يتناول هذا المقال فترة زمنية مهملة لأحد أعظم الشخصيات الثورية في تاريخنا المعاصر، "مالكوم إكس" Malcolm X (المولود "مالكوم ليتل") الذي ساهم في نهوض ونضال حركة تحرر السّود في الولايات المتحدة الأميركية في الستينيات. يتم اجتزاء محطات محددة من حياته لإفراغ مسيرته من مضمونها الثوري وتصويره كزعيم ديني كان يناضل من أجل طائفة معينة من السود أو كمتطرف عرقي وحسب. حتى أن مصادر شهيرة تتناول مالكوم أكس مثل كتاب الصحفي "ألكس هايلي" أو الفيلم الذي أخرجه "سبايك لي" عام 1992، توقّفت عند محطة إبريل 1964 عندما أدى مالكوم مراسم الحج في مكة بعد شهر فقط من انفصاله العلني عن المنظمة القومية الفاشية "أمّة الإسلام" (Nation of Islam)، وكل ما تلى ذلك تم اختصاره بشكل كبير.

أوباما وصناعة الأمل الزائف

هذا التقديم الخاطئ عن مالكوم إكس هو ما اكتشفه أيضاً القراء مؤخراً (متأخرين أيضاً) في كتاب باراك أوباما الذي صدر عام 1995 بعنوان "أحلام من أبي: حكايات عرق وميراث"، وهو مجموعة مذكرات كتبها تحضيراً لترشّحه لمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية إلينوي. يقول أوباما في الكتاب إنه عندما كان مراهقًا كان يبحث عن الإرشاد في أعمال كتّاب سود من ضمنهم "جايمس بولدوين"، "دبليو إي دو بويس" ، "رالف أديسون"، "لانغستون هيوز" و"ريتشارد رايت". لكن هؤلاء خذلوه لأنهم، حسب تعبيره، كانوا متأثرين بطرق متباينة من الشيطان الأحمر عدو أميركا (أي الشيوعية)! أما "السيرة الذاتية لمالكوم اكس" فاستنتج أوباما منها ما اكتشفه مالكوم في نهاية حياته، أن في إمكانه التعايش مع بعض البيض كأخوة. فمنح هذا الموقف أوباما بعض الأمل في المصالحة المحتملة - أمل بدا في مستقبل بعيد، وفي أرض بعيدة أيضًا.

ولكن هل تكبّدَ أوباما عناء قراءة أي من كلمات الأشهر العشرة الأخيرة من حياة مالكوم؟ ثمانية كتب وكتيبات على الأقل توثّق عشرات المقابلات والخطابات والرسائل والمقالات من أشهُر مالكوم الأخيرة. بالنسبة لأصحاب القناعات الليبرالية، من المفيد لهم أن يتجاهلوا وثائق القناعات الثورية الصاعدة لمالكوم كأنها لم تكن موجودة أصلًا، وكأن هذه الكلمات لم ينطق بها ابدًا، وكأن مالكوم لم يمت بسببها.

في يونيو 2009، أي بعد مرور 15 عامًا على نشره كتابه، تحدث أوباما عمّا سبق ونشره ولكن من موقع مختلف: كان رئيس أكبر قوة امبريالية مهيمنة في العالم. وخلال زيارته مصر خاطب "شعوب الشرق الأوسط وشمال شرق أفريقيا" من منبر جامعة القاهرة مرددًا البرجوازية البيضاء والشرائح العليا من الطبقة الوسطى الملونة حول الحلم الأميركي -  إدعاءات أمضى مالكوم طوال حياته السياسية يحللها ويحذر منها. قال أوباما في خطابه: "لعدة قرون، عانى الشعب الأسود في أميركا من جلد السوط وذل التفرقة العنصرية. لكن العنف لم يكن هو ما حقّق حقوق متساوية وكاملة، بل الإصرار والعزم السلميين، والقيم والمثل العليا للمؤسسين الأوائل". فهل انتهى العنف المؤسِس لتجارة العبيد والعبودية من خلال "الإصرار والعزم السلمي"، كما ادعى أوباما في خطاب جامعة القاهرة؟ ألم يقر "المؤسسون الاوائل" للولايات المتحدة الأميركية العبودية في دستورها؟ هل كانت "مؤسسة العبودية" لتُقهر لولا تمرد دنمارك فيسي، ونات تيرنر والمئات غيرهم الذين كان من المفترض إغراقهم بالدماء من قبل مالكيهم؟ وهل كانت لتُقهر لولا مساعدة مئات من "السائقين المسلّحين" في الطريق الخفي لسكة الحديد - الشبكة السرية التي نظّمتها هارييت توبمان لتأمين هروب العبيد من الجنوب إلى الولايات الشمالية؟ هل فُرِض نظام جيم كرو للفصل العنصري عبر جنوب الولايات المتحدة من دون عنف؟ هل تم إسقاطه بالحب والغفران؟ أما تم إسقاطه من خلال حركة جماهيرية لحقوق السود قادتها البروليتاريا في خمسينات وستينات وبداية سبعينات القرن العشرين، نتيجة إصرار وتصميم طليعة واعية للتنظيم والمدافعة عن مجتمعاتهم بأي وسائل ضرورية بوجه عصابات التفوق الأبيض مثل "الكو كلاكس كلان"؟ ألم تُنذِر التمرّدات الشعبية في الستينات بهارلم، وواتس، وشيكاغو، ونيويورك، وديترويت بأن القسم الاكثر استغلالاً من الطبقة العاملة لن يرضى بقوانين ليست سوى حبر على ورق (تلك التي أشار إليها أوباما في القاهرة)؟

تقدّم الوثائق التاريخية ما يكفي من دلالات على أن الدول "الديموقراطية" البرجوازية هي في أساسها أجهزة عنف متفشٍ وهيمنة مكرّسة لحفظ بنيتها الرأسمالية. وهذا ما برهنته آلة الحرب الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية المسؤولة عن عشرات المجازر والحروب والانقلابات العسكرية في العالم الثالث. ولذلك، كان مالكوم محقاً مجدداً عندما قال "برهن التاريخ مئات المرات بأن ليس الذين يناضلون ضد الاستغلال والاضطهاد هم مصدر العنف، إنما هي ديكتاتورية رأس المال".

من الإصلاح الديني الأخلاقي إلى النضال العمالي الأممي

عندما غادر مالكوم منظمة "أمة الإسلام" عام 1964. أعلن في لقاء مع مجلة ميليتانت (Militant): "تركت الحركة لاني شعرت أنها لم تشارك في الحراك المدني والسياسي الذي انخرط فيه شعبنا. إنها تركز فقط على أهمية الإصلاح الأخلاقي. يجب عليك/ي أن لا تشرب/ي، لا تدخن/ي لا تمارس/ي الجنس خارج الزواج. وعندما اكتشفت أن الأشخاص في أعلى السلسلة الهرمية في التنظيم لا يمارسون ما ينادون به، أصبح واضحاً لي نفاق وإفلاس برنامج المنظمة."

لم يكن العامل الأخلاقي الدافع الوحيد لترك المنظمة، فـ "أمة الإسلام" لم تكن منظمة ثورية ولم تتضمن نقاشات سياسية لاتخاذ القرارات، فهذه القرارات كانت مناطة بالقيادة فقط، والتي كانت تستفرد بآرائها مستندة إلى "الوحي". وفي سنواته الأخيرة داخل المنظمة، تعمق انحياز مالكوم السياسي إلى الطبقة العاملة رغم تصلّب موقف المنظمة التي كانت تتّبع الخطوط الدينية والتحيّز الواسع النطاق ضد اليسار. اتخذ مالكوم مساًرا عمليًا في 1962، فنظّم احتجاجات عدة في لوس انجليس كردّ على هجوم دموي من قبل الشرطة ضد العديد من أعضاء "الأمة"، إلى أن وضع  إيليجا محمد (زعيم المنظمة) حدًا لهذه المسيرة. وفي نفس العام، ألقى مالكوم خطابًا في تجمع للتضامن مع إضراب عمال الرعاية الصحية في نيويورك. أشاد مالكوم علنًا برئيس النقابة "ليون دايفيس" اليهودي الذي دخل إلى السجن ثلاثين يوماً بسبب رفضه أمر المحكمة بوقف الإضراب. وفي يوليو 1963، شارك مالكوم في الاعتصام الذي دعت إليه منظمة Core (للمساواة العرقية) و The urban league (العصبة المدنية) و المؤتمر الكهنوتي لبدفورد ستيفنسانت للاحتجاج ضد التمييز في التوظيف في قطاع البناء في بروكلين. وفي أوائل مارس 1964 في نفس اليوم الذي أعلن مالكوم انفصاله عن حزب الأمة، قال لجريدة النيويورك تايمز: "إنني مستعد للتعاون مع الآخرين في النشاطات المحلية للحقوق المدنية في الجنوب وفي مناطق أخرى وسأفعل ذلك لأن كل حملة لأهداف معينة يمكن أن تزيد الوعي السياسي للزنوج وأن تكثّف تحديد هويتهم ضد مجتمع البيض". وأضاف إن ايليجا محمد منعه ومنع كوادر المنظمة من المشاركة في النضالات الأخرى للحقوق المدنية في الجنوب، "ولكني سوف أشارك في النضال أينما يطلب الزنوج مساعدتي. وأظن أن نطاق أنشطتي سيتّسع وسيصبح أكثر كثافة." 

في هذه الفترة اهتم مالكوم كثيرًا باللقاء والتعاون مع ثوريين خارج الولايات المتحدة الأميركية، فكان منجذبًا إلى القيادة الثورية للحكومة العلمانية في الجزائر، والتي أشار مالكوم إلى أن أعضاءها كانوا ذوي بشرة بيضاء، وقسم قليل منهم فقط كان يمارس شعائر الدين الإسلامي. فتحت قيادة بن بلا، نظمت الحكومة العمال والمزارعين وباقي فئات الجماهير الكادحة ليس تحديًا لبشاعة وامتيازات المستعمرين الفرنسيين السابقين فحسب، بل أيضا لتحدي ملّاكي العقارات والرأسماليين الصاعدين. كما كان مالكوم متأثرًا بشكل متصاعد بالمثال الأممي للثورة الكوبية، فعبّر عن تضامنه وإعجابه بهذه الثورة وقياداتها، مستقبلًا ومرحبًا بكاسترو وغيفارا في شوارع هارلم. 

لم يكن مالكوم ساذجًا أو جاهلًا في شأن التناقضات السياسية الحادة في الولايات المتحدة، فقد عارض الحزبيين الامبرياليين ورفض تبني التصويت للرئيس "ليندن جونسون" ضد مرشح الحزب الجمهوري "باري غولدواتر" للانتخابات الرئاسية في 1964. والموقف الذي اتخذه مالكوم كان موقفًا مشتركًا مع حزب العمال الإشتراكي. وهذا الرفض كان شديد المرارة بالنسبة لقادة الحزب الشيوعي الأميركي. وبعد بضعة أسابيع من انتخابات نوفمبر 1964، قال مالكوم في تجمع سياسي بباريس "هناك  الكثير من دعاة السلام ومعادي الإمبريالية بالحزب الشيوعي الأميركي الذين يتمنون فوز الديموقراطي "جونسون" الذي تجتاح قواته الآن الكونغو وفيتنام الجنوبية، معتبرين أنه رجل سلام وسياسته أكثر موضوعية من المرشح الجمهوري." 

تابع مالكوم تنمية وتطوير فكره فلم يتردد عندما أنهى مسار المفاهيم المسبقة التي تبناها فترة طويلة خلال فترة عضويته في منظمة "أمة الإسلام". وكان عليه أن يواجه واقع أن أغلبية الإنسانية ليست سوداء البشرة أو مسلمة، فأصرّ على أن مصير السود مرتبط بملايين المعذبين في الأرض، ولا يمكن تخيل العالم من دون هذا التفاعل في ما بينهم في كل مكان وزمان، بعيدًا عن الشوفينية، ومن أجل إزالة كل دول رأسمالية "بيضاء - سوداء". 

وهكذا، في الأشهر الأخيرة من حياته، كان مالكوم اكس قد أصبح ثوريًا أمميًا، حقق تقاربًا وتفاعلًا أكثر ديالكتيكية بين القومية السوداء والفكر الاشتراكي. هذا التقارب أنتج حركة بروليتارية شاملة أغناها تنوّع الخبرات والمساحات الثقافية والقدرة على القتال في سبيل هدف واحد: مواجهة قرون من التوحش الطبقي الأميركي - مواجهة فرضت على مالكوم إكس أن يقدّم حياته في سبيلها.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: