اختبرت الرّعاية النّفسيّة العياديّة مرّتين، وكنت أندهش من مواظبتي الدّؤوبة على ارتياد مركز العلاج، لأنّ رجلًا يعاني من اضطرابات تدفعه أن يعيش يوميّاته بعشوائية، ما كان لينتظم في إطار تُحدّد فيه، قبليًّا، المواعيد والغايات. لم يكن انقسام تمرحل تجربتي إلى تجربتين اعتباطيّا، ولم ينطوِ انتقالي من عيادة أولى إلى ثانية على مغامرة متذبذبة الدوافع. في الواقع، إنّ صلب ما كان يدفعني لأخطو خطوة لا ينصح بها، غالبًا، المشتغلون في علم النّفس، هو أنّني لم أتلمّس المصالحة المرجوّة بيني وبين هويّتي المعدّلة مؤخّرًا. ففي الجلسة الأولى في العيادة الثّانية، لم أتلفّظ بحرف غير مدروس، كانت خلايا دماغي منشغلة بإعادة تشكيل القالب الّذي سأقدّم فيه تجربتي الّتي سأطرحها بين يدي المعالج، كي يرعى جبر الجوانب الممزّقة في دواخلي، أردت تقديم قصّتي بطريقة مختلفة، لأنّ قصّة مشابهة، كانت ستفضي إلى سيرورة علاجيّة مشابهة، كنت قد خبرت فشلها، مسبقا. وكانت هذه أكبر هواجسي.

لم يكن تخوّفي من السّقوط في طريق دائريّة تعيدني للاصطدام بفشل عرفته، مجرّد حالة ذاتيّة ذات وصف ظاهريّ محدّد، تجد صدقها ومبرّراتها في تجربتي فقط، بل تعدّى ذلك ليكون تسويغه المنطقيّ ملازمًا له لأن مفهوم التصاق الحدث نفسه بالآثار النّاتجة عنه نفسها، يكاد يكون مسرحًا لا يمكننا الفرار منه، إلى ما هو خارج الستارة. ولذلك، نجد الكثير من المذاهب التّاريخانيّة الّتي تبحث عن القوانين الموضوعيّة الّتي تحكم سيرورة التّاريخ، أو بعبارة أخرى، عن السُنن التّاريخيّة.

في ظاهرة تنطوي على سقوط في بلادة وبلاهة متوهّجتين، تسأل إحدى مقدمّات البرامج ضيفها المحلّل الميتافيزيقيّ السّؤال التّالي: "هل تشبه الأحداث الّتي نعيشها أحداث عام 1986 أو 1992؟" تطرح سؤالها بكلّ صلافة غافلة عن أنّ الحرص على تذخير الوعٍي الجمعيّ، الّذي يكفل عدم إعادة إنتاج اللّحظات التّاريخيّة، الّتي تعيدنا إلى الصّفر على الدّوام، إنّما هو، أوّلًا وفي الأساس، مهمّتها وضيفها. ومن المستحسن أن نعترف مباشرة بأن هذا المشهد لا يعدو كونه فقرة، في مسرحيّة الإعلام الّتي يقودها اليوم، عوني الكعكي بما هو أداة سلطويّة، وأنّ المسألة ليست في المطاف الأخير مذهلة إلى حدّ كبير، لأنّ النّظام حريص كلّ الحرص على التّنوّع، والاختراق النقابيّ والشعبيّ من أجل إعادة إنتاج نفسه بعد التصدّع. لذلك، فإنّ وأد النّظام بعد ترنّحه لا يكون إلّا من خلال فهمه جيّدًا، والابتعاد عن الدّلع من أجل خوض صراع مباشر مع تقنيّات السّلطة الرّقابيّة والعقابيّة. فإذا كنت وقحًا، تتّسم بطريقة وجود متفرّدة، تمارس حياتك بشكل عارٍ، تظهر في جسدك آثار حقيقة النّظام، ولم تعجبك يوما ترنيمة الـ "Thawra" فأنت وأشباهك على بعد خطوات قليلة من إحداث الإرباك وبعث القلق في وعي أسيادنا، لكنْ ما عليك إلّا أن تثبّت أقدامك، لأنّك على موعد حتميّ مع ثنائية، يصطدم بها المنخرطون في الصّيرورة الثّوريّة، "التّأديب" ثمّ "الدّفع إلى الوراء". وبالتّالي، فإن مهمّتك الملحّة، تكمن، أوّلًا، في ضرورة  اكتساب وعي مباشر للصراع، وثانيًا، في صوغ استراتيجيّة للحؤول دون الانقياد لخطر الأجهزة الّتي تخوض الصراع في قبالك، والمتمثّل بحرصهم على إعادة إنتاج الحقيقة، بما هي انعكاس لسياج السلطة ولإرادة القوّة الطّاغية في اللّغة والخطاب (الّتي تأخذ مدياتها من الواقع، أي أن لها مدلولات اجتماعيّة، لا بما هي بليغة بلاغة القرآن وامرئ القيس)، والتي تضمن إعادة إنتاج الواقع كما هو، أو بعبارة أخرى، دفع عجلة التاريخ إلى الوراء.

إن العنصر الأكثر تأثيرًا في حركة التاريخ، كما يرى كارل بوبر (بالإذن من الرفيق پول الّذي سئم الاقتباس من الفلاسفة)، الّذي عرفناه نحن العرب لأنّه انتقد الماركسيّة، هو "نمو المعرفة الانسانيّة". وتبدو هذه القضيّة بديهيّة حتّى بالنسبة لمن يؤمن بأن أفكارنا، العلميّة وغيرها، ليست سوى نتاجًا عرضياً لنوع من التطوّر المادّي. ولأنّ الأفراد المكوِّنين للمجتمعات، يشكّلون ميدانًا لتلقّي مختلف أنواع الخطابات، ولانتزاع الحقائق منها، فإنّ سيرورة التّاريخ تكون خاضعةً للجهود المعرفيّة الّتي تقوم غالبًا على تحليل ما هو إشكاليّ في النّظام، أي في البنية لا في القشور، واستبدالها بتصوّر أقرب للنّضج من الّذي سبقه. وهكذا يكون الحدث المركزيّ للصّراع، الذي يضمن عدم إنتاج الصيغة ذاتها، هو نموّ المعرفة كمَّا ونوعًا أو بعبارة أخرى، أن نمتلك معرفة أكثر عمقًا من الّتي كان يملكها آباؤنا وأجدادنا.

إنّ هذه الموضوعات تساكن الخطورة والجديّة في آن، والطّريق الضروريّ الّذي ينبغي أن تسلكه، هو الانتقال من حالة الكلام والقول، إلى حالة الفعل. وإذا كان لا بدّ من إجابة على سؤال "وات كان يو دو؟" بعد عددين من طرحه، فإنّ أضعف الإيمان أن لا نسمح بتمرحلٍ تاريخيٍّ يسير فيه مختَتَمُه نحو منطلقِه، وأن نحرص تمام الحرص على عدم الانزلاق في الدّائريّة، حتى ولو كان فعلُنا، كما كان فعلي في العيادة النفسيّة الثانية السابقة الذكر مجرّدَ تعديل للقالب السرديّ، باهتًا لكنْ فعّالًا.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: