"الفلسفة في التحليل الأخير هي صراع الطبقات نظريّاً"

حاوره: بول مخلوف، حرمون حمية

- أستاذ "لوي" لن نكتب مقدمة عنّك لأننا لا نملك المساحة الكافية للتقديم ونحن أساساً نريد منك أن تستفيض في أجوبتك، وأنت أساساً كنارٍ على عَلَم أشهّر من أن تُعرّف. لذلك نتمنى عليك أن لا تفقد أعصابك. في البداية، تمت المقارنة بين الأحداث التي جرت (وما تزال تجري) في لبنان مع أحداث أيار 68 في باريس، هل توافق على هذه المقارنة؟

ما هذا السؤال؟ هل أنتم جادون؟ اسمعوني جيداً، هنالك ظروف موضوعية تفاقمت ولم يعد بإمكان المواطن اللبناني أن يتحمل. لكن الظروف الذاتية غائبة تماماً في لبنان. أعني بهذا "أدوات التثوير"، فلا أحزاب ثورية موجودة عندكم ولا نقابات عمّالية ناشطة، والأهم من ذلك كلّه أن الوضع الثقافي-الفكري عندكم في لبنان تعبان! نعم، تعبان! كيف يتجرأ البعض ويقول إنها ثورة أساساً؟ هذه نكتة قوية تفجّر قهقهة! فلمعلوماتكم، باريس في الستينيات كانت تعج بالأفكار والفلسفات، والصراع فيما بينها كان يطوف في كافة أنحاء البلاد والعالم. أذكر تماماً الصراع الذي دار بين البنيويين والوجوديين، وبين التيارات الشيوعية نفسها، ناهيكم ببروز الحركات النسوية وغيرها… أما من جهتي فقد دعوت إلى العودة إلى ماركس في وقت دعا "جاك لاكان" لبعث إرث فرويد في وقت كانت "البْسيكاناليز" تحتضر (البعث بمعنى الإحياء وليس بعث عفلق تبعكن). ماذا قدّم المجتمع اللبناني نظرياً إلى ساحات الإحتجاج غير نقد "محمد زبيب" وبعض الاقتصاديين المعدودين على اليد الواحدة؟ 

- أستاذ "لوي" تروَّ، ما بدا هالقد... يا ريت ما سألنا. بكل الأحوال، بما أنك ذكرت أن الأثر البرجوازي موجود حتى ضمن من يقارع النظام، كيف يمكن التخلص من هذه النزعة، أو الكمخة لو شئت؟

أوّلاً هذه مسألة دقيقة جداً ويعاني منها حتى من هم ماركسيون. أنا لا أجامل، أنت، خصوصاً إنت، بتعرفني وأبوك بيعرفني، لذلك سأقول لكم رأيي، كل أستاذ جامعة، وأنا أعطي مثل أستاذ الجامعة هنا لأنني سمعت الكثير من الأخبار عن مشاركة أساتذة جامعات في الإحتجاجات… كل أستاذ جامعة هو برجوازي صغير، عندما يفتح فمه تكون الإيديولوجية البرجوازية هي التي تتكلم، لذلك إذا أراد هذا الشخص أن يثور، عليه بمراجعة صديقي "غرامشي" والسير على خطى المثقف العضوي. والطريق إليها طويلة ومعقدة، تحتاج إلى ثورة راديكالية في أفكارهم، عملية إعادة تثقيف طويلة ومؤلمة وصعبة. صراع داخلي وخارجي لا نهاية منه.


- فإذاً أخبرنا قليلاً عن نظرتك إلى هذا المثقف وبماذا يجب أن يتحلّى؟

شيئاً واحداً وهو الموقف الطبقي البروليتاري، لكن هذا الشيء يعني الكثير. فللكادحين "غريزة طبقية" وهو أمر ذاتي وعفوي فينتج منهم "موقفاً طبقياً". وللطليعة، أو بالأحرى المثقفين، غريزة الطبقة البرجوازية الصغيرة وهي غريزة تقاوم التغيير بشراسة. إنها كالكمخة العصيّة التي ذكرتموها في السؤال السابق. لكن الموقف الطبقي البروليتاري يحتاج إلى أكثر من الموقف، إنه الوعي والممارسة اللذان يتفقان مع الواقع الموضوعي للصراع الطبقي البروليتاري. لذلك يجب على المثقفين أولاً أن يثوّروا أفكارهم ويقاوموا ميلهم الدفين للبرجوازيات الصغيرة من ناحية من خلال تفاعلهم مع البروليتاريا، وعلى الكادحين البروليتاريين أن يتثقفوا لأجل الوصول إلى الموقف الطبقي البروليتاري. هذا الإتحاد ما بين المجموعتين على أساس مبادىء النظرية الماركسية-اللينينة هو ما يشعل ثورة طبقية عارمة.

- أيوا، فهمنا عليك… إنك تدمج بين الذاتي والموضوعي، المثقف والكادح، النظرية والممارسة. يعني أنك تستعمل الجدلية كمنهجية في كل شيء، حبّيناها منّك. وماذا عن الفلسفة أستاذ ألتوسير، قلت في بداية الحوار إن الفلسفة والأفكار كانت عوامل أساسية في إشعال فتيل أحداث أيار 68 في باريس، ما أهمية الفلسفة اليوم؟

سؤال لذيذ. أهم إنتاجات الماركسية هو العروة الوثقى (والعبارة هنا أستعيرها من أدبكم الديني) بين الفلسفة والسياسة. لا يمكنني التوسع في مضمار هذا الحديث لأن كتبي موجودة ويمكن للجميع الإطلاع عليها فهي مقرصنة وموجودة على الإنترنت مجاناً. رؤيتي الخاصة والتي يعارضني الكثير عليها، أنه ليس هنالك فلسفة عند ماركس بل مواقف فلسفية. كل تلك الكتابات التي كتبها عن الإغتراب والمسائل "الإنسانية" أقول إنها من إنتاج ماركس الشاب الذي كان متأثراً بفلسفة "هيغل" و"فيورباخ". بالنسبة لي، أرى أن ماركس ولينين أيضاً أدخلا الفلسفة إلى معترك السياسة ليخلقوا صراعاً طبقياً في المنحى الإيديولوجي النظري ولتصبح الفلسفة ممارسة سياسية على المستوى النظري. فالفلسفة تمثل السياسة في النظرية وهي، في نهاية المطاف، في التحليل الأخير صراع الطبقات نظرياً. 


- وما هو هذا الشيء التي تتحدث عنه دائماً؟ إعادة إنتاج ظروف الإنتاج… أو شي من هالنوع، هل له علاقة أيضاً بالفلسفة يا "ألتوسير"؟

إعادة الإنتاج يعدل بشكل أساسي دلالة ومغزى كل النشاطات الإجتماعية التي تبدو مختلفة عن وجهة نظر الممارسة الإنتاجية. إذ إن الأجر من وجهة نظر الإنتاج يبدو وكأنه الثمن الذي يدفع للعامل لقيمة عمله بالنظر إلى الوضع الراهن للسوق. أما من وجهة نظر إعادة الإنتاج فإن الأجر يبدو وكأنه الثمن الذي يدفعه الإقتصاد الرأسمالي لشراء القوى المنتِجة التي تعتبر سلعة مثلها مثل السلع الأخرى. بمعنى آخر، ما يُدفَع للعامل ليس هو ثمن ثمرة عمله وإنما هو ما يحصل عليه لشراء ما يحتاج إليه، فيعود في الغد ليستأنف عمله في الشركة أو المصنع. ويستخدم الأجير المال لإعالة أفراد عائلته وتأمين منزل "عالإسكان" أو "بالأجار" وشراء ملابس من الـ"outlet" وتسجيل الأولاد في مدرسة ضمن المستوى المقبول. وهنا أهمية "العائلة" في عملية إعادة إنتاج القوى المنتِجة، أي "الإيديولوجيا".

 والمبلغ الذي يتقاضاه يتنوع تاريخياً وجغرافياً ويتراوح بين الحد الأدنى والحد الأقصى. وانطلاقاً من هذا المنطق، السيارة هي للتنقل والذهاب إلى العمل وليس للرفاهية، والتلفزيون الذي يملأ العامل سعادة ليس سوى أداة لبث الأفكار الأيديولوجية حول كيفية التربية والعيش والإستهلاك.

يا لطيف، جوابك تحت باطك وليه "ألتوسير"، يعني عم تقلّنا إن الإنتاج شيءٌ وإعادة الإنتاج شيءٌ آخر؟

طبعاً يا imbéciles! الإنتاج هو المشاركة والتبادل الذي يعتمد على معطيات طبيعية وغايته إشباع حاجات إنسانية معينة. أما إعادة الإنتاج كمفهوم أي إعادة إنتاج ظروف الإنتاج فهو شيء آخر. فعند إعادة إنتاج ظروف الإنتاج، تبدو الحياة الإجتماعية كهيمنة تاريخية تقوم بعملية الإنتاج وفق منطق ونظام الإستغلال. والمفتاح الأساسي في هذا المنطق ليس علاقة الإنتاج بل هو إعادة إنتاج الظروف التي تسمح لهذا النظام بالبقاء والاستمرار وبأن يحكم بنفس الطريقة كل يوم من جديد.


- صلّي عالنبي يا لوي. شو وسائل وشو ظروف وشو إنتاج، حكينا عربي!

طيب فهمت عليكن. معرفتكم محدودة ومثلكم مثل أبناء جيلكم حرقتم شبابكم وأنتم تلاحقون اللاشيء على الفايسبوك. سأشرح لكم الأمر بطريقة مبسطة. "وسائل الإنتاج" تتطلب إعادة إنتاج "ظروف الإنتاج" الضرورية لاستمراريتها. كما عليها إعادة إنتاج القوى المنتِجة من خلال توزيع رواتب كل آخر شهر. هذا الراتب هو إحدى وسائل الحفاظ على "ظروف الإنتاج". 


- طيب ولكن أنت قلتها. هذا الراتب يؤمّن تعليم أولادهم في مدرسة. ماذا يريد الأهل أكثر من ذلك؟ التعليم سيؤمن لهم حياةً أفضل ليحققوا أحلامهم. 


هاهاه، حلوة منكم. أحلااامهم! هذا ما تفعله المدرسة يا شاطرين؟ دعوني أطرح عليكم سؤالاً: ماذا يتعلم المرء في المدرسة؟ يقطع التلاميذ مسافات متفاوتة في دراساتهم، لكنهم يتعلمون بالمجمل القراءة والكتابة والحساب – أي عدد من الفنيات وعدد من الأشياء الأخرى بالإضافة إلى تلك الفنّيات، تكون مفيدة فائدة مباشرة في مختلف الوظائف في مجال الإنتاج. وهكذا، يتلقون الـ... الـ... savoir-faire "المعرفة الفنّية" ليس إلاّ. 


بمعنى آخر، المدرسة تعيد إنتاج القوى المنتجة، أي الجيل الجديد الذي سيعمل لخدمتها في المستقبل. فتعمد المدارس إلى تلقين الأطفال المعارف والمعلومات والمهارات الضرورية كي يتصرفوا بطريقة مقبولة ولائقة في النظام الاجتماعي السائد. ومن ضمن المنهاج التربوي، يتعلم الأطفال في المدرسة أيضاً "قواعد" السلوك الحميد، أي السلوك الذي يجب أن يراعيه كل عنصر في تقسيم العمل، بحسب الوظيفة "المقدّرة" له: قواعد للأخلاق، التمدن، الضمير المهني، وهي في واقع الأمر قواعد احترام للتقسيم الاجتماعي-التقني للعمل، وفي نهاية المطاف قواعد للنظام المؤسس من واقع الهيمنة الطبقية domination de classe.

كما يتعلمون كيف يتعاملون ويتحدثون "بالشكل الصحيح" إلى من أهم أكبر وأصغر منهم، من هم أقوى وأضعف منهم، من هم أغنى وأفقر منهم. وهكذا يتعلمون كيف يتلقون الأوامر وتَقَبُلها من مُدرائهم. 


- لحظة استاذ لوي. لماذا لا نكتفي بتعلم المهارات والتقنيات في المدرسة ثم ننضم إلى سوق العمل لاحقاً؟ لماذا علينا، كما تقول، أن نتعلم "آداب السلوك"؟


سؤال مهم يا أعزائي. إن إعادة إنتاج قوة العمل لا تتطلب إعادة إنتاج المهارات وحسب، بل أيضاً وفي الوقت نفسه هي تتطلب إعادة إنتاج خضوعها لقواعد النظام الراسخ، أي إعادة إنتاج خضوع العمال للأيديولوجيا الحاكمة. 

فلأشرح لكم. تخيّلوا معي: أنهى "إيكس"، X، دراسته للتو وحصل على البكالوريا التي تُفيد بأنه يملُك ما يكفي من مهارات في اللغات والرياضيات والجغرافيا إلخ... تعلّم في المدرسة على مدى أكثر من عشر سنوات أن "الخطوة الطبيعية" التالية هي أن يبحث عن وظيفة او يتسجّل في جامعة لـ "يتخصص" ويصبح "مهندساً" أو "دكتوراً قد الدني". ولكن، هل حلم إيكس يوماً بأن يكون في مكتب لثماني ساعات متواصلة أمام حاسوب وعلى وجه ترتسم ابتسامة عريضة؟ هل حلم يوماً بأنه يرغب في العمل 6 أيام بالأسبوع لكي يحصل على ما يكفي من المال لاستئجار شقة وشراء بعض الطعام؟ هل حلم يوماً بأن يتلقى أوامر لا يحق له أن يعصيها وأن عليه أن "ينفذ ثم يعترض"؟ لا طبعاً، لا لم تراوده أحلام كهذه. لماذا؟ لإن ما وصفتُه للتو هو كابوس! كابوس يا حمير! ولكن... كيف وافقنا جميعاً على أن نعيش هذا الكابوس؟ الجواب هو في نظام إعادة إنتاج "قوة العمل"، أي غالبية المجتمع، وإعادة إنتاج خضوع هذا المجتمع للهيمنة الطبقيّة، بمعنى آخر، خضوعه لمن يملكون "وسائل الإنتاج"، أي أصحاب رأس المال. عند كل مفترق طُرق، وإشارة سير، وفي كل نشيد في باحة المدرسة، وعملية حسابية في الثانوية، تجد "الإيديولوجيا" تعيد إنتاج ظروف الإنتاج. 


- آخ… آخ ألمّ بنا صداع. ما هذا الرولركوستر المشربَك؟ حياتنا كذبة، حياتنا كابوس، ونحن شاركنا في صناعة هذا الكابوس. ماذا فعلنا؟ لماذا لم نواجه هذا الواقع؟ لماذا لم نرفض هذه الحياة؟ آخ… هذه ليست حياة أصلاً. هذه عبودية! 


شدّوا حالكم! "كونوا رجالاً"! أليس هذا ما يقال لكل من يصطدم بالواقع؟ كن رجلاً، وعض على الجرح وعد إلى مكتبك ومصنعك وإلى دخلك المحدود، عد إلى زوجتك وأطفالك فهم يحتاجون إليك. أيوا نعم، أنت المخلص وأنت رب هذه العائلة! أنت إنسان عظيم! 


- طيب طيب، لا داعي للسخرية. فهمنا ما تقصده. تقوم أيديولوجيا الدولة بإضفاء شعور بالمسؤولية والبطولة والقوة كي لا نرى حقيقة أننا عبيد وضيعين نقضي نصف عمرنا في الوظيفة. نشعر في هذه اللحظة بغضب، نشعر أن الدولة تعيد إنتاج نفسها من خلال إعادة إنتاج ظروف الإنتاج. نريد أن ننتقم، نريد أن نواجه الدولة وأحطم أدواتها ووسائلها وظروف إنتاجها وكل هذه المصطلحات التي تحدثت عنها. قل لنا يا لوي. ماذا علينا أن نفعل؟


الحل بسيط. في البداية قلنا أن كل هذا اللف والدوران هدفه الأساسي إعادة إنتاج ظروف الإنتاج من خلال السيطرة على القوى المنتجة، أي أنا وأنتم ومُجمَل الطبقة العاملة. فكيف نفرض قبضتنا على هذا النظام؟ هذا النظام يحتاج إلى المال، والمال يأتي في حال حافظنا على هذه السلسلة من الأشياء. وكيف نحافظ على هذه السلسلة؟ نقوم بذلك من خلال السيطرة على أجهزة الأيديولوجيا أي الجهاز الديني، والتعليمي، والأُسري، والقانوني، والسياسي، والنقابي، والإعلامي، والثقافي.


- ماذا؟ حتى الأُسرة والإعلام والثقافة؟ كل شي عندك مؤامرة يا لوي؟


إسمعوني جيداً، وقولوا هذا الرجل قال ما قال، هنالك مواقع وكتّاب مأجورون سيتحدثون عن الثورة وعن الأنتروبولوجيا وعن كل ما يخدم التعبئة إلا أن هدفهم واضح تماماً وهو إعادة إنتاج ظروف الإنتاج أو حتى الإطالة بالأزمة التي أنتم في لبنان تعانون تبعاتها، هؤلاء هم الأجهزة الإيديولوجية وعادةً ينتحلون صفة أنهم يمتهنون الفلسفة في الصحافة.


- تدمير هذه الأجهزة مستحيل. مستحيل يا لوي. ألا ترى كيف يتابع مئات الآلاف من المشاهدين هذه المذيعة التافهة هنا وهذا المذيع الكريه هناك؟ حتى الإنفلوونسرز أقوى منّا. لا يمكننا القضاء على الدولة، حتى لو اعتبرنا ان الدولة اللبنانية ضعيفة.


اصبروا! لم أنتهِ بعد. إضافة إلى هذه الأجهزة الأيديولوجية، هناك جهاز الدولة القمعي، أي الشرطة، ومكافحة الشغب وأمن الدولة وكل هذه الهرطقات والهراوات والهراء. يعني تخيّلوا أنكم تريدون أن تنقذوا الأميرة من وحش الدولة. عليكم أولاً تخطي كل هذه الأجهزة الأيديولوجية والأدوات القمعية. 

ولكن، la bonne nouvelle c'est que "السلطة سقطت" mon cher، كما يقول صديقي شربل نحاس. إلا أنها لن ترضى بانتقال سلمي للسلطة. بل ستحاول إعادة إنتاج نفسها، أي إعادة إنتاج ظروف وجودها - ظروف الإنتاج. وكما يقول نائبكم سليم سعادة "No Money, No Honey". بمعنى آخر، إذا فشلت السلطة بإعادة تأمين مصادر الدخل، فهي ستفشل في توزيع الرواتب على القوى المنتجة، أي الموظفين، وستفشل في شراء الأصوات والأبواق الإعلامية والولاءات الزبائنية والثقافة الإنبطاحية الهابطة. الحل يا أعزائي هو في منع أي محاولة لتمويل الدولة الساقطة من خلال ضرائب جديدة أو قروض خارجية أو بيع أملاك الشعب. عليكم أن ترفضوا أي محاولة لإعادة تدوير عجلة إعادة إنتاج ظروف الإنتاج. العنوا الإيديولوجيا كل صباح ومساء. قولوا "لا" في وجه كل مقتَرَح وحكومة ولجنة وبعثة. قولوا لا للواسطة، قولوا لا للمدرسة الدينية، قولوا لا للرواتب والرتب، قولوا لا لمن يقرر أحلامكم عنكم. اللعنة! عدتُ إلى الوجدانيات مجدداً. عذراً.

كلمتي الأخيرة الصادقة هي: في لبنان، النظام يعيد إنتاج نفسه بـ"لا غالب ولا مغلوب"، من دون مواجهة حقيقية. الهدنة الطويلة تعيد إنتاج ظروف الإنتاج. المطلوب مواجهة طويلة مع الدولة، وفرض الحرب عليها، ورفض التسوية حتى لو ضربتكم المجاعة. هم قوى الأمر الواقع، وأنتم إتحاد المنشقين عن قوى الأمر الواقع. فيا أيها المنشقون اتحدوا! 

______________

لوي ألتوسير

(بالفرنسية: Louis Althusser) فيلسوف ماركسي، ولد في الجزائر عام 1918 ودرس في مدرسة الأساتذة العليا في باريس التي أصبح بمر السنين أستاذا للفلسفة فيها. كان ألتوسير لفترة طويلة عضوا في الحزب الشيوعي الفرنسي واعتبر أحد أهم المنظرين الماركسيين في القرن العشرين.

شارك في الحرب العالمية الثانية وتعرّض للأسر وسُجِن في مخيم ألماني للإعتقال لخمس سنوات، حيث سَمِعَ لأول مرة كلمة "ماركسية". بعد الحرب استطاع ألتوسير أن يبدأ تعليمه في مدرسة الأساتذة العليا، لكنه كان بوضع صحي سيء، نفسياً وجسدياً. عام 1947 تلقى علاجاً بالتخليج الكهربائي. منذ تلك الفترة عانى ألتوسير من أمراض نفسية (سكيزوفرينيا واضطراب ثنائي القطب) حتى وفاته. أبدت المدرسة تفهما لحالته وسمحت له بالسكن في غرفة خاصة في عيادة المدرسة. سكن ألتوسير أغلب سنين حياته في مدرسة الأساتذة العليا باستثناء فترات دخل فيها المستشفى.

من أشهر مقالاته "الأيديولوجية وأجهزة الدولة الأيديولوجية" (1979). تُحدِد المقالة مفهوم ألتوسير حول الأيديولجيا مستعيناً بكتابات ماركس وإنغلز وغرامشي وفرويد ولاكان، وتصف البنى والمنظومات (القمعية والايديولوجية) الضرورية في المجتمع لإعادة إنتاج قوى الإنتاج. 

عام 1980، قتل ألتوسير زوجته خنقاً ونُقِل إلى مصح نفسي. بعد خروجه من المستشفى، عاش منعزلاً شمال باريس حتى وفاته عام 1990.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: