* عُثر على البطاقة في حي مار مخايل بعد الانفجار

هل يُعقل الجلوس أمام كومبيوتر والطرطقة على الكيبورد حرفاً حرفاً لصنع كلمة، وكلمة كلمة لتشكيل جملة، وجملة جملة لنسج فقرة، وفقرة فقرة لبناء نص يعبّر بدقّة عن حقيقية وفعلية وواقعية السقوط في جحيم أَمَدُه 15 ثانية؟

وماذا نعرف، نحن الناجين، عن الجحيم اصلًا؟ أه؟ وكأن في استطاعتنا أن ننقل ببث حي كيف نموت بانفجار عظيم. "اخترقت زجاجة طويلة رفيعة عيني اليسرى واستقرت في دماغي... الآن متُّ". "لحسن حظي، اختلستُ النظر إلى جنيني من شق عميق في بطني، قبل أن نموت". "دفَعَنا العصف انا وحبيبتي نحو عمود الصالون. هي انفج رأسها بحافته… ورأسي أيضّا... هه… هه". "لم أتخيل يوماً أن الجدار الذي أجلس أمامه كل يوم سيمحقني بهذه القسوة". "أشعر بنسيم يلفح يدي اليسرى. هذا يعني أنها ظاهرة للعيان وسوف يجدون جثتي". "ألو سامر عالسريع قل للدفاع المدني أني تحت الركام قرب… خَلَص بَلاها، سقطت دبشة حطّمت رأسي… لا تخبر ماما أني متُّ". "تيتا كيف طرتِ في الجو؟ آه لا، هذا أنا الذي يهوي. آآآخ. ها هو آخر نفس ألفظه"...

وغيرهم كثيرون وكثيرات. فاق عددهم 170 وهو يتزايد… ذلك أن بعض الناجين فضّلوا الرحيل في مواقيت يحددونها هم. وعزرائيل لا يستعجل أحداً. باله طويل.

لمن لا يعرف، هو لا يقتل. هو يحصد الأرواح. ولهذا السبب يفضّلها أينعت وحان قطافها. القتل ولفظ الأنفاس يحصل على الأرض تنفّذه كائنات حيّة كالأسد وجماد كالزلزال. عزرائيل مجرّد escort. مخيّلة البشر حمّلته منجلًا كبيرًا، لكنّه في الحقيقة لطيف ومهذّب مثل سائق ليموزين. فَضْلُه انه يرشد الأرواح إلى مراقدها أو مباعِثها، حسب المُعتقَد. وهو الأمر الذي يدحض مرويّة "الضوء في آخر النفق" الممجوجة. هراء يا مدام! هذا الضوء يعني أنك لم تموتي… بعد. وقد يكون مصدره أنتريك طبيب يتحقق من حالتك التي التبست عليه.

كيف السبيل إلى معرفة حكايات أولئك الذين راحوا؟ لا بد من طريقة، لا لمعرفة معاناتهم بل تجربة عبورهم. فقط تلك النقلة. الوجهة غير مهمة. هل صحيح هناك حراس، كالذين استقبلوا زياد أبو عبسي، يدوّنون قصص الراحلين؟ وترتدي معرفة قصصهم أهمية كبرى، لأن خلف تفاصيلها يستتر القاتل. هيّنة. على منوال المفتش كولومبو. وكونان المفتش (لا المدقّق)...

قد يكون الحل في إنشاء "صحافة الميت" لتقصّي تفاصيل الرحلة وأحداثها. ولعلّها (صحافة الميت) ستكون أرفع شأنّا وأكثر حيوية ودقة وصراحة ومنهجية ومنفعةً من الصحافة السائدة، وحتى من صحافة المواطن السليب الذي لم يبقَ منه وله شيئًا. ذلك أن انشقاق الميت عن الحياة يمنحه قوة حضور وحرّية وجود وطلاقة تعبير، لا يتمتّع بها سوى بشر قلائل جدًا.

"رحلة" تلعب هذه اللعبة عندما تستدعي أفكارّا راقدة لمفكّرين أموات أو أحياء. تحييها وتستدرجها الى إسقاطات لم يظنّها واضعو الأفكار ملائمةً لواقع مغاير تمامّا لواقعهم… بسبب اختلاف النظام والrepère. ورحّالة "رحلة" يستحضرون إلى نصوصهم أولئك الجهابذة في علوم الحياة ويوفّرون لهم ولأفكارهم الإقامات الملائمة.

تُرى كم عزرائيل اشتغل في مرفأ بيروت وفوق رقعة الأذيّة، بتاريخ 4 آب 2020؟ أم أن واحدًا فقط قاد كل تلك الأرواح إلى الآخرة؟

وماذا عن الحَجَر وبقية الجماد؟ هل ثمة عزرائيل للحجر؟ للرافعة للقمح للعمارة للمسرح لماكنة الخياطة للوحة الرسّام للسيارة..؟

الباب الذي يتكسّر ويتخلّع ثم يتم تجبيره وطلاؤه، فيقال "رجع جديد"... ليس هو الذي رجع. كذب. الجديد باب غير القديم. القديم مات. ولحد علمنا، الأشياء لا تؤمن بالتقمّص.

عزرائيل الأشياء الخفيفة، أوراق مستندات أكياس نايلون… هو الأطول بالًا والأكثر حلمًا. من قوّة الانفجار تطايرت كل هذه الاشياء في الجو وها هو ينتظرها تسقط على مهلها، جالسّا عند حافة الحفرة الكبيرة التي أحدثها الانفجار، مُسنِدا ظهره على أهراءات القمح المزعزعة، وساقاه متدلّيتان في المياه.

إنه عزرائيل كبير وختيار. كان يهز برأسه حسرةً وهو يتطلّع نحو الشمال ثم نحو الجنوب. بدا يعرف تماما هذا الشاطئ المشؤوم. وأينما توجّهت عيناه كان يرى عتّالين وتجّارًا وبضائع وأخيارًا وأشرارًا. رأى جلال وعامر يستقبلان عمّهما الآتي من فنزويلا. اختلس النظر أيضًا على مارتا ربيع جابر ذاهبة إلى زوجها المخادع في "أميركا". ورأى كل المناديل التي لوّحت كل العيون…

دوّى زمور باخرة في رأسه فانتفض وراح يفتّش عن أرواح الأشياء الخفيفة ليقطفها ويستودعها مراقدها، وكانت عادت إلى الأرض يتلاعب بها نسيم خفيف بعدما همد العصف.

عزرائيل الختيار المحنّك لا يفتّش عن الأشياء الخفيفة ولا يجدها. هي تجده. لديه قدرة عجيبة على تيسير العثور عليه وملاقاته… إلّا روح بطاقة لحضور عشاء راقص في كازينو لوس أموريس.

جاءت إليه مطمئنّة راضية مرضية، لكنه تردد في قطفها إذ رأى أن البطاقة (جسدها)، لا يشكو من خطب. فاحتار في موتها مع أن روحها بين يديه.

عزرائيل لا يفكّر ولا يحتار عادة. حاسم بتّار. لكن هذا الختيار تعب من حصاد الأرواح في هذه البقعة من الكوكب، طوال 3500 سنة ما قبل الميلاد وبعده. فأشار إلى الروح بالبقاء جنب جسدها، وأن تلحق به أينما حلّ. ولكي يضمن ذلك، جعله باديًا للعيان.

بفعل العُمْر، تملّك هذا العجوز قليل من العاطفة والحنان. رفض قطف تلك الروح وتركها تهيم. استقال من عمله. وفكّر بوضوح: "روح هائمة قد تذكي جذوة الحياة".

يا فولفغانغ بن أمادايوس موزار. انت الوحيد الذي نقلت إلينا تفاصيل رحلتك إلى الآخرة، عبر الموسيقى... ولمَ لا، فالكلام عديم النفع. وتدبّرت لروحك الخاطئة أقسى عذابات جهنّم بنغمات رائعة لاسعة موجعة… يا أيها الشاب المبدع… تكرّم علينا، من صلاة موتك، بمقطعها الرابع Rex Tremendae Majestatis وارحمنا.

مصدر الصورة:

https://www.instagram.com/p/CEM1a4EJKkw/

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: