"اني اتحدث عن ملايين الناس الذين شربوا بدهاء عناصر الخوف ومركبات النقص والذعر وروح العبودية واليأس والذل."

هكذا كان يبدأ دوماً "فانون" حديثه أو خطبه، حقيقي يعبّر عن مشاعر ملايين الناس. فكان "ينطق" بإسم السود في جزر الأنتيل والاميركيتين والكاريبي وباسم أفريقيا بنفس المنطق القوي الصلب الذي كان غيفارا يدافع به عن الكادحين في أميركا اللاتينية. وكان الباب مفتوحًا أمام فانون على مصراعيه ليتلحق بصفوف النخبة السوداء المنتسبة اجتماعياً إلى الطبقة الوسطى، وهو الاتجاه الذي كان الاستعمار الأوروبي يتبناه ويغذيه على نحو مدروس. ولكن بعض سجايا الرجل وقدراته وشخصيته المميزة، دفعت به بعيداً عن الإفادة من مهاراته ومنجزاته الخاصة. هكذا أصبح فانون متمرداً ثم ثورياً.

المواجهة الأولى

كانت تتملك فانون طيلة حياته مرارة التمييز العنصري. وكان في مطلع شبابه قد توهّم أن في وسعه أن يتغلب على حاجز اللون مستنداً إلى ثقافته وطاقته الشخصية. وهكذا تطوع إبان الحرب بالخدمة في الجيش الفرنسي وأصبح يعيش في أوروبا منذ 1944. ودرس بعد ذلك الطب وعلم النفس في جامعة ليون، حيث بدأ يدرك أن الإفريقي بصرف النظر عن مستواه العلمي والثقافي هو في نظر الفرنسي "زنجي" قبل أي شيء آخر ومن ثم فهو ذو مرتبة متدنية "عندما أتحدث إلى من يحبونني يقولون انهم يحبونني على الرغم من لوني وحينما اتحدث الى من يكرهونني يعتذرون بأنهم لا يكرهوني بسبب لوني. وفي كلتا الحالتين، أجدني حبيس الحلقة اللعينة إياها." وفي الجامعة قال له الاستاذ الممتحِن بلهجة مشبعة بالاستعانة: "ومن اين انت؟ آه من المارتينيك". وفي الوقت نفسه تقريباً، وعلى بعد آلاف الأميال منه حدث أن كان باتريس لومومبا الذي ولد مع فانون في 1925 وتوفيا في 1961، قد اصطدم سهواً بامرأة بيضاء في أحد شوارع "ليوبولد فيل" في الكونغو فالتفتت تنهره حانقة "ألا تستطيع أن تنتبه ايها الزنجي القذر!"

فانون كان يؤمن بأن وجود رجل ابيض في مستعمرة يحكمها البيض سواء كانت فرنسية أو هولندية أو برتغالية يقترن على الدوام بالسّلطة والمكانة والثورة والتفوّق. وليس هذا الاقتران رمزياً بل هو يضرب بجذور عميقة داخل البنية الاجتماعية. تلك كانت الحالة في جزر المارتينيك مسقط رأس فانون. وهكذا أصبحت ذروة طموح المواطن الاصلي هنا هي أن يكتسب أكبر قدر من "الفرنسية"، سواء أكان ذلك من حيث اللغة أو التعليم أو الثقافة أو حتى الدين. ومعروف أن مواطني هذه الجزر يتحدّرون من صلب العبيد السود الذين نقلوا من أفريقيا للعمل في مزارع السكر والبن، وهو ما كان هؤلاء يتمنون أن ينسوه وأن يعتقدوا أن سياسة فرنسا الرسمية مبنية على امتصاصهم دون الالتفات إلى لون بشرتهم.


النّخب السوداء

ويصف فانون ببراعة كيف يتعمد الفرنسيون تشريب السود مفاهيم تجعل منهم رعايا سود بأقنعة بيض سواء أفعلوا ذلك بوعي أو بغير وعي لما يفعلون. فالفرنسيون يوحون للسود بأن يرضوا بالمهانة التي يفرضها عليهم لونهم الأسود. ففي جزر الانتيل مثلاً يطالع الطلاب السود منذ نعومة أظفارهم قصصاً تجعل من الرجل الأسود رمزا للقوى الشريرة.

ولا بأس بأن يذهب الطلاب السود إلى صالات السينما ليسخروا من رجال قبائل الزولو هاتفين لطرزان تأييداً له ضد الاشرار السود. ولكن الأمر يصبح شديد الوطأة حين يجد الافريقي نفسه وسط جمع من البيض في إحدى صالات السينما بفرنسا ليشاهد منظرا كهذا. ذلك أنه سيحس عندئذ، سواء أأحب ذلك أم لم يحبه، أنه مماثل لرجال قبائل الزولو وان اللعنة التي يصبها المشاهدون على أولئك الرجال تنصب في الواقع عليه بالذات.

ومن هنا كان جلّ ما يطمح إليه مواطنو جزر الأنتيل هو أن يصبحوا بيضاً وفرنسيين. ومن ثم كان أفراد الطبقة الوسطى منهم لا يتحدثون باللغة الكريول إلا إلى خدمهم. وعدا ذلك فهم يتحدثون بالفرنسية، بل أن الطبقة البرجوازية في جزر الهند الغربية تعامل الأفارقة القادمين من بنين أو السنغال بالازدراء والامتهان، بدلا من التفاخر بأن اجدادها إنما قدموا من تلك الاصقاع الأفريقية. وكان مما يعتز به سكان جزر الهند الغربية أنه بمجرّد أن تتشكل من الأفريقيين فرق عسكرية منفصلة تابعة للجيش الفرنسي فسوف يلتحقون مباشرة بفِرق الجيش الأوروبية.

كان القادم من المارتينيك المنتسب للطبقة الوسطى يفعل كل ما في وسعه حين يصل إلى فرنسا لكي ينفي هويته الأفريقية فتراه يقول متباهياً إن الزنوج أفارقة أما هو فإنسان "ملون" مهذّب تشرّب الحضارة الأوروبية. وكان يوهم نفسه بأن لون البشرة لا أهمية له واضعاً على وجهه قناعاً أبيض. أما العناصر البيضاء فقد كانت من جهتها تتمسك بعناد بالصورة التي تحملها عن الافريقي البدائي الذي يبدو لها: أشبه ما يكون بالدمية المضحكة وهو يرطن بالفرنسية.

تلك الإشكالية التي فككها فانون بالديالكتيك الثوري وأصبح معنياً بكيفية استخدام العنف لقلب أوضاع الظلم والهيمنة الثقافية السائدة. وكان هذا جلياً في كتابه "معذبو الأرض" الذي نشر في العام الأخير من حياته. ومن هذا الكتاب بالذات يستمد فانون في الدرجة الأولى مكانته ونفوذه. فهو، خلافاً لكتبه السابقة، كتاب منهجي يتناول موضوعات اجتماعية ويستعرض فيها مشكلات العالم الثالث بصورة عامة. وفانون يفعل ذلك بحيوية لا تهدأ ويكتب بحرارة لاهبة. فالكتاب أولاً يخرق بشاعة قوى الطبقة البرجوازية في الدول المستعمرة من سوداء أو ملونة. ففي اعتقاد فانون أن البرجوازية الغربية منتِجة وطفيلية في آن معاً، أما البرجوازية في الدول المستعمرة فهي طفيلية وحسب. وهي إذ تفتقر إلي الكفاءة والبراعة بوصفها تؤدي مهمة المقاول والمتعهد، تكتفي بأداء مهمة الوكيل للشركات الغربية. ويتولى أفراد هذه الطبقة استغلال أشقائهم من أفراد الطبقة العاملة والفلاحين وينأون بأنفسهم عنها ويكنون لهم الازدراء. وهم يرفلون بأثواب الرفاهية ويستثمرون أموالهم خارج حدود وطنهم. وهم، فوق ذلك كله، لا يقومون بأي دور بنّاء في زيادة الثروة الإنتاجية للبلاد، بل يميلون إلى القيام بنشاطات في ميدان اقتصاد الخدمات.

ولاشك أن موقف فانون كان صائباً جداً في كل ذلك وإن كانت أحكامه مستمدّة إلى حد كبير من ملاحظاته في مجتمعات غرب أفريقيا. فقد اتضح من دراسة في نيجيريا عام 1958 أن 75% من النخبة في البلاد تعمل في المهن الراقية والسياسية ووظائف الحكومة. وفي 1955، لم تكن نسبة الصناعيين في صفوف الجزائريين لتزيد عن 0,1 % من مجموع السكان، لكن يمكن القول بأن الاستعمار هو المسؤول عن ذلك لأن الطبقة البرجوازية في صفوف السكان الأصليين خلقها الاستعمار نفسه وشرّبها بأسوأ أنواع سمومه العنصرية.

ذكر فانون أن البرجوازيّة المحليّة كانت تشكل في مرحلة الصراع ضد الاستعمار العمود الفقري للأحزاب المحلية. ومن ثم فإن هذه الاحزاب التي بدأت في الأصل تقدميّة انتكست بسرعة لتتحول بسرعة للعمل على تشكيل ما يشبه وكالات لنقل السلطة والامتيازات من أيدي حفنة من البيض إلى أيدي حفنة من الملوّنين. وعلى رغم عنف اللهجة التي تستخدمها هذه الاحزاب فإنها تلتزم عادة الحذر وتتبنى وجهة النظر الإصلاحية وتمتنع عن استخدام العنف. وقد يستغل أولئك الثورة المسلحة لكنهم لا يُقدِمون أبداً على إشعالها (مثلما جنت النخبة الكينية ثمار ثورة الماو ماو المسلحة ضد المستعمر البريطاني). وإذ تجد هذه الأحزاب الوطنية نفسها معزولة عن القطاع الريفي أو معادية له فإنها تحرّف معارضتها السياسية نحو الأشكال الرجعية والقبليّة. ولهذا كان يؤكد فانون على ضرورة انتزاع حركة التحرر الوطني من قبضة الطبقة البرجوازية بأي ثمن كان.


الطبقة الثوريّة

ولابد من التساؤل هنا عن طبيعة تركيب القوى الاجتماعية التي من شأنها أن تضمن في هذه الحالة سلامة الثورة. والجواب عن ذلك، وفقا للمفهوم السوفييتي، أن طبقة العمال الكادحين في المدن هي القوّة الثورية الاجتماعية المهيأة لهذا الأمر في المجتمعات الرأسمالية. هذه هي الطبقة الأممية التي تقيم دكتاتوريتها الخاصة، في مرحلة تمهيدية للشيوعية نفسها. وذلك على رغم أن ماركس لم ينادِ بطريق واحد فقط للسير نحو الثورة ولم يصر على أنه لابد أن تمر جميع المناطق في العالم عبر التجربة الرأسمالية، كما اقترح في الواقع أن يجرب الفلاحون الروس نقل مجتمعهم من المرحلة الاقطاعية إلى المرحلة الاجتماعية مباشرة، غير أن لينين ركز على أن تشكل الطبقة العاملة الكادحة (البروليتاريا) المقدمة الأساسية لحلف ثوري ينتظم فيه العمال وأفقر الطبقات الفلاحية. ولئن كان مثل هذا التحالف ضرورياً في بلد كروسيا فإنه حتمي في آسيا وأفريقيا حيث لا تشكل طبقة العمال الا نسبة ضئيلة جدا من السكان. والحقيقة أنه لم يحصل قط أي ابتعاد نظري من التروتسكيين أو الستالينيين أو الماويين عن هذا المفهوم أي مفهوم المقدمة العمالية. فلم يحدث أن أنكر اي من هؤلاء احتمال قيام الفلاحين بثورة ناجحة. كذلك لم يحدث أن تخلى أحد من هؤلاء من الوجهة النظرية عن تطابق المصالح بين طبقة العمال الغربيين وشعوب المستعمرات. صحيح أن لينين لفت الإنتباه إلى "أرستقراطية عمالية" يمكن أن تزدهر نسبياً على حساب المنهوبات الاستعمارية إلا أنه لم يقصد بذلك سوى وصف ظاهرة تصدق في حالات قليلة، تطمسها الأزمة العامة للاستعمار الرأسمالي.

لذا، لم يكن فانون ماركسياً بالمعنى التقليدي، لأنه لم يكن يعتقد بأن طبقة العمال الغربية طبقة ثورية ولا أنها متعاطفة مع الشعوب المستعمرة. ذلك لأن فانون كان يعتقد أن العمال الغربيين هم في عداد المستفيدين من الاستعمار الجديد بل هم شركاء فيه.  وهنا كانت الثورة الجزائرية هي المصدر الحاسم الذي استمد فانون تجربته منه. وغالباً ما أشار إلى العمال والفلاحين الفرنسيين المتعطشين للدماء وهم يحاربون جبهة التحرير الجزائرية. كما لاحظ فانون الترحيب بالأبطال الذي استقبلت به جماهير باريس في الرابع عشر من تموز 1957 الجنود المظليين التابعين لماسو. ثم، ألم يبرر الحزب الشيوعي الفرنسي موقفه (المرحّب أيضاً) بناءً على عواطف العمال الفرنسيين ومشاعرهم؟

إن استراتيجية فانون لإزالة الاستعمار ليست قومية من حيث الشكل فقط بل هي عنيفة من حيث الموضوع أيضا. فهو رأى أن الاستعمار مرادف للعنف السياسي والعسكري والثقافي والنفساني. ولا يمكن أن يقضي عليه إلا عنف مماثل ومعاكس في جميع المجالات. "موريس ميرلوبونتي" الذي استمع فانون إلى محاضراته في جامعة ليون قال منذ 1947 إن جذور العنف موجودة في الديالكتيك التاريخي وإنه لابد لهذا العنف من أن يلاحق جميع الفئات المناوئة للثورة. أما رفيق فانون، جان بول سارتر، فقد طوّر هذا الخط من المنطلق في روايته "الشيطان والسيد الطيب" في 1951 وفي مقالاته الطويلة "الشيوعيون والسلام" في 1953 وخلال مناقشاته لكامو في 1952، ولم يكن لكاتب من تأثير لدى فانون ما كان لسارتر.

في العنف الثوري

فانون لا يُعتبر في تعداد المنظّرين الكبار في حرب العصابات فمساهمته تقتصر على الإصرار على أن الاضطرابات العفوية ينبغي أن تتحول بسرعة إلى تنظيم واستراتيجية منهجيين.

ولابد كذلك في النهاية من تلاحم الحركات الثورية المتفرقة ضمن جيش تسيّره استراتيجية مركزية. ولم تكن حرب العصابات أثناء حياة فانون قد تطورت في المناطق الواقعة جنوب الصحراء الجزائرية. وكذلك لم يكن تمرد الماوماو الثوري في كينيا وتشكيل قوات سيمبا الماوية في الكونغو قد تقدمت إلى ما هو أعلى من مستوى الإضرابات القبلية المناوئة للاستعمار. ولقد كانت مذكرات فانون عن الرحلة التي قام بها في 1960 من مالي إلى الصحراء الكبرى مقتضبة ولكنها دقيقة.

ماو كان يرى أن الحزب الشيوعي هو الذي ينبغي أن يتولى قيادة حملات حركات العصابات، في حين رأى فانون وغيفارا أن الحزب ينبثق من حركات العصابات. والواقع أن فانون وجيفارا كانا يعتبران أن الأحزاب الشيوعية القديمة في أميركا اللاتينية وأفريقيا أحزاب تدعو إلى الحلول الوسط ولذلك فهي غير فعالة في حروب التحرير الجديدة. وكان ينظر فانون إلى الأحزاب القومية التي تتخذ قواعدها في المدن بالمنظار نفسه. ولكنه يختلف عن غيفارا، الذي اعتبر أن حركات العصابات الصلبة تتكون أول الأمر بمعزل عن الفلاحين الذين لا ينضوون تحت لواء الصراع إلا بعد حين وشيئاً فشيئاً، وذلك بفضل الدعاية والأعمال العسكرية الناجحة التي هي في الحقيقة أحسن وسائل الدعاية. ويوافق فانون على أن التوعية الفكرية للفلاحين أمر جوهري.

ولا شك أن ما شاهده فانون في غرب أفريقيا، قد أثار سخطه الشديد، حينما ذكر أنه في حين تمت إزالة الاستعمار على نحو تدريجي تطوري ولو بالعنف نسبياً، فقد سيطر على بعض الشعوب المستقلة نخب البرجوازية الصغيرة التي لجأت إلى النهب المشروع كعمليات التصدير والاستيراد والصيرفة لخداع شعوبهم. كان يريد لأفريقيا أن تمزّق العلاقات الاستغلالية القائمة بين الكمبرادور المحلي وبين النخب الأوروبية وأن تحطّم القيم والمفاهيم الثقافية "البيضاء": "عندما ابحث عن الإنسان الإفريقي في التكنيك الدبلوماسي والنموذج السياسي الأوروبي، لا أعثر إلا على سلسلة من إلغاءات الوجود الإنساني الأفريقي وفيض من أعمال القتل." ويقول فانون أيضاً: "أوروبا قد تولّت قيادة العالم بحماسة وأنانية وعنف… لقد تخلّت أوروبا كلياً عن التواضع الإنساني، دعونا يا رفاق نمتنع عن الثناء على النهج الأوروبي المتمثل بإقامة دول ومؤسسات ومجتمعات تستوحي منها هذا النهج… أن علينا أن نقلب صفحة جديدة، وأن نبتدع مفاهيم جديدة وأن نحاول خلق إنسان جديد."

في النهاية، أُحب أن أؤكد أن فانون كان اشتراكياً وبالتالي عدوّاً للرأسمالية والاستعمارَين القديم والجديد معاً. كان ثورياً مناهضاً للتمييز العنصري يؤمن بالحق في استخدام العنف لتحقيق الذات الاستقلالية لشعوب العالم الثالث. كما كان مناهضاً لحكم النخبة والأقلية التي تنعم بالامتيازات الخاصة بصرف النظر عن التسمية التي تطلَق عليها. دافع عن أفقر فئات سكّان الكرة الأرضية أي فلاحي العالم الثالث. فانون لم يكن عنصرياَ كما يدّعي بعض المثقفين الغربيين. وعلى رغم أنه ندّد بتاريخ أوروبا وقيمها ومثلها العليا، تعرض لأفكار هيغل وماركس وفرويد ونيتشه ولاكان وسارتر. وأن تطور أفكار فانون يوازي من بعض الجوانب تطور ماركس نفسه، لكن خط تطور أفكار فانون أشد التصاقاً بخط تطور فكر سارتر. فلقد كان ماركس في أوائل حياته قبل 1845 شبيهاً بفانون في مطلع شبابه من حيث الميل إلى معالجة "الإنسان" كما لو كان عنصراً مجرّداً. ففي كتاب "مخطوطات اقتصادية وفلسفية"، تحدث ماركس عن "قوى الإنسان الأساسية" وعن "الطبيعة البشرية الصحيحة"، أما فانون فكتب يقول في مطلع شبابه "إن جميع أنماط الاستغلال متماثلة لأنها جميعاً تتناول (الموضوع) نفسه: الإنسان". ويضيف أن نسيان ذلك مشابه لأن "يدير الإنسان ظهره ببساطة للمشكلة الأساسية الرئيسية، ألا وهي إعادة الإنسان إلى مكانه الصحيح." واضح أن فانون قصد بعبارة "المكان الصحيح" نفس المحتوى الإنساني الذي قصده ماركس بعبارة "الطبيعة البشرية الصحيحة". ومع أن ماركس كان منذ مطلع شبابه مادياً واقعياً يحلّل الحالة الإنسانية باعتبارها حالة اجتماعية، بقي ميالاً إلى موازنة الخلافات البشرية بالاختلافات النفسية. ولعل هذا هو ما قصده فانون عندما ذكر "أنني آمل جدياَ بإقناع أخي، أسود كان أمْ أبيض، بإن يمزّق بكل قوته الزي المخزي الذي نسجته مئات الأعوام من سوء الفهم." ويمكن اعتبار "سوء الفهم" هنا بمعنى "الغيبية" و"الوعي الباطل" عند ماركس. فالطبقة الكادحة العاملة (البروليتاريا) في نظر ماركس هي نموذج الاستغلال الاجتماعي. أما عند فانون الشاب فإن هذه المرتبة شغلها السّود. ولقد فعل فانون في أواخر حياته ما فعله ماركس، إذ حوّل الطبقة المعرّضة إلى أقصى أنواع الاستغلال إلى طبقة عالمية رسالتها التاريخية تكمن في قلب الأوضاع الاجتماعية التي تولد الاستغلال. في الواقع، شكّل كلّ من ماركس وفانون تقدماً في أعمالهما من المستوى الذاتي الإنساني نحو الصعيد الإنساني الاجتماعي.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: