English version

في الأشهر الماضية، اجتاحت موجة من التحركات الطلابية جامعات الولايات المتحدة ودول أخرى، من بينها احتلال واعتصام نظّمه طلّاب جامعة بوليتكنيك كاليفورنيا (كال بولي) في هومبولت. قد يكون المحرّك الأساسي لهذه التحرّكات استمرار الصمت والخذلان واللافعل الذي أصاب المجتمعات حول العالم رغم اشتداد المجزرة. وربما يشعر البعض منا بقليل من البهجة لمعرفته أن، على بعد آلاف الكيلومترات، خلف المحيط الأطلسي وحِلفه، هناك شابات وشبان يحتلّون مبنى وينصبون خيمة داخل بطن الوحش نصرةً لفلسطين… ومع قيام كل خيمة، تتلقى الإمبراطورية والمستعمرة ضربة.

في حوارنا هذا، نركّز في "رحلة" على الديناميكيات الداخلية والتكتيكات والاستجابة المحلية المرتبطة باحتلال الجامعة. أجابت على أسئلتنا مجموعة من الطلاب كانت جزءًا من عملية الاحتلال الأولى لقاعة سيمنز/الانتفاضة. حضّر المشاركون أجوبتهم بشكل جماعي، في نوع من المحادثة المفتوحة. نعرض هنا ملخصاً للإجابات، وهي عبارة عن مزيج من الإجابات الجماعية والتلخيصات والاقتباسات الفردية المباشرة.

- في إبريل الماضي، وعلى مدى سبعة أيام، قامت مجموعة من الطلاب باحتلال قاعة سيمنز في جامعة بوليتكنيك كاليفورنيا (كال بولي) في هومبولت، وأعادوا تسمية المبنى المحتل إلى "قاعة الانتفاضة". بدأ العمل المباشر بعد خمسة أيام من بدء مخيم اعتصام جامعة كولومبيا. متى بدأت خطة احتلال كال بولي؟ 

بدأ التخطيط للاحتلال قبل ليلة، مستلهمين من العملية في جامعة كولومبيا. فاستجبنا للدعوة إلى الانضمام إلى هذه الحركة المتنامية. وأعرب أحد أصدقائنا المقربين عن خيبة أمل "ساحقة" في قدرتهم على وقف الحرب في غزة: "[كنت] أشاهد الأمور تحدث طوال الأشهر السبعة الماضية [وكنت متحمسًا] للقيام بهذا الإجراء المفاجئ الذي لم يحدث". لا تحتاج بالضرورة إلى التنسيق، كل ما كان هناك هو شعور بضرورة القيام بشيء ما. 

عُقد اجتماع قصير إلى حد ما في حديقة مجاورة ضمّ 50 إلى 60 شخصًا، اتُّخذ فيه القرار باحتلال المبنى بعد ظهر اليوم التالي. الفئة التي كانت تملك خبرة أكبر في أنواع معينة من التنظيم المستقل شدّدت على أن عمليات التخطيط يمكن أن تمنعنا من اتخاذ الإجراءات اللازمة، لأننا كنا نعلم أن ثمة أمورًا لن نتمكن من التوافق عليها. وافقت المجموعة على هذا المنظور، ولذلك تَقرّر إعطاء الأولوية لاتخاذ الإجراءات اللازمة في أسرع وقت بدلاً من الانشغال بالتخطيط اللوجستي، وهو الأمر الذي شعرنا أنه سيكون لدينا الوقت لتنفيذه بمجرد سيطرتنا على المبنى. 

- لماذا يهمكم أن تفصح جامعتكم عن الاستثمارات الإسرائيلية وسحب استثماراتها منها؟

تظهر من إجابات المشاركين في اللقاء آراء متنوّعة، ننقلها كما هي:

"إن رؤية الروابط بين جامعتنا والجيش الإسرائيلي أعطت الناس دفعة إضافية لفعل شيء ما"... "أعتقد أن الحركة الخاصة بسحب استثمارات الجامعات مهمة لأن الجامعات تحب تقديم نفسها كمؤسسات تقدمية. إذا أردنا أن تقوم المؤسسات الأخرى بسحب استثماراتها، فمن المهم بالنسبة لنا أن نبدأ من مكان يكون فيه النفاق واضحًا بشكل لا يصدق ويمكن رؤيته بسهولة."

 

“[أردنا] إزعاج شعور السكون والانصياع الذي تشعر به الطبقة العاملة وطلاب الجامعات من الجيل الأول في عائلاتهم، من خلال حصولهم على فرصة الدرَجة العلمية والأمن والاستقرار. وهذا الاستقرار أقل أهمية بكثير من حياة الفلسطينيين ونضالاتهم”.

"هناك تاريخ طويل من احتلال المباني في هذه الجامعة، وأردنا أن نسير على خطى هذه الحركة."

"بسبب علاقاتي الشخصية مع الأشخاص المتأثرين بهذه الحرب، أشعر بأني مضطر لفعل شيء ما."

"لم نشعر بأهمية إظهار التضامن مع الفلسطينيين لخلق أزمة للمؤسسات الأمريكية التي تمول الإبادة الجماعية فحسب، بل أيضًا لمنح الناس تجربة تحدي المؤسسة الأميركية على أرضنا. "

في التكتيك

- بالمقارنة مع الجامعات الأخرى، كان احتلال كال بولي أكثر عنفاً ومواجهةً في ردّه على وحشية الشرطة. ما الذي دفعكم إلى اتباع هذا النهج المختلف والأكثر جذرية؟ هل كان أعضاء هيئة التدريس والموظفين من الداعمين؟

في المواجهة الأولى مع الشرطة، كانت هناك مجموعة كبيرة من الأشخاص - الطلاب وغير الطلاب على حد سواء - الذين يملكون خبرة سابقة في الانخراط في مواجهات مع عناصر الشرطة. تم عرض المهارات هذه خلال المواجهة، وأصبحت مفيدة للجميع على الفور. أولئك الذين لم تكن لديهم خبرة في القتال مع الشرطة كانوا قادرين على الوقوف جنبًا إلى جنب مع أولئك الذين هم على دراية بهذه الأنواع من الأنشطة، وتعلّموا في تلك اللحظة من خلال الممارسة. كانت هناك ثقة كافية بين الناس للتعامل مع المهارات المتاحة.

وكانت أغلبية ساحقة من أعضاء هيئة التدريس والموظفين داعة للاحتجاجات، وأعلن عدد من الهيئات الإدارية للأساتذة التصويت على حجب الثقة عن رئيس الجامعة توم جاكسون. وشارك أعضاء هيئة التدريس لساعات طويلة في الاحتلال. وفي ليلة مداهمة المخيم، تم اعتقال أحد الأساتذة مع 30 طالبًا آخر وأفراد من خارج الجامعة.

- في 24 أبريل، ظهر مقطع فيديو على الإنترنت يُظهر حوالى 20 طالبًا متظاهرًا يقفون متّحدين حتى نجحوا في منع هجوم عنيف شنّته الشرطة أثناء محاولتها اقتحام قاعة سيمنز. وتراجعت الشرطة بينما كان الطلاب يهتفون. أصبحت عبوة الماء البلاستيكية الذي استخدمها متظاهر لضرب عناصر الشرطة رمزاً للاحتجاج. هل يمكنكم إخبارنا المزيد عن هذا الحدث تحديدًا؟

عندما وصلت الشرطة بكثافة إلى مخيم الاعتصام، لم يكن يتوقع أحد ذلك. بل توقّع المشاركون في الاعتصام أنه سيقضون الوقت يدردشون مع بعضهم البعض، وتناول الطعام، والقراءة، والتخطيط لمستقبل المخيم. وعندما أصبح من الواضح أن الشرطة كانت تخطط للتصعيد، استجابت غالبية الموجودين بما تيسّر لهم. وأدى الافتقار إلى التخطيط المدروس قبل الاحتلال إلى خلق وضع أصبح فيه كل شيء ممكنًا. هذا، بالإضافة إلى قيام عدد قليل من الأشخاص بالمبادرة الأولى لبناء الحواجز، والصراخ في وجه الشرطة، وتهيئة الناس للاشتباك مع عناصر الشرطة، كلّها عناصر حدّدت حدّة المواجهة. توجّه البعض منا إلى الشوارع للحصول على سلاسل معدنية لإقفال الأبواب وإعاقة الشرطة. وخلال المواجهة الأولية، تجمّع حشد كبير في الخارج، ونجحوا في نهاية المطاف بمحاصرة الشرطة بين المبنى والحشد. فحاولت الشرطة اعتقال بعض ممن هم خارج المبنى، لكن الكثير من عمليات تحرير المعتقلين نجحت. وأدى الخلط بين الاشتباكات الداخلية وتلك الخارجية مع الشرطة إلى تشكيل الضغط اللازم على عناصرها فتفرّقوا.

أردنا أيضًا أن نشير إلى أنه في المواجهة الأولى، كانت قوات الشرطة المحلية تمتلك معدات عسكرية لكنها لم تكن تعرف كيفية استخدامها. وعلى الرغم من أننا كنا أقل تسليحًا، كنا نملك الأفضلية التكتيكية.

"أحد الأشياء الملفتة في هذا الأمر هو رؤية أشخاص لم يتورطوا مطلقًا في أي شيء مماثل من قبل يضطرون إلى التدخّل عندما يرون الظلم يحدث أمامهم."

الإعلام والتواصل

- بينما يمكن وصف الاعتصام  بأنه حدث محلّي في "كلية صغيرة في كاليفورنيا"، شكّل أيضاً ردًّا على حدث آخر على بعد أكثر من 10 آلاف كيلومتر: الإبادة الجماعية المستمرة في فلسطين. وعلى الرغم من كونها أخبارًا محلية للغاية (أخبارًا على مستوى الحرم الجامعي)، يمكن القول إن صداها تردّد في جميع أنحاء العالم. كيف تأكدتم من أن الرسالة التي تم توصيلها من خلال العمل المباشر كانت واضحة وشفافة؟ كيف تعامل الطلاب مع وسائل الإعلام والجمهور ككلّ؟

كان الفعل المباشر هو الرسالة التي يجب إيصالها. والرسالة تتلخص في أن الرد على الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني هو في محاربة النظام القائم وبناء عالم جديد ينبت من هذه التصدّعات. الرسالة هي التصعيد، ورفض السماح للحياة الطبيعية أن تستمر عندما تموّل الولايات المتحدة الحرب باسمنا.

كان هناك بعض الصحافيين المحليين الرئيسيين المتعاطفين، ووسائل الإعلام اليسارية. وكانت هناك استراتيجيات للتنظيم الإعلامي بشكل مستقل، وكانت مهمة في نشر المعلومات مثل البيانات والمقابلات والصور. ويستطيع أي شخص التحدث إلى الصحافة إذا رغب في ذلك. وقد شكّل الناس فرقًا مخصصة للإدلاء بتصريحات معينة في بعض الأحيان، لكن كل ذلك تم بشكل مستقل ولم تتحدث أي مجموعة باسم الاعتصام ككل. 

- رسالة أخيرة؟

إلى إخواننا وأخواتنا في فلسطين، لا يمكن فصل نضالاتنا مهما حاول النظام ذلك. لن نتوقف حتى يصبح كل واحد منّا حرًا، ونأمل أن يرى بعضنا بعضًا وجهًا لوجه، يومًا ما.

إن انتهاء عملية احتلال الحرم الجامعي لا يعني أننا توقّفنا عن التفكير، وأننا لا نحشد، العمل مستمر… وهو لم ينته بعد.

نحن نعلم أن فلسطين هي أرض اختبار لأساليب وأدوات الإمبراطورية القاتلة. نحن نعلم أن أي شيء يستخدمونه وينجحون فيه في فلسطين، سوف يستخدمونه في أماكن أخرى، وسوف يدرّبون قوات الشرطة الأميركية على استخدامه محليًا. بما في ذلك تقنيات المراقبة والأسلحة وتكتيكات حرب الشوارع. لذا فإن النضال من أجل تحرير فلسطين متشابك بشكل تام مع مستقبلنا.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل أنقر هنا
Patreon support button