(في الصورة: 6 أشهر من القتال الشرس في حرب الفنادق المدمرة للحجر والبشر, انتهت بوقف اطلاق نار برعاية خارجية. عناصر من الكتائب اللبنانية وقوات ناصر-التنظيم الناصري في لبنان يتناولون المرطبات سوياً حتى ان احد الكتائبيين اعتمر قبّعة قوات ناصر! - من صفحة أرشيف لبنان)

- "أرشيف لبنان" حساب يديره مجهول على مواقع التواصل الإجتماعي. متى أطلقت الحساب وما غايتك منه؟

"أرشيف لبنان" حساب على التويتر وكذلك صفحة على الفايسبوك، أطلقتهما في تموز 2016 حيث أنشر مادة واحدة يوميّاً (صورة، مقال صحافي، تحميل كتاب) لكن وتيرة النشر ارتفعت مؤخّراً وهذا من فوائد الحجر المنزلي!

بالنسبة لي الأرشفة هي خزنة أو بنك (كرهت هذه الكلمة مؤخراً) للتاريخ والأحداث، ويمكن أن تكون مهنة وهواية: هي مهنة للمؤسسات الأكاديميّة والصحافيّة والسياسيّة، لكنها أيضاً هواية لأشخاص مثلي (مهنتي بعيدة كل البعد عن الأرشيف) ولأشخاص آخرين سررت بالتعرّف إليهم عبر منصات التواصل وهم يهوون تجميع المواد الأرشيفيّة المتنوّعة.

لحسن الحظ أنني أنتمي الى الجيل الذي عاش طفولته بعيداً عن ثورة الكمبيوتر والإنترنت بالإضافة الى أن أهلي من القرّاء النّهمين. لطالما حازت أحداث الحرب الأهليّة اللبنانيّة على اهتمامي الدائم منذ بداية بنائي وعيي السياسي في سنين المراهقة، حيث كنت أجمع قصاصات الصحف وصور تتعلّق بالحرب الأهليّة. منذ حوالي العشر سنوات زاد شغفي بشكل كبير للأرشفة محاولًا عدم تفويت أي فرصة تتاح لي لحفظ مادة ما. وتجدر الإشارة إلى أنه يترتب على ذلك اقتطاع مبالغ ماليّة على حساب أمور حياتيّة أخرى!

- يمكن اعتبارك شاهد عيّان لزمنٍ مضى من خلال امتلاكك معلومات كثيرة توثق أحداثًا نسيها معظمنا، أو لم يكن شاهداً عليها أصلاً جيل الإنترنت. هل تعتقد أن الصورة الموجودة، المتناقَلة، عن لبنان خصوصاً مرحلة ما قبل الحرب هي صورة حقيقية ودقيقة؟

سؤال مهم خاصة فيما يتعلّق بمرحلة نهاية الستينات الى منتصف السبعينات، الصورة الموجودة المتناقلة المختصرة بـ "سويسرا الشرق" هي كالقناع المصنوع من الشمع، متى اقترب من الحرارة ذاب وبان الوجه الحقيقي خلفه. إن الغوص والتدقيق في النهج الذي اتبعته القوى السياسيّة (وهو أمر يتوضّح متى تتبعت التصريحات والمواقف بشكل متسلسل ومن مصادر متعددة) يجعلك تعي حجم المستور الذي يتحيّن الفرصة المناسبة لإطلاق العنان لحفلة الجنون الكبرى.

- غالباً ما تشكل النوستالجيا أو الحنين إلى الماضي مادة مضادة للمادة الأرشيفية. هل يمكن للأرشيف أن يكون الوسيلة الأفضل لدحض "رومانسية" الماضي كونها تسمح للعقل بأن يُبحر في الشروط وأسباب اللحظة التاريخية؟

هذا السؤال هو برسم متلقّي المادة الأرشيفيّة وكذلك الرومانسيّة تخضع للنسبيّة. هناك من يراها وسيلة لدحض صورة الماضي "الكاذبة" بشكل مطلق أو بشكل انتقائي يخدم المفهوم الذي كوّنه عن مسار الأحداث، وهناك من يراه ه تمجيدًا لهذه الرومانسيّة وإضافة جميلة لها.

- كيف تنظر إلى "فورة" حسابات النوستالجيا على الإنترنت وخاصة انستغرام (منصة تركّز على الصورة وجماليتها)، التي تنشر صوراً يمكن أن نصفها بأنها تمجّد للعصر الذهبي وفترة ما قبل الحرب أي "العصر الذهبي" للبنان؟ هذه حسابات توثّق وتنشر، فما الدور الذي تؤديه وما هو أثرها على المُشاهد؟

بالنسبة لي نشر أي مادة أو صورة غير منشورة من قبل هو خطوة جميلة وأشجع ذلك. لا مانع  من فورة حسابات النوستالجيا وأنا أحياناً من سبيل التغيير أنشر صور تركّز على الموقع وجماليته والتعليقات تكون من نوع "رزق الله على هيديك الإيّام"،لكن أفضّل شرحاً عن المعالم الظاهرة في الصورة مما يخلق نقاشاً غنيّاً ومفيداً بين المتابعين. بالنسبة لأثرها على المتابع، هي ترسّخ فكرة "العصر الذهبي للبنان" لديه وهذا ما أحاول الإضاءة عليه أحياناً عبر نشر صور من الأطراف والقرى من الفترة ذاتها، هذه المناطق عاشت حرماناً مدقعاً فيما نعمت أحياء في بيروت ومناطق من الجبل بنوع من الرخاء.

- هل من الممكن للعامل في مجال التوثيق والأرشفة أن يقع في فخّ النوستالجيا؟ ما هي وسائل الدفاع المتاحة للحفاظ على الموضوعية؟

التجرّد أمر بالغ الصعوبة بل وربما مستحيل. مئات الكتب كُتبت بهدف إيصال فكرة موضوعيّة لفترة الحرب الأهليّة مثلاً، لكن أي منها بنظري لم يرتق إلى هذه المنزلة.

أحاول الحفاظ على الموضوعيّة قدر المستطاع وبعيداً عن مفهوم (6 و 6 مكرّر) عبر اتّباع معايير سبق وصارحت بها المتابعين: فالمجزرة بحق أي مجموعة مدنيّة هي مجزرة. ولقب أو مرتبة أي شخصيّة محبوبة كانت أم مكروهة من جزء من المتابعين يجب أن يتم ذكرها من دون مواربة، والاغتيال السياسي هو اغتيال... وغير ذلك من المعايير التي تساهم في إرساء نوع من الموضوعيّة التي أكرر أنها منقوصة وصعبة التحقيق.

- إنطلاقاً من معرفتك التي بنيتها بعد اطلاعك على ما يمكن تسميته "تاريخ لبنان الحديث" أي الفترة الممتدة بين 1972 و199، هل تعتقد أن أحد عوامل عدم اعتماد كتاب تاريخ موحّد هو تضارب "نوستالجيا" كل من الطرفين أي حرب الذاكرة التي ما زالت حاضرة؟

أحد أهم عوامل عدم اعتماد كتاب تاريخ موحّد هو غياب "المصارحة" ما بعد الحرب. مصارحة كل فئة وتنظيم وحزب وأمير حرب أين أخطأ وأجرم بحق لبنان واللبنانيين، إضافة الى ملف المفقودين والمختطفين الذي لا يزال عالقاً حتى الآن نتيجة عدم المصارحة.

- لطالما كانت المشاكل التي يواجهها لبنان اليوم حاضرة في كل الازمنة، من موضوع المصارف والكهرباء حتى موضوع النفط والإنماء. ولم تتغير مشاكل المجتمع بل تشعّبت وأصبحت أكثر تعقيداً. فلماذا نميل إلى استعادة الماضي؟ هل نحاول أن نأخذ جرعة قوة أو أمل (زائف)؟

استعادة الماضي بالمشاكل المتكررة على مدى العقود هو لخلق نوع من الصدمة الايجابية لدى المتابع، خاصة أن المسؤولين عن هذه الملفات منهم ما زال حيّا ومنهم من ورثها وتابع المسيرة. وبصراحة لست راضياً كثيراً عن ردة فعل المتابعين التي تقتصر على "لم يتغيّر شيء"، وآمل بردة فعل من نوع "لا نريد أن يستمر تكرار هذا الشيء ويجب ان ننتفض على الماضي والواقع لبناء المستقبل".

- ماذا نجد أو نستنتج إذا نبشنا في الأرشيف مصطلحات كـ "الوضع المعيشي" و "لقمة عيش المواطن"؟ (وهي مصطلحات لطالما رددها السياسيون على مسامعنا)

تكرار مخيف للأسباب والنتائج، أحياناً تختلف الظروف لكن الحالة واحدة. أذكر ذلك جيّداً عندما حصلت على أرشيف جريدة المعرض منذ العام ١٩٢١ وقرأت مواضيع "غلاء الأسعار" "المستأجرون القدامى مهددون بالرمي في الشارع نتيجة قانون الايجارات الجديد" "البطالة"...هذا ما نجده أمّا ما نستنتجه أننا ومنذ إعلان دولة لبنان الكبير نعيش نموذجاً طائفيّاً مجرّباً مهترئاً مبني على المحاصصة، رسب في أكثر من إمتحان وأصبح تغييره بشكل جذري واجباً مجتمعيّاً!

- غالباً ما تجمّل الأحزاب والحركات السياسية في لبنان (وحول العالم) صورتها باستحضار الماضي والمواقف التاريخية البطولية وصور الرموز والقادة. هل يمكن لنا أن نقول إنها استراتيجية فعالة طالما أن الأحزاب لا تزال تستخدمها؟ وهل الجيل الجديد ما زال متأثراً بهذا النوع من الدعاية السياسية؟ 

استراتيجية ناجحة وفعاّلة بشكل كبير، وأصدم أحياناً بالتعليقات على صور مؤلمة لعمليّة قتل أو مجزرة من أشخاص يمجّدون هذا الفعل ويتفاخرون به كإنجاز حققه الطرف الذي ينتمون له. 

أراهن بشكل كبير على التحولات ما بعد 17 تشرين إمّا من ناحية انتصار جزء كبير من هذا الجيل على البروباغندا السياسيّة السائدة أو حتى بالمساهمة بتشكيل وعي مجتمعي جديد يتخطى ما عجزت الأحزاب عن فعله، وهو المصارحة.

- لكل مشروع معرفي هدف يتمحور حول نشر المعرفة والتأثير في المتلقي. هل تستطيع أن تقول إن مشروعك كان له أثر على نظرة متابعيك إلى حاضرهم وماضيهم؟ 

بصراحة، المتلقي يبحث دائماً عن المعلومة السهلة أي، وبشكل أساسي، الصورة التي تختصر الحدث. أبذل مجهوداً كبيراً أحياناً لتحميل كتاب أراه مهمّاً ومؤثّرًا، لكن التفاعل مع المواد النشريّة الطويلة لا يزال ضعيفًا نسبيّاً. وهذا لا يعني أن ما أقوم به لم يحدِث تأثيرًا بدليل استمرار الصفحة والحساب بشكل متواصل لمدة 4 سنوات.

- تحدثت سابقاً عن نيّتك عرض أرشيفك الخاص على موقع إلكتروني يسمح للمهتمين بشراء الكتب أو المستندات النادرة. هل لا تزال هذه الخطة قائمة؟ 

كان لدي مشروع مبدئي يتمثل بتحميل المواد (معظمها حزبي أو أصدرته دور نشر لم تعد موجودة لعدم الوقوع في فخ حقوق النشر) على موقع إلكتروني وبيعها بأسعار رمزيّة، يتراوح معظمها بين دولار و 3 دولارات، لكن تبيّن أن الأمر ينتابه الكثير من الصعوبات التي تتعلق بطريقة الدفع الإلكتروني في لبنان (أصبح الأمر مستحيلاً خلال الأزمة النقديّة والمصرفيّة الحالية)، بالإضافة إلى أن الأمر يحتاج مجهوداً وتفرغاً ووقتاً ثميناً لا أملكه الآن. 

على أمل أن أحقق ذلك يوماً ما ومتى سمحت الظروف بافتتاح مكتبة متواضعة أضع فيها كل ما أملك لمن يود الاطلاع على المواد بشكل مجاني، وأكون مسروراً جداً في حال أضافوا إليها أي مادة أرشيفيّة يملكونها، من باب نشر المعرفة والاطلاع للجميع!

حساب أرشيف لبنان:

https://twitter.com/booklebanon
https://www.facebook.com/booklebanon