"هيا جميعاً، انقروا كوراتكم واضربوا البالافونات

لقد زأر الأسد الأحمر المروّض من السافاناه"


كلمات النشيد الوطني السينغالي بعد الاستقلال كتبها رجل قادم من مدرسة مناهضة لاختزال الفعل الإنساني في تجل منفرد ليكون ليوبولد سنغور شاعرًا وأديبًا وسياسيًا. 

لقد أفرزت علاقته الوثيقة بالأديب والسياسي من المارتينيك إيميه سيزار، إطلاق الميثاق السياسي والأدبي حركة الزنوجة، كما أسس معه سنة 1934 مجلة الطالب الأسود.

فكانت هذه الحركة شأنها شأن فكرة الفيديرالية تختزل تاريخ إفريقيا في فكرة الزنوجة ومقارعة العنصرية والاستعمار واثبات التحرر من منطق العبودية والنظرة الدونية لشعوب القارة السمراء.

فيما كرس ومن ناحية أخرى ارتباط شعبه بالمستعمر ثقافيا واجتماعيا واستمد سنغور لمدة عقد من الزمن مشروعية حكمه للسنغال من الدعم الخارجي.

اعتمد ليوبولد سنغور نظرة "ثقافوية" للمجتمع والتاريخ قوامها إحياء أمجاد الأسلاف دون اخضاعها  للمساءلة والبحث وإعادة تشكيل الأفكار وفق التحديات الجديدة إبان أفول الاستعمار شكليا.

بذهنية قومية وغرق في سرديات الثقافة الفرنسية، حاول سنغور إحياء الماضي والدفاع عن فكرة الفيديرالية دون تكلف عناء الوقوف على الأسباب الحقيقة التي جعلت افريقية ترزح تحت الاستعمار وتوغل في الفقر والجهل .

وأمام رفض الزعماء الأفارقة، قرر تشكيل اتحاد فيدرالي مع مالي، الاتحاد الفرنسي السابق والسودان وترأسه حتى 1960 تاريخ فشل المبادرة الفيديرالية وتوليه رئاسة السنغال.  

فقد كان أول رئيس للسنغال إبان استقلالها عن فرنسا. ودام حكمه عشرين عاما ليستقيل أثرها ويتفرغ لتخصصه الأول الأدب والشعر.

فسيفساء شكلت صورة سنغور لتحظى شخصيته بشهرة وجدل واسعين، حيث اضطلع بدور الخادم الأمين للفرنكوفونية وحافظ على سلطتها ولغتها على الأراضي السنغالية إلى جانب الكومنولث في بقية الدول الافريقية.

ولاء سنغور لأوروبا كان نابعاً من تنشئة اجتماعية مغايرة للواقع السينغالي المرير، فهو لم يعرف  الفقر والجوع والأمية. فقد ولد يوم 9 اكتوبر 1906 ببلدة جنوب دكار وكانت عائلته تنتمي للبرجوازية حتى أنه ذكر كيف كان والده يعاقبه على الاختلاط بالعامة.  

تلقى سنغور تعليمه الابتدائي في المدارس الكنسية الفرنسية بالسنغال. وبعد حصوله على شهادة الثانوية، سافر عام 1928 للدراسة في باريس، ودخل جامعة السوربون.

تم انتخابه نائبا عن السنغال في البرلمان الفرنسي وأعيد انتخابه لفترتين، كما نال عضوية الجمعية الاستشارية في المجلس الأوروبي، وتولى منصب مندوب فرنسا في مؤتمر اليونسكو. شغل خطة وزير مستشار في الحكومة الفرنسية في 1959.

يقول عنه عثمان كمار إنه كان لا يرى نجاحا لدولة سنغالية مستقلة بعيدا عن فرنسا. وبالفعل، وفقا للوقائع التاريخية كان سنغور يرى في السياسات الفرنسية نموذجا. ولدى استقباله زميله في الدراسة جورج بومبيدو، رئيس فرنسا آنذاك، قال سنغور مرحبا "اليوم تستقبل فرنسا السوداء فرنسا البيضاء.".

رغم تنصيب نفسه مدافعًا شرسًا عن الهوية الافريقية، مازالت الأسئلة تطرح  نفسها حول مدى صحة انتماء سنغور للثقافة الافريقية ومشاكلها وهواجسها وكيف حاول تفتيت افريقية واستنزافها لتكون القارة السمراء ضمن المقاطعات الفرنسية .

كان الرئيس المخضرم شاعرًا موهوبًا وكاتبًا متميزًا نجحت كتابات على غرار مقتطفات من الشعر الزنجي والمالغاشي في استمالة مثقفين أوروبيين، من بينهم أبو الوجودية جون بول سارتر، لكنه أراد  من خلال أحلامه وطموحاته السياسية طمس الثقافة الافريقية من خلال فكرة الفيديرالية من ناحية والحكم بالوكالة الأوروبية من ناحية أخرى.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: