"سنهدم العالم القديم."

عبارة كتبت على يافطة رفعت في إحدى المسيرات الشعبية المناهضة للسلطة والتي إنطلقت من الضواحي الشمالية لبيروت ووصلت إلى قلب العاصمة. تلك المسيرة تحولت إلى مواجهة بين قوى مكافحة الشغب والثوار، قرب مجلس الشعب وانتهت على الصيفي.

الحركة التي رفعت تلك اليافطة هي "كافح"، الحركة الأناركية في لبنان.

"كافح" في مهب الموجة الأولى

منذ اليوم الأول لإندلاع الثورة، نشطت "كافح" على الأرض. نصبت خيمة في ساحة رياض الصلح، رفعت الراية السوداء عليها، وبدأت بالعمل. عدد كبير من الشبان والشابات إنضموا للحركة خصوصاً وأنها تشاركف في التنظيم الميداني، رفع الشعارات، إطلاق الهتافات، النزول بشكل منظّم، توزيع المناشير، والتصدّي لمحاولات القمع من قبل السلطة وأداوتها في الصفوف الأمامية، خصوصاً أثناء المواجهات. كما تشارك الحركة في الإضراب العام، المسيرات، الإعتصامات وفي الساحات. على مدى الأشهر الماضية، لم يفلت عناصر الحركة من الاعتقالات التي قامت بها السلطة، ولكن عناصرها خرجوا من السجون حيث أن الثوار دائماً ما يضغطون شعبياً على السلطة للإفراج عن المعتقلين.

قامت الحركة، بالإمكانيات المتواضعة التي تملكها، من إصدار العدد الأول من نشرة "التحررية" الذي وزع مجاناً في الساحات والمسرات، وهي تهدف إلى الإضاءة على نشاطات "كافح" وتقديم الفكر الأناركي للآخرين. النشرة مازالت قيد التطور، والعدد الثاني في طريقه إلى الشارع.

ومن الحملات التي تشارك بها الحركة بفعاليّة، وأصبحت ذات شعبية، هي حملة #اطرد_فاسد التي تهدف لطرد الأوليغارشيين من المطاعم والمقاهي والأماكن العامة.

إكتساب الخبرة الميدانية

الحركة تحاول أن تكون على مستوى الموجة الثانية من الثورة، حيث أن السلطة زادت من استخدام العنف ضد المتظاهرين، وهذا ما جعل "كافح" تأخذ الإحتياطات اللازمة والتحضير لها.

الحركة تتمسك بشعار "كلن يعني كلن"، كتوجه أساسي لخطابها، ورفض كل أشكال السلطة المركزية، كما أن خطابها أصبح أكثر نضجاً، وصفوفها أكثر تنظيماً، ومهام الفرق الداخلية أصبحت أكثر وضوحاً، كاللجنة السياسية والإعلامية والتثقيفيّة والنسويّة ولجنة العمل المباشر.

طيلة الثورة، كان عناصر الحركة على الأرض، وهذا ما أكسبهم خبرة ميدانية في التنظيم وفي التعامل مع التكتيكات التي تستخدمها قوى مكافحة الشغب في الشارع. وتعمل الحركة على مشاريع في الجامعات والمناطق، ستعلن عنها في وقت لاحق خلال هذا العام.

"كافح" لا تعمل وحدها في جزيرة معزولة، فهي تنسق على الأرض، في مختلف المناطق، مع القوى والمجموعات الفاعلة على الأرض، مثل المجموعات اليسارية والنسوية والمدنية وغيرها.

مثلث اللامركزية

لامركزية الثورة. لامركزية المجتمع. لامركزية الحركة|

اللامركزية تعتبر من أبرز سمات الثورة وزخمها واحد على امتداد الخريطة. لامركزية الثورة منعت السلطة من حصرها في مكان واحد، ومن إخمادها والسيطرة عليها. النظام المركزي يُسقط بثورة لامركزية. هذه المعادلة فرضها الناس في الساحات والشوارع.

الفكر الأناركي مناهض للمركزية في جوهره، ويدعو إلى توزيع الصلاحيات للمجتمعات المحلية بحيث تصبح العلاقة بين المجتمع المحلي والسلطة المركزية بحدها الأدنى، ليرتبط الفرد بمجتمعه المباشر. وبين لامركزية الثورة ولامركزية الفكر، تطرح "كافح" نفسها كحركة لامركزية، فقد أسست مؤخراً منسقيات مناطقية، في الجبل والبقاع والشمال والجنوب، وإنضم إليها عناصرها بحسب سكنهم، ليقوموا بنشاطات محلية.

تملك الحركة رؤية واقعية لتطبيق اللامركزية في البلاد، إذ اعتبر أحد مؤسسيها أنه "يمكن تحقيقها على مراحل عبر تشريعات قانونية في مجلس الشعب، تهدف إلى منح صلاحيات أوسع للمجالس البلدية على حساب السلطة المركزية في بيروت، وعدم حصر المؤسسات فيها. ليكون كل مواطن قادراً على الوصول إلى الإدارات والمؤسسات الرسمية من خلال مجتمعه المحلي، وليس بيروت العاصمة"، أما الرؤية المثالية فهي" أن تكون كل منطقة قادرة على تسيير أمورها بنفسها".

إلى جانب اللامركزية، كمنطلق فكري، يحضر الجانب الطبقي في صلب التوجهات الفكرية للحركة، إذ تعتبر أن المعركة الأساسية هي ضد الأوليغارشيا، أي الطبقة الغنية الحاكمة والقامعة للطبقة العاملة. وعادة ما تستخدم "كافح" مصطلح" العصابة الحاكمة" كبديل عن مصطلح "السلطة".

الإنطلاقة

تعتبر حركة" كافح" حديثة نسبياً. في أواخر عام 2018، خرجت الحركة إلى الضوء، "نتيجة  توحيد لجهود مجموعة من الأناركيين"، على حد تعبير أحد مؤسسي الحركة، وذلك بهدف تحرير المجتمع من قيود السلطة الأبوية والطائفية والرأسمالية والعسكرية.

داخل الحركة، اتجاهات فكرية مختلفة. تجد بين عناصرها من يؤمن بالأناركية المجتمعية anarcho-Communism))  

) الأناركية النسوية، الأناركية النقابية، الأناركية النباتية (anarcho-veganism)، الأناركية الخضراء والأناركية البدائية. يلتقي هؤلاء تحت مظلة مواجهة السلطة بكل أشكالها (السياسية، الإقتصادية، الدينية، والعسكرية) ومقاومة جميع الأنظمة والمحاور دون الإنحياز لمحور دون آخر، وتشجيع الأفراد على التحرر من كل القيود والزعامات لبناء مجتمع لاسلطوي. أما إسم الحركة فهو مختصر لعبارة "كوادر أناركية فاعلة حرّة".

الثورة تفرض التحديات

قبل "كافح"، خلال العقد الماضي، ظهرت محاولات أناركية مختلفة في لبنان، ولكنها لم تستمر طويلاً نتيجة ظروف متشعبة. اليوم، أمام "كافح" فرصة نادرة كون البلاد في مرحلة انهيار تطال كل طبقاته وقطاعاته، والأفكار الداعية للعودة إلى اللامركزية وأنظمة الحكم المحلية أصبحت واقعية أكثر من كونها مجرد نظريات، خصوصاً مع انهيار الدولة المركزية وفشلها منذ تأسيسها.

هذه الفرصة تشكل أيضاً تحدياً كبيراً للحركة التي يبدو أنها بحاجة للإجابة على العديد من الأسئلة الكبيرة في الأشهر القادمة