لعلَّ أجمل ما في الإنتفاضة الشّعبيّة الرّاهِنة، الجداريّات. ورُبّما أجمل ما في الجداريّات، أنّها وسيلةُ الذين لا وسيلة لهم للتّعبير، للإفصاح بالقول الحاد المباشر، تماماً كرصاصة ثاقبة تطلق من فوهة بندقية لتقتل عدواً. "منفضحهم عالحيطان"، قالها "ناجي العلي" يوماً. إنه يومنا، إننا نفضحهم على الحيطان. الحيطان التي وضعت أمامنا كسدٍ محصّن أمام مستقبلٍ ضائع في أزقة الماضي. الحيطان التي باتت أسماء علم. حيطاننا صناعة الوطنية بٱمتياز.

وأزعم أنّ أجمل ما في التّعبير اليوم، أنّهُ ينُمُّ عن نُفوس خافت طويلاً، هل من شُعورٍ في بلادِنا أصدق من الخوف؟

هذا ما جنيناه. الخوفُ شُعورٌ يُورّث.

تخيّل يعني، أنّك تحملُ خوف جدّ والد جدّتك بصورةٍ تُناسِبُ جيلك. أنتَ تحملُ خوفاً قديماً هذا القِدَم. فالخوفُ مُكتسب من لحظة اليقين الأولى للخارج تحديداً وليس فطريّا، ولا يُمكِنُهُ أن يكون. فإن حملنا خوف أهلنا، وٱرتبط سُلوكنا بسُلوكِهم، وكرّرنا أخطاءهُم عينها، لمَ قد نحصل على سُلطة مُغايرة للّتي أنجبوها؟

كسرنا نمطيّة الجيل القديم كي لا يُنتج الُّسلوكُ عينهُ، الوحش عينه، أسقطناهُ بٱنتفاضة وعيٍ. الجماعاتُ تنساقُ بإرادةٍ وتمثل، أما الفردُ فيمتثل بالسُّلوكِ الجماعيّ. في الجماعةِ نحنُ أمتن، نحنُ أجرأ وضميرُنا كعقلنا، أقلُّ حُضوراً.

مرحلة ما قبل 17 تشرين، ليست كما بعده. قبل هذا التّاريخِ كان الذُّلُّ اليوميّ قوتنا، كان نمط حياتِنا، كُنّا ننجرفُ فطريّاً خلف الرُّضوخ. وإن تجرّأ أحدنا على رفع صوتِهِ ٱتّهمناهُ بهدم الهيكل، الهيكل الّذي كُنّا نُدرِكُ أنّهُ يكبر ليسع مقابرنا جميعاً. لكنَّهُ كان الخوف، "الخوفُ الّذي يرفعُ المُضاف إليه".

حتّى انتفض لُبنان. لُبنانُ الشّعبُ انتفض على ذاتِه، وانتفض على جلّاديه، وانتفض على موروثاتِهِ السّياسيّةِ والطّائفيّةِ والمناطقيّة والتّحاصُصيّة. لُبنانُ الشّعبُ نفض غُبار لا 40 سنة، نفض عنهُ غُبار كذبة لُبنان الكبير، تفاهة مسرحيّة راشيا، خداع زعامة فخر الدين ودجل المحتل الطائفيّ. لُبنانُ استقلّ حقّاً في 17 تشرين من طائفيّته ورجعيّته وحربِهِ الأهليّة، فسمعنا طرابلُس تهتفُ لِصور، وما كُنّا لنشهد تلك الأُعجوبة لولا تشرين 2019.

سمعنا مناطق اعتقدناها مُغرمة بزعيمِها بمازوشيّةٍ مُخيفة، تشتُمُهُ، وبرغمِ عدم أحقّيّة الشّعارات الّتي أُطلِقت إلّا أنّ "بهذا الشّعبِ عُنفاً في لفظِه، سببهُ أنّهُ يحيا هذه الآلام ولا يتفرّج عليها".

هذا شعبٌ جُنَّ بالحُرّيّة وأغراهُ جُنونها المُلطّخ بالعزِّ فانتفض! هكذا، بليلةٍ وضحاها اكتشف كُلُّ لُبنانيّ أنّ اللُّبنانيّين الآخرين مثلهُ، يتألّمون ويبكون ويثورون بينهُم وبين أنفُسِهِم كُلّ ليلةٍ وحين يطلعُ فجرُهُم يلبسون خيبتَهُم ويمضون في شبه وطن صامتين.

ما حقّقتهُ انتفاضةُ 17 تشرين هو كسرُ الصّمتِ، إسقاطُ الخوفِ والتّأسيسِ للحياة، فالعيشُ لم يُفرِّق بين العِزِّ والذُّلّ والحُرُّ لا يرتضي ذلك و"من لم ينهض لنيل الحُرّيّة، خسر حُرّيّتهُ وحياته معا". 

كيفما اتّجهت الإنتفاضة الشّعبيّة، إن استمرّت وأسّست أرضيّةً متينة لحياةٍ كريمةٍ أو اضمحلّت، شُكراً لجرعة الجرأة والتّفاؤل الّتي زرعتها فينا.

قبلهُ كُنّا نخافُ أن نموت لأنّ صُعوبة تأمينِ تابوتٍ لم تكُن نُكتة. اليوم نحنُ لسنا خائفين من الموت، متى كان موتُنا طريقاً لحياةٍ ما.

حيّ على خيرِ الثّورة !