوميًا، ويشترون بهذا الأجر ثيابًا قطنية، وأطعمة وسلعًا اخرى من التجار البيض. حاول العديد من الاقتصاديين تفسير هذه العلاقة بأساليب مختلفة. ولكن التفسير الموضوعي لهذه العلاقة يبقى أن السود في الولايات المتحدة ملزمون بعلاقات استعمارية تربطهم بالمجتمع الأكبر، علاقة تتميز بالعنصرية الرسمية. ويقوم هذا النموذج الاستعماري على ثلاثة أسس: سياسية واقتصادية واجتماعية.

يشاهد المجتمع الاسود بنيان "السلطة البيضاء" في مَشاهد يوميّة ملموسة. فيرى الأسود في الغيتو مالك منزله الأبيض يأتي لتحصيل الإيجار الباهظ، ولكنّ المالك لا يفي بوعود إجراء التصليحات الضرورية، بينما يعرف الاثنان ان دائرة تفتيش المباني التي يسيطر عليها البيض في المدينة، تغض الطرف أو تفرض غرامات خفيفة. في ولاية كاليفورنيا مثلاً، نجد الشرطي الأبيض يوسع سكّيرًا أسود ضربًا، بينما تسود حالة من السلميّة التامّة بين الشرطي الأبيض والمواطن الأبيض، حتى لو تعامل المواطن الأبيض مع الشرطي بقلّة احترام. في الغيتوهات، تتكدس المهملات على الأرصفة. ولكن السلطات المسؤولة عن إرسال شاحنات النفايات هي سلطة تابعة للبيض، والسود يعلمون جيدًا أن هذه السلطة البيضاء تتّبع هذه السياسة كموقف سياسي استعلائي. والسود يعلمون جيدًا أن كتب التاريخ تتجاوز الحقائق الحياتية المرتبطة بهم من بداية تاريخ اختطافهم من إفريقيا إلى عبودية المزارع والمنازل، ثم تاريخ نضالهم ضد التمييز العنصري، لأن مجالس المدارس الفيدرالية يتحكم بها البيض. الطبقة العاملة السوداء أيضًا ليست معنية بحوارات المثقفين الليبراليين حول الطبيعة التعددية للسلطة السياسية الأميركية. فهذه الطبقة العاملة السوداء تواجه بنيان سلطة بيضاء لا تقل وحشية عما كانت عليه امبراطوريات أوروبا الاستعمارية.

نظام التفوّق الأبيض في ظلّ التباعد الاجتماعي

كشفت جائحة كوفيد-19 باكرًا حقیقة الانقسام الطبقي الصّارخ في نظام الرعاية الصحیّة الأميركية، ليشكل إدانة واضحة لنظام "التفوق الأبيض". اتخذ الوباء مسارًا مختلفًا وأشد فتكًا في الأحياء الفقيرة الكثيفة التي يقطنها السود، حيث تنخفض أعداد الأطباء وجودة الخدمات التي تقدمها مستشفيات الغيتوهات. كما يختلف مستوى التغطية الصحية المقدمة للأفراد الذين يعملون في الوظائف "الخدمية" مقارنة بأولئك الذين يتلقون أجورًا أعلى، وهي ظاهرة موثّقة تاريخيًا.

وبحسب بيانات مكتب الإحصاء الأميركي، يعيش 20% من الأميركيين من ذوي الأصول الأفريقية تحت خط الفقر، في حين تبلغ النسبة 10% فقط في صفوف الأميركيين البيض. ويسكن أغلبية السود في مناطق تتميز بانخفاض القيمة التأجيرية للشقق والبيوت فيها، ما يؤدي إلى انخفاض الإيرادات الضريبية للسلطات المحلية، وبالتالي، ينعكس ذلك على مستوى الخدمات الصحية المقدمة لسكان تلك المناطق.

يصبح التباعد الاجتماعي المفروض لمواجهة انتشار فيروس كورونا المستجد أكثر تعقيدًا في غيتوهات السود الفقيرة، حيث تتقلّص مساحة المنازل وتزداد الكثافة السكانية. مشهد الاكتظاظ نفسه يظهر في محطات المترو قرب أحياء السود. كما تزيد طبيعة وظائفهم من احتمال تعرضهم للفيروس إذ يشكّل السود نسبة كبيرة من هيئات التمريض وعمال القطاع الغذائي وسائقي الحافلات والميكانيكيين وعمال المصانع وعمال نقل البضائع وغيرها.

في المقابل، وفي خضم الأزمة الكارثية، حصلت النخب البرجوازية على "هدية" من حكومة البيت الأبيض بلغت تريليونات الدولارات لتخرج من الأزمة أكثر ثراءً ونفوذاً من أي وقت سابق. ولكن، ومع اشتداد انكماش النمو الاقتصادي، فإن النشوة التي ولدتها ترليونات الدولارات هذه، لن تكون كافية لمنح الطغمة المالية فرصة لإعادة هيكلة الاقتصاد الرأسمالي والعلاقات الطبقية. والعائق الوحيد أمام هذه الطغمة الحاكمة هو نمو المقاومة الاجتماعية بين أفراد الطبقة العاملة التي تطورت أفكارها وأصبحت أكثر جذرية كما ظهر مؤخرًا في انتفاضة مينيابوليس الثورية.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: