تجاعيد الجوع المسنة والموت العشوائي وهذا النوع من الكتابة التي تريحك من القافية، تطلق العنان للأحرف فتجتمع المعاني التي لا تجتمع عادة. 

اطباء؟ من يخز أجزاء من جسدي الطري بالابر؟ من في العتمة يختلس النعاس المحفَّز بالمخدّر؟ أمي تقول إنهم أطباء، سيعالجونني سأصبح أفضل. افكر: "كم هو مغرٍ السقوط في فخ الافضل". 

أطباء، تقول امي، والوجع في رأسي لا يكل. "اضغط الزر كي تحصل على جرعة من المورفين، فقط حين تظن انك تحتاجه فعلاً" تقول الممرضة مثل ثعلب. حسناً احتاجه الآن. أضغط الزر. يبقى الوجع. 

أطباء، تقول امي. "في الحقيبة" جوابها حين أسألها عن أي من اغراضي. "اضغط الزر حين تحتاج للمساعدة"، اقرأ تحت زر احمر مخبوء خلف رأسي، لكن يديَّ مقيدتان. حسناً، أنا في ورطة، واحتاج المساعدة! 

\.. همهمة تفهم منها معنى أن لا تكون متسقاً في السعي الحثيث. الهماهم تقول في الظل كلاماً: 

(أتهرب؟

- منها؟ إليها؟ 

- من الأفكار الساذجة فيّ؟ من شذوذ القلم؟ من المحنة التي تعانيها الأمم؟ 

- تهرب؟ ممَ؟ 

- من الأنياب الحادة التي تحاول نهش لحمك؟ لأن لك ظفراً؟ تهرب من الوحوش التي تلاحقك؟ من الثعالب؟ من الأطباء؟ من الأجساد التي تعّري فيك القط، وتوقظ سباع الوادي برائحة الدم؟! 

- منها؟ إليها؟ 

-  ممَ؟)

مزيد من الوخز، ثم أتفقد ذاتي تصرخ  والجماهير الغفيرة: 

..\ يحيا الاحتراب الداخلي، تحيا السرقة الموصوفة، تحيا المعارك، يحيا صوت الرصاص المدوي، والمدافع فوق هياكل الدبابات. يحيا الموت المجاني، والعشوائية في انتقاء الأهداف. "يحيا" أصرخ، يحيا خبط اقدام الجند فوق صدورنا مثلَ نشيد، مثل قنديل البخور العتيق، مثل قصة جدتي عن الأميرة والعبيد. يحيا، كي أبعد الهراوة عن وجهي، "يحيا" كي أحيا، "يحيا" كي أطمئن أنه فوق مائدتي رغيف خبز، بعض النبيذ، والكثير من الأعشاب. "يحيا" ثمن الصمت، "يحيا" زمن الموت، "يحيا" يوميا للخضوع، "يحيا" مثل صلاة الجمعة، "يحيا للأبد". 

تهرب؟../

تزجّ فيّ الليالي الطويلة أحلاماً ليست لي، تثقب قمعاً، تمسك شعري بشدة  وتصب فوق رأسي مثل ماء بارد:

الحوارات التي دارت بين ماركس وانجلز عمّا سيكون غداً. دليلٌ كيميائي عن العبوات المصنعة منزلياً. كتيّب يعلمني إصابة برج دبابة العدو. وآيات من المصاحف تهيّئني للانتقام. وتَمثُل أمامي صورٌ عن بطولات هوائية، وتصبُّ فوق رأسي سحباً وأمواءاً تسحقني كلما غرقت فوق. 

فوق رأسي: ملائكة وشياطين ترقص. فوق رأسي قديسين ومذنبين. وصخرة سيزيف يجادلني من فوقها سقراط. فوق رأسي هزيمة العرب، ولغتهم، خيمتهم وخيبتهم. فوق رأسي فقري، والملوك. فوق رأسي عراك نيتشه وزارا، احتكاك المعنى والنقطة، صراع النسر والأفعى. 

فوق رأسي خمائل الكلم مثل لحنٍ أردده: من هؤلاء؟ سأصبح أفضل بفضلهم! 

هم أطباء تقول أمي..

أطباء، تقول أمي: "مثلما تقاطع زيجة الحمام وسط المدينة بفواصل الهاون. مثل فواصل اعلانيّة سيئة الإخراج. تبكي الصغيرة حزنها المنسيّ، وتضحك.

ليست أول مدينة لنا تقصف، لكنها المرّة الأولى التي يدمرنا كسلنا والجشع. الأسوار التي كانت تحمينا بجّت، الأصوات التي كانت ترافقنا خفتت، والأحلام التي كانت تدغدغ الأمل من بعيد، سُرقت. 

والصغيرة، بعد أن مات والدها بقذيفة هاون أطلقت من منزل الجيران نحو منزلها، خائفة على الحمام!"

والآن امي تقول إنهم اطباء، فوق رأسي وأعرف ماذا يفعل الأطباء، فقط مزيد من الوخز. أطباء! 

\.. هذا الجنون تحت الوسادة يعوي! أهو جنون أنّك تريد؟ جنون أن الدم يسيل فوق شفتيك من العض؟ جنونٌ أن هذه الوردة بين أصابعك ليست لك؟ أو أنك تظن هذا الليل مدلهمٌ؟ أهو جنونٌ أن تنادي أنا وحدي؟ أهو جنون أن تزيح بيدك الوشائج عن عينيك؟ أن تقف فوق السطوح وحدك تصرخ هستيرياً "لا"..\ 

فقط الآن أنتبه لما كان يرتديه طوال الوقت. بدلة بيضاء، عليها رقعة فيها إسمه. 

ضرب رأسه بيده محاولاً التذكر: هل هذا ما كان يلبسه؟ هل هذا الاسم اسمه؟ أحدهم لا بد بدل ملابسه، أحدهم لا بد سرق اسمه. فكّر. لكن من؟ من؟ هل هو الجرذ، حيوانه الأليف الذي لم يفارقه منذ طفولته؟ 

ربما يظنون انه مختلٌّ حتى احضروه الى هذا المكان." يظنون انهم أطباء او معالِجون؟ كاذبون كلهم!" تمتم، وهو يحاول تسلق السّور العالي. نظر إلى أسفل قبل أن ينزع شارة اسمه وزيّ المرضى، ويرميها للكلاب التي تعوي في الأسفل.

"أطباء؟! أشعر أنني أفضل الآن".


كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: