حاوره: حرمون حمية، بول مخلوف

نحن مسرورون للغاية بوجودك معنا، مستر "إيرك فروم" خصوصا في أوقات مثيرة كهذه. من هنا يأتي سؤالي لحضرتك، كيف تُلَخِص ما يحصل في لبنان منذ 17 تشرين الأول حتى اليوم؟

الجواب بسيط وهو نابع من شعارات الإنتفاضة: " ليسقط خوفنا، ليسقط رأس المال، نريد ٱستعادة الوقت المنهوب…" ما يحصل منذ  17 تشرين الأول في لبنان وخاصة في الجنوب كان فعل عصيان حقيقي ولكنه ٱفتقر إلى معرفة كاملة بدينامية العصيان. 

حسناً، فلنتحدث عن العصيان: على مرّ العصور، أصَرَّ الملوك والكهنة والإقطاعيون وأصحاب المصانع والآباء على إرساء فكرة أن الطاعة فضيلة وأن العصيان رذيلة. ولكنك، "إريك فروم"، تطرح في كتاباتك فكرة أن التاريخ البشري بدأ بفعل عصيان. كيف  تفسر  ذلك؟

عند مراجعة أساطير الحضارات القديمة، نَجِد أن التاريخ البشري بدأ بفعل عصيان. عاش آدم وحوّاء في جنة عدن كجزء من الطبيعة وفي وئام معها. كان ارتباطهما بالطبيعة كرابطة الجنين برحم الأم. كانا بشراً، وفي الوقت عينه، لم يولدا بعد. كل ذلك تغيّر بعد أن عَصيا أمراً. وبِقَطع العلاقة مع الأرض والأم، بِقَطع الحبل السّري، من خلال قطف التفاحة من الشجرة، خرج الإنسان من الطبيعة وتمكن من أن يخطو الخطوة الأولى نحو الٱستقلال والحرية. فِعل العصيان هذا حَرَّرَ آدم وحوّاء وفتح عينيهما ليُدركا أنهما غرباء وأن العالم من حولهما هو عالم غريب ومُعادٍ لهما. فِعلُ العِصيان كَسَرَ الرابط الأساسي مع الطبيعة وجعلهما أفراداً. "الخطيئة الأصلية"، لم تُفسِد الإنسان، بل حرّرته، وبها كانت بداية التاريخ. كان على الإنسان أن يغادر جنّة عدن لكي يتعلم الٱعتماد على نفسه ويصبح إنساناً كاملاً.

أيوا! جميل جدا ً تحليلك مستر "فروم". عنجد، طيب في تاريخنا البشري وفي الأدب والفنون، طالعتنا شخصيات تمردت وعصت. ما هو الدور الذي لعبته تلك الشخصيات؟ وكيف تصرّفت بعد عصيانها؟

أولاً، أريد أن أقتبس من صديقي الفنان المرحوم فرانك زابا: "التقدم غير ممكن من دون الٱنحراف عن القاعدة". 

على مدى العصور، استمر تطور الإنسان نتيجة أفعال يمكن تعريفها بـ"العصيان". إذ أن النُمو الروحي والفكري للإنسان كان ممكناً بِفَضل تجرؤ أفراد على قول كلمة "لا" في وجه الأقوياء، في وجه القوانين وفي وجه السائد. 

وعلى سبيل المثال، تَعتَبِر أسطورة بروميثيوس الإغريقية أن الحضارة الإنسانية بأكملها تأسست إنطلاقاً من فعل عصيان. وضع بروميثيوس، من خلال سرقة النار من الآلهة، أُسُس تطوُر الإنسان. فلا تاريخ بشري بدون "جريمة بروميثيوس". وهو، مثل آدم وحواء، يُعاقَب على عصيانه. لكنه لا يتوب ولا يطلب المغفرة، بل على العكس، يقول بروميثيوس بِفَخر: "أًفَضِّل أن أكون مُقيداً بالسلاسل على هذه الصخرة بدلاً من أن أكون خادماً مطيعاً للآلهة". و"الثورة" في لبنان لم تفرز بروميثيوسييها بعد.

هل تَعتبر أن ٱستخدام القوة لمواجهة العصيان هو تكتيك فاشل؟ 

لا تُعجبني السلمية المفرطة في تظاهرات لبنان، ولكني راقبت عن كثب تعامل الزعماء السياسيين مع الٱنتفاضة، خاصة في الأسبوع الأول. دعني أشرح لك. يمكن ٱستخدام القوة وحدها لفرض الطّاعة، القوةِ بأشكالها العسكرية أو الإجتماعية أو الإقتصادية. ولكن هذه الطريقة تتضمن إشكاليات عدّة، إذ إنها تُشكّل تهديداً مستمراً للسلطة. فقد تقوم الأكثرية المُطيعة يوماً ما بالتمرد على السلطة، أيضاً باستخدام القوّة. علاوة على ذلك، هناك العديد من الأمور التي لا يمكنني كحاكم فرضها على الناس إذا لم يكن هناك دافع للطاعة سوى الشعور بالخوف من السلطة. لذلك، يجب تحويل الطّاعة المُتأصّلة في الخوف من القوة إلى طاعة شخصية مُتجذّرة في قلب كل إنسان. 

إذاً، الطاعة النابعة من الخوف لا تكفي. كيف نُحوّل طاعة الخوف إلى طاعة متسترة داخل قلب الإنسان؟

ألم تسمع من قبل بـ"الضمير"؟ الضمير العربي، الضمير العالمي، الضمير الإنساني...؟ فعلياً، هذا الضمير هو "الضمير السلطوي"، وهو الصوت الداخلي لسلطة نتوق لإرضائها ونخاف من إثارة استيائها. هذا الضمير السلطوي هو ما يختبره معظم الناس عندما "يطيعون" ضميرهم، ويُمَثِل أوامر ومحظورات سلطة الأب، والتي يقبلها الإبن خوفًا من هذه السلطة.

كيف يتحكم بنا هذا الضمير؟

برفضه للسُلطة، يقترف الإنسان جريمة العصيان. يزداد قلقه خوفاً من تداعيات الجريمة. يتحول القلق إلى شعور بالذنب، وينتج عن الشعور بالذنب قمعٌ ذاتي. هكذا تدخل السلطة إلى ذاتنا، تمنعنا من العصيان مجدداً، من دون هراوات أو بنادق، من دون تهديد أو وعيد.

وهكذا يبقى الضمير السلطوي مطيعاً لقوة خارجية حتى ولو كانت مخفية ومُقنَّعة تحت قناع ضمير داخلي. أي أن الإنسان ٱبتلع مبادئ السلطة. ولذلك، تبقى السلطة الداخلية أكثر فاعلية من السلطة الخارجية. وهذا ما دفع قسماً كبيراً من المتظاهرين في بيروت إلى التراجع بعد نشوة ليالي 17-18-19 تشرين الأول. إذ شعر الناس، ومعظمهم من الشباب، بعد تناول التفاحة والتمرد على الأب، شعروا بالخجل من خطيئتهم وأنهى معظمهم تمردهم على الأب\السلطة\الحزب، وكدليل على ذلك، تحولت الٱنتفاضة التي كانت تَعِدُنا بثورة شاملة، إلى "حراك" إصلاحي مُهَذَّب لا شتيمة فيه ولا مواجهة ولا إضراب عن الروتين ولا ٱشتباك… وتالياً، لا عصيان.

لماذا يبقى الإنسان عرضة لقبول الطاعة؟ ولماذا يصعب عليه أن ينتفض؟

طالما أنني مطيع لسلطة الدولة أو الدين أو الرأي العام، أشعر بالأمان والحماية. هذه السلطة، مهما كان شكلها، تستخدم القوة وتدّعي المعرفة الكلية والقدرة التامة على التعامل مع كل شيء. من خلال طاعتي لهذه السلطة، أُصبِح جزءاً من هذه القوة التي أعبدها، وبالتالي أشعر بالقوة. لا يمكنني ٱرتكاب أي خطأ، لأنني لست من يقرر، بل السلطة الكبرى، ولا أكون أبداً وحدي، لأن السلطة  تراقبني دائماً. لا يمكنني ٱرتكاب خطيئة، لأنها لن تسمح لي بذلك، وحتى لو ٱرتكبت الخطيئة، فالعقوبة هي طريق العودة إلى السلطة.

من أجل العصيان، يجب على الفرد أن يتحلّى بالشجاعة، بشجاعة أن يكون وحيداً، أن يُخطئ. لكن الشجاعة وحدها لا تكفي. يجب أن يكون الفرد أيضاً قادراً على تحمّل المسؤولية عن نفسه وعن أفكاره ومشاعره. عندها فقط يمكن أن تكون لدينا الشجاعة لنقول "لا" للسلطة، والعصيان ضدها. وهنا أستذكر جملة حماسية من لطمية للرادود الحسيني الشيخ حسين الأكرف يقول فيها: "يا شعب تقدّم، فالأرض جهنّم، والأرواح بالثورة حبلى".

أحسنت... هذه من أجمل اللطميات، يسعدني أن إريك فروم يستمع إلى اللطميات الحسينية. السؤال الأخير إذا سمحت: هل أنت متفائل أم متشائم؟ هل بروميثيوس حيّ فينا؟

فقط من خلال العصيان يمكن أن نصل إلى "جنة عدن" الجديدة الذي سيخلقها الإنسان بيديه بعد أن غادر "جنة عدن" القديمة بسبب عصيانه إيضاً. لقد فقد الإنسان في عصرنا القدرة على العصيان. فهو لا يدرك حقيقة أنه يطيع دائماً ولا يعصي. في هذه المرحلة من التاريخ، قد تكون القدرة على الشك والنقد والعصيان هي العامل الوحيد الذي سيحدد مستقبل البشرية أو نهاية الحضارة، العصيان أو الإنتحار.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: