الجريمة تحتاج إلى دافع. والبريء يحتاج لحُجّة غياب. أما عندما تقع المجزرة، فالغائب والشاهد مشاركان في الجريمة.

***

صحيحٌ أن فكرة التضامن مسألة صعبة في عالمنا هذا. صعبة ولكنها ليست معقدة أبداً. فدافع التضامن ومساندة من يشعر بالألم أو الغبن هو، بالمبدأ، شعور يمكن أن يتشاركه جميع البشر على حدّ سواء. ولكن صعوبة التضامن ناتجة عن أدوات وتكتيكات الأنظمة والسلطات والأجهزة الايديولوجية الحديثة التي تقمع أي محاولة لتلاقي الناس حول فكرة، وذلك من خلال الإلهاء بالملذات والفردانية، ونَشرِ مشاعر الشكّ وعدم الثقة بين الناس، ثمّ تحييدهم وتشتيتهم عن بعضهم البعض ليغرقوا في "مصائبهم" الفردية.  ولذلك، يحاول كل طرف كسب تأييد الفئة الأكبر من الجمهور من خلال عرض المشهد الأمثل أو الصورة المثلى، أو حماية جمهوره من الإصابة بعدوى التضامن الجديدة الآخذة بالانتشار. ومن إفرازات محاولات منع التضامن، شعور اللامبالاة، وسطوة "الإرهاق"، و"التطنيش"، و"الحياد"، والتهكّم على أي محاولة "فعل". وفي المنقلب الآخر، لا يوفّر العدو جهدًا لكسب تأييد متعاطف هنا ومموّل هناك لإطالة زمن المجزرة. 

في البروباغاندا العسكرية، نجحت المقاومة حيث فشل العدو، فشاهدنا في الشريط التسجيلي شرحًا حول شكل المجموعة المقاتلة في غزة والتي تتألف من " المستطلع، الرامي، المساعد والمصوّر". إذاً، حتى المقاومة معنيّة بالمشهد وتعدّ العدة له. فكل قذيفة تتضاعف قدرتها التفجيرية بفضل انتشارها على وسائل الإعلام التقليدية وغير التقليدية، ليشاهدها الصديق المتردّد قبل العدو. وهذه ليست ظاهرة جديدة: ألَم يسيطر الفدائيون على الطائرات في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بهدف احتلال الشاشات الغربية التي تحاول التعمية على المجزرة؟

***

ضمن مسار مشابه ولكن أقل جذريّة، يطلَع "متضامنون" في حفلات الجوائز، في الحفلات الموسيقية، في المؤتمرات والحملات الانتخابية، ويدعون الحضور إلى التوقف عن مهادنة "المعتاد" والتذكّر أن المجزرة مستمرة وأسماء المتواطئين فيها معروفون. وعلينا أن نكون معنيين بهذه المواقف أيضاً، لأن مصير المستعمَرة مرتبط بشكل مباشر بمصير الإمبراطورية. في شوارع أوساكا اليابانية، يسير المئات في تظاهرة ليلية يهتفون "فلسطين حرّة". في واشطن يضرم شاب النار في جسده ويهتف "فلسطين حرّة". إذاً، منذ 2021، أصبح علَم فلسطين (مجدداً؟) راية الأممية وشعار المستضعفين والمعذبين في الأرض ورمز للكفاح والصمود. ينتج عن هذا الرابط الرمزي أشكال عدة ومتفاوتة من التضامن والمساندة دعماً لصمود الفلسطينيين (وأحياناً مقاومتهم). يقال أن الغريب يتضامن. أما أهل الولد فيقفون أمام ولدهم ليكونوا سدّاً منيعاً لحمايته. أي أن السياقات تفرض مستويات مختلفة من الالتزام والانخراط. فيكون عادياً جداً أن يتظاهر إنسان في عاصمة اوروبية دفاعاً عن البديهيات الإنسانية، ويكون متوقّع جداً أن يتضامن محمود عباس مع غزّة، عن مصلحة، من خلال بيان يوزّع على وسائل الإعلام، ثم يتآمر ضدها، عن مصلحة، ويُنسّق ويتضامن مع العدوّ المحتل.

ارون بوشنل

***

للتضامن أوجه وصور عديدة، بعضها متناقض. ليس كلّ دعمٍ مُستحَب. بل بعضه أقرب إلى النفايات: "بقيّة، فضلة، أو ما زاد على الحاجة." ففي الإسناد والتضامن، بثّ لأغاني وكليبات وطنية ثم تعتيم على القصف لعدم تعكير مزاج المشاهدين الذين يتابعون البرامج الترفيهية على الـ TV. وفي الإسناد والتضامن مشهديّة واستعراضات وإنزالات وبطولات مصوّرة بالـ Full HD كتبرئة ذمّة وخلق لوعي زائف… فمن يرمي المساعدات من الطائرات بطريقة بهلوانية قاتلة بدل إدخال المواد الغدائية والطبية برّاً متضامن كاذب ومُشارك في الإبادة. 

خديجة بن قنة - شبكة الجزيرة

***

التنظيمات الشبابية الفلسطينية وحليفاتها تنتظم وتقاتل على جبهة اللغة والأفكار والإعلام في بلاد المنفى الغربية، في بطن "الوحش" صاحب الكلمة العليا في هذه الحرب، أميركا، إسناداً لغزة. تُغِير هذه المجموعات مساءً على محاضرة أكاديمية لتجار السلاح، ثم تنصب كميناً فجراً لشاحنات توزيع الصحف في مطابع نيويورك تايمز بهدف منع صدور الجريدة المشاركة في المجزرة. يرفع المتضامنون يافطة على كومةِ ردمٍ أعاقوا بها خروج الشاحنات من المطبعة، مستعينين بمصطلحات تشومسكي (العتيق): "Consent for genocide is manufactured here" أي إن "الموافقة على الإبادة يتم تصنيعها هنا". يقول منظمّو الفعالية: "نحن في موقع الهجوم ضد الفكرة الليبرالية المقدسة التي تقول إن صدور صحيفة نيويورك تايمز كل صباح مثل شروق الشمس. نحن نحاول تغيير هذا الواقع المفروض." 

***

في المنقلب الآخر، محاولات وتكتيكات تضع الاستهلاك نصب عينيها: تستهدف الاستهلاك بقيمته الاقتصادية وقدرته على تلميع صورة الشركات، ولكن أيضاً لقدرته على التعمية ودفعنا نحو مزيد من الاستهلاك. اختصاصيو علم النفس السلوكي المرتبط بالتسويق يصفون من يمارس سلوكاً تخريبياً معاديًا للاستهلاك (subversive, anti-consumption)، يصفونه بأنه فرد منحرف ومختلّ وظيفياً وانتقامي. وتختلف أهداف الخطوات التخريبية بين المادي (تكبيد الشركات المتعاونة مع المحتل خسائر بمليارات الدولارات)، والرمزي (تعكير صفو الحياة اليومية والإشارة بالإصبع إلى النفاق الغربي). وكلما تكرّرت الدعوات للمقاطعة الاقتصادية والتوقف عن شراء السلع الإستهلاكية التي تبرئ أو تدعم المحتلّ، تتعالى الأصوات المنددة بفكرة المقاطعة والمحاجِجة بعدم جدواها. إلا أن العائق الأكبر أمام المقاطعة الواسعة هو حاجة البشر الدائمة إلى المتعة. "المتعة"، يقول أدورنو، "تعني دائمًا عدم التفكير في أي شيء، ونسيان المعاناة حتى عندما تكون ظاهرة جليّاً." المتعة هي دائمًا الهروب "من آخر فكرة مقاومة". إن وعد التحرر من خلال "التسلية" هو وعد تحرّر من الفكر والاعتراض. ولذلك، فإن صناعة الثقافة السائدة هي هزيمة الفكر". 

إذاً، مسألة التضامن، التضامن الحقيقي (؟) كما قلنا في بداية هذه الرسالة، هي مسألة صعبة.

***

بعد حرب تموز 2006، تكرّر في لبنان شعار مفاده وبالمختصر: "شكراً قطر". فَشَكَرَت المُقاومة تلك الدولة الغنيّة على مساهمتها في أعمال ترميم الحجر. وتحوّل تعبير "شكراً قطر" مع الوقت من شعار حملة علاقات عامة ناجحة إلى تعبير ساخر. فهل نحن في عالم يشيح بناظريه عن أصحاب القضية ليرفع إسم المتضامنين المفترضين والمنتفعين؟

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل أنقر هنا
Patreon support button