(إسمع هذه النكتة: لقد سمعتهم يقولون ما معناه، "لن نضع النِقَاط على السطور بل نريد أن نسطّر ملحمة يخوضها رحّال، وجهته الغربلة. ما بالهم برأيك؟ مصرّون على أن يُزعزعوا الرتابة وإرث المألوف. يريدون أن يهدموا ما بنته أجيال سماسرة الكلام ومنظّري المواقف. من يعتقدون أنفسهم؟ لا يجب أن نسكت عن هذا الأمر أبداً، لا بدّ من فعل شيء ما !)  

************************

...فإذاً، اذهبوا وارفعوا علينا دعوى. دعوى واحدة أو دعويين أو أكثر، كما تشاؤون.

إبدأوا بـ "طالب شحادة" لأنه دنّس المقدّس وأراد أن يتقمص حشرة. أضيفوا إليه "ميلاد الدويهي" لأنه هشّم رأس أفلاطون، السفير الفاضل في مدينة الضجر. ولا تنسوا "الزعتيني" (فتشوا جيداً على مكان سكنه وعنوان منزله) بكلماتهِ المحفورة بدماء الروح النازفة، المتفجرة حد التجريد كأنها عانت من كبتٍ عتيق جرّاء اختبائها بين سطور كتاب "نقد العقل المحض" لأن نصّه يغتال النَفس.

بالله عليكم، نعلم تماماً شكل التهم التي ستوّجه. سيُتهم الأوّل بالانسلاخ عن الوجود ما يُعتبر بمثابة هرطقة (يا إلهي!). سيُتهم الثاني بقدِح القيم وهدم الأصنام. وستحاكمون الثالث بناءً على لُغته. لُغته المركبة، المحشورة، المحشوّة، المطاطة والتي ترجع إلى الجذر المكعب للاشتقاق الجذري، ما ينافي قواعد الصرف والنحو والبلاغة والعروض (يا للعار، فعلاً).

قد تتراوح عقوبتهم بين السجن المؤقت لليلتين خاليتين من السجائر مع الوسواس القهري عن معنى الغد أو بدفع غرامة مالية قدرها ورقة يانصيب. لا مشكلة، يمكننا أن نتكلف بذلك.

أما كتّاب هذه الأسطر، الذين يقودون الحافلة، هم في عداد الموتى. ها ها ها، ستطالبون بإنزال أشد العقوبات عليهم، فهُم منشقون عن قوى الأمر الواقع، ومن غير المنطقي الانصياع لغرابتهم. ممارستهم التي يدّعون أنهم يعالجون فيها مفاهيم تجريدية ويحوّلونها إلى مواقف عضوية تلتصق فيها العقلانية بالذاتية لتغدو قصدية بناءً على مسار واتجاه الواقع فهذا انتهاك لستاتيكو الميتافيزيك المعلّب على شكل ميثاق وطني ويُعتبر أكثر من جنحة، أقرب إلى الجناية ما يجعل العقوبة تصل إلى حد الإعدام!

حسنا ً،"أولرايت"، إنطلقوا الاَن. حضّروا ملفاً ضخماً ونحن له جاهزون.

يمكنكم أن تبحثوا عنا على الأرصفة، نحتسي القهوة، نقهقه حزناً أو نبكي ضحكاً. يمكنكم أن تجدونا مع بائعي العلكة نوّزع "رحلة" مجاناً قبل أن نشحد الأمل مع المتسوّلين على الطرقات. أو في الحالات القصوى، مثل حالة الطوارىء هذه، يمكن أن نكون قابعين  في منازلنا "نُهكِر" الحاضر، نفكك شيفرات خطاب الهيمنة المنقولة مباشرة على الـ تي-في وعلى وسائل التواصل الاجتماعي فقط لكي نعرف كيف يكون الغوص في ما بعد الظواهر. ليس كل ما هو مرئيٌ حقيقي، هكذا علمنا المتشرد. لكن من الممكن أن لا تجدونا، وهذا يبقى احتمالاً أيضاً، فًكما قال الشاعر "زياد جبيلي" "...فأتيت/ تلتفت إلى الخلف فجأة/ كأن هنالك من أتى/ لم يكن أحداً/ الباب أغلقه الهواء".

عندها، يمكنكم أن تُطلقوا مذكرة وجاهية، فَنصبح "وانتد": صورة "ماغشوت" لوجوهنا التي سترونها للمرة الأولى مع يافطة صغيرة عليها رقم بدلًا من اسم، لذيذة! نصبح عندها مطلوبين للعدالة، ومن يعثر علينا ينال جائزة، والجائزة هذه الأيام قيّمة جداً. لا أحد على الإطلاق يمكنه أن يمنعكم من ذلك. بالعكس! بصراحة، نحن متشوقون لخوض جدالٍ طويل عن العدالة مع العدالة، ومع مندوبيها.

إذهبوا وقاضونا نحنُ في انتظاركم. وفي حال لم تفلحوا فجربوا طريقةً أخرى أو غيّروا أسلوبكم. يمكنكم مثلاً أن تشكونا عند الدول المانحة. أخبروهم بأننا نريد تسييس الثقافة وتثقيف السياسة. إنها حجّةٌ كافية، ما رأيكم بذلك؟ قولوا لهم بالفم الملاَن، إن هؤلاء ما زالوا يؤمنون بأقصوصة الورق، برائحة الحبر، بعنوان عريض على جريدة مطبوعة. قولوا لهم هؤلاء يُفضلون أن يكتبوا القصيدة عوضاً عن كتابة "البروبوزيل". قولوا لهم إن لهؤلاء حلماً هائماً يطوف فوق الليل، فوق النهار. قولوا لهم إن لهؤلاء مانيفستو طويل، لا ينتهي ولن ينتهي. قولوا لهم إن هؤلاء يمارسون الشعوذة، يقرون بأنهم غير واقعيين ويدّعون في الوقت نفسه أعلى درجات الواقعية، يسمونها "الواقعية السحرية" وكل سحرٍ هو ممارسة مشينة، منافية لهالة الهوموسابيان المجيدة. وتذكروا جيّداً الهدف من رحلتنا عندما تَشون بنا: قولوا لهم، هؤلاء غير آبهين سوى بالإفصاح عمّا يعتريهم، غير مكترثين سوى بالبوح العميق حيال الأزمنة الحديثة وينتابهم الضجر بشدّة عند كل حديث إنشائي، استرسالي على شاكلة "الكتابة هي شكلٌ سامٍ من كلام الروح". اه، كدنا ننسى، قولوا أيضاً إنهم إضافة إلى لوثة الروحانيات المضحكة مثل اليوغا، قولوا إن هؤلاء، أي نحن، يكرهون هذا القدر غير الوافي من التشجيع الذي يأتي بجملة "ما تقومون به هو نشاطٌ ضروري في البلد". يكرهونه بشدّة لأن هذا الثناء هو وجه "برونزاج" الدجل.

لكن لنا الحق أيضاً أن نُرافع عن أنفسنا، أليس كذلك؟ (هذا في حال استطعتم الوصول إلينا، لكننا نلهو الآن) لدينا الفرصة لكي نتلوَ ما نضمره من الداخل، أن نعترف بفعلتنا. فعلتنا وليس خطيئتنا، أوكي؟

شكراً ديمقراطية.

إسمعوا: لقد أتينا جميعنا من بؤس المنطق، من يأس الحالة، وقررنا بما تبقى لنا من عمر أن نختار وجهة أيامنا. بعضنا يكتب نصّاً يسميه مقالة، بعضنا يكتب مقالة يسميها نصاً، بعضنا يكتب نصاً ويقول عنه نص. بعضنا يكتب قصيدة يقول إنها حوار يخالفه اَخر لأنه رأى فيها مسرحية. لا فرق، هذا كلّه غير مهم. نعود إلى البداية: كتابة تجريبية، سُفلية، حرّة. تتداخل الأشكال، تتشابك، تشقق، تتشظى، تتصدع، تَنفلش، تنحسر، تغوص، تلتحم… المهم... أن تطوف وأن ينجو معها التعبير. هنا، كل شيء جائر لخدمة لحظة الكتابة الراهنة وتجسيدها بالكامل. ومن الأجدر أن تكون مكثفة، أها؟

هذه الكتابة، أو بالأحرى هذا المشروع من الكتابة لا تتوافى شروطه مع ما هو سائد في الخارج من مواضيع باعتبارها خالصة. تكمن جهوزيتها في حالة واحدة فقط، إذا كان الموضوع تحت مقصلة التفكيك والنقد، وهو متاح عندنا، لكن بالطبع، هذا لن يخلق رأياً عاماً جماهيرياً. قلناها منذ اليوم الأول "تتعامل "رحلة" مع الظلال التي تخلفها السياسة على أرض الواقع"، فما الريب في ذلك؟ ما هي هذه المعضلة المستحيلة هنا؟ من يريد كلاماً متوفراً ينسخ الحَكي يمكنه أن يزور مقالات "عوني الكعكي" وتلامذته في نقابة الصحافة، مقالاتهم متوفرة واشتاقت إلى الزوّار، شلّعتها الوحدة!

عندما قررنا أننا نريد استعادة الوقت المنهوب، قال أحدهم إننا شعريون، شاعريون، "بويتيك"، في أفقنا النظري للأحداث. لم نعر الموضوع أهمية. طبعاً أهواء الثورة تجعل دوبامين الأمنيات مرتفعا، لكن كيف له أن يطلب نيزكً مثلاً؟ أن يتمنى النهاية القاتلة ولماذا؟ ما هو غريب حقاً أن ما كان مراداً من "النيزك" فورة شعرية حداثية، كأن هذه الحداثة تشتغل على "ريموت كونترول". وما هو أغرب أن "النيزك" نفسه أردى بجميع الشعراء في قبور الصمت، مُخبر واحد قتلهم، كأنه أدلى بتعويذة أو شيء من هذا القبيل!

عندما قُلنا أن ما بعد تلك المرحلة كانت بمثابة "أبوكاليبس" ضحِك البعض واعتبر أننا متأثرون ب"كوبولا". لكن عندما قالوا ذلك في النيو-يورك تايمز بعد مرور ثلاثة أعداد من "رحلة" باتوا أنفسهم يقولون أن هذا هو الأبوكاليبس. بيد أن تلك الظاهرة انتهت في نظرنا، وما هو أبوكاليبسي عندهم، ليس سوى جائحة الديستوبيا في نظرنا، فقط لا غير. إذا كانت الفكرة تحتاج إلى القليل من التوضيح، فسنختصرها بإيجاز: يكمن صراع "البُوَط" الثقافية، الطليعية مع نظيرتها الشعبوية الثورية، على التموضع. ليستا على نقيض، إنهما تختلفان في الشكل لكنهما تتفقان في المضمون. الماهية، هي، ذاتها.

ليست "رحلة" سوى نزهة ممتعة تُنّقب عن آثار العواطف المنكوبة أو عن الصدفة التي جعلت من فيلسوفٍ خارقٍ رجلاً مجنوناً، أو عن نسيج العلاقات التي أردت بسيدٍ وعبدٍ، أو ضربة حظ في خلق طليعة ثقافية جديدة تعبّر بفصاحةٍ عن العالم، تأبه قليلاً بتفسيره وتتمنى كثيراً تغييره. كل شيء آخر، كمعرفة "ما يجب أن يكون" ليس من شأننا إطلاقاً، بل ممكن أن يكون أبناء شهر تشرين الفاضل، المنظّرين الجدد الذين وضعوا ثورتهم "اون-هولد" بينما يفرج المصرف عن أموالهم المحتجزة، يعلمون كونهم يعملون في هذا الشأن.

على كل حال، كيف وصلنا إلى هنا؟ كان لا بد لنا من قول هذا الكلام، فكما تعلمون، نحن لا نضع النقاط على السطور.

ولكن كونكم ضجرتم معنا من بعد كل هذا الحديث، سنعطيكم سبباً آخر لترفعوا علينا دعوى. خذوها طرية طازجة: عددنا هذا ضد النوستالجيا. كيف لنا أصلاً أن نرصّع صورة النوستالجيا مثلاً وقد أعلنّا موت لبنان الأخضر الكبير في الجملة الأولى من العدد الأول ما بعد الخامس؟ لقد رثينا المجتمع الاستعراضي الذي انتهى، وحالتنا ترسبات إفلاسه، ومن المرفوض أن يحنّ أحد في المستقبل إلى ذلك الماضي القاتم!  

إذًا

لقد سَقَطت الصورة عندنا قبل أن تولد، لأننا تعلّمنا باكراً كيف ننجو من هذا الفخ والان في عددنا هذا، جلّ همنا أن نقطع نسل الصورة النوستالجية التي ما زلتم مصرّين على توريثها، أو تناقلها، باعتبارها ضرورة حتمية للاستمرار في العيش، مفتاح لا بد منه للاستحواذ على الأمل الواهن.

أنتي-نوستالجيا ولا نقصد التجرد من الحنين ولا التخلص من الحنان، ولا حتى إجهاض الذاكرة، هذا محال. بل ضد النوستالجيا باعتبارها سردية كبيرة منسوجة في باطن العقل كأنها حفرة سوداء صخمة، تبتلع الحاضر ليحل الغائب. هكذا ببساطة، فقد ضجرنا حقاً من هذا الهراء.

يعني:

إذا كنتم من جيل الثمانينات/ التسعينيات وتقولون أنكم تحنّون إلى لبنان الستينيات وعلى بيت إده، سنضحك عليكم.

إذا تخطيتم الثامنة عشرة من العمر وما زلتم تناقشون أحداث حرب لبنان انطلاقاً  من أخبار عائلة أبيكم و أمكم، سنستهزئ بكم.

إذا كنتم تؤمنون بالبعث والإحياء، وضرورة إعادة أمجاد الماضي والعثور على سيف أبو سفيان لأنه مجدٍ نفعاً أكثر من مدفع ب7، فسنترحم عليك.

إذا كنتم تستمعون إلى موسيقى بوب عربي خلال التسعينيات ولم تراجعوا ذائقتكم الفنية، سنأسف عليكم.

لكن، إذا كنتم تتوقون الى مكانٍ أجمل، ووقت أفضل، فشاركونا أرجوكم، أو أقلّه اقرأ هذا العدد، فعلى الأرجح ستفهمون تماماً ما جئنا لقوله.

أما بعد، فلا تنسوا الدعاوى التي ستقدمونها، إننا نرى من هنا، مستمتعين، هزة رأسكم الإيجابية كقرار ظني مؤجل للانتقام. لا تنسوا مشاهدة فيلم: catch me if you can ، فقط للتسلية.

إتفقنا؟

وإلى حين لقائنا - إن حدث - لا يجب أن نُذكّركم، الرحلة مستمرة والكل مدعوون...