Those of us who have made something of our lives will always look at those who haven't as nothing but clowns

بينما كنت أشاهد فيلم "الجوكر" خلال أيام انتفاضة 17 تشرين، رنّت في أذني عبارة قالها بروس واين وشعرت بأنني سمعتها مراراً، هنا أيضاً، في بيروت.

أعادتني سردية فيلم الجوكر، وبالأخص كلام بروس واين، إلى ما كان يحيط بنا في التسعينات حين شاعت دعاية "إعادة الإعمار"، ودرجتْ عبادة نموذج النجاح الفرداني الحريري. آنذاك، وحين بدا واضحا أن تحقيق هذا النوع من "النجاح" شيءٌ مستحيل، صار من المفروض علينا أن نعيشه بالإنابة.

قرأت مؤخرا كتاب جوزيف سماحة "قضاء، لا قدر". ولفتني في آخر الكتاب اقتباس لمدير تلفزيون المستقبل يفسر فيه طريقة اختيار البرامج، مستنداً في شرحه إلى مقتطفات من حديث أدلى به علي جابر لإحدى المجلات في ١٩٩٤. ذكّرني كلامه بعقلية عمدة مدينة مدينة غوثام. يكتب سماحة: "تلفزيون المستقبل، حسب جابر، هو الوحيد حامل النظرة الإيجابية عن البلد؛ وأحد برامجه يفترض أنّ من يرجع من سهر أو عمل قد يرتاح إلى الأسئلة التافهة. التلفزيون هو الشكل. هو الديكور، الإضاءة، والحركة. الأفكار العميقة مكانها الصحف والمجلات. التلفزيون مادة سطحية… وهو، إذا شئت، للفقراء، أولاً، المرتاح اقتصادياً، الغني يمكنه شراء المجلات…".

إذاً، هكذا كان توجّه الحريرية الإعلامية للفقراء في زمن اقتحمت صورة نموذجها، الدعائية، وَعينا الجمعي وفرضت سردية "البلد ماشي".

وفي الأيام التي تلت ١٧ تشرين، سُمعت كلمات أغنية "لبنان رح يرجع" تتردّد، فبعد وقت على انطلاق الانتفاضة، خرج علينا أحد هواة ركوب الأمواج ببدعة "الحريرية الوطنية". وبما أنني ولدت وترعرعت في بيروت منذ أكثر من ٣٧ عاماً، أريد ان أسأل الشباب الطيبة:

1 : إلى أين بالتحديد تريدون لبنان أن "يرجع"؟

2 : هل ما يسمى اليوم بـ"الحريرية الوطنية" هي مجرد محاولة تزوير للتاريخ، هدفها إخراج صورة "حريرية أسطورية" [بديلة] من رحم تلك التسعينات إياها؟

إلى أين يريدون أن يرجع لبنان؟

حين أعود بذاكرتي الى منتصف التسعينات وأنا في الثانية عشرة من عمري، أسترجع متابعة مباريات الدوري اللبناني و"ماتشات" النجمة والأنصار، ولعب الفوتبول مع شباب المنطقة و"قصقصة بوسترات" لعبد الفتاح شهاب وجمال طه. في ذلك الوقت، لم تكن تشكلت عندي بعد، نظرة أو رأي أحكم بهما على ما يدور في محيطي. ومع تركي المبكّر للمدرسة، اكتشفت أن المجتمع من حولي لديه تصنيف خاص للناس أمثالي. في تلك الفترة، نبتت في داخلي بذور الحقد الطبقي، على الرغم من أنني لم أكن أعلم بوجود تراتبية طبقية. لكني كنت أعي أننا في "لعبة الدولار" نقع في أسفل الهرم.

وفي منتصف التسعينات بدأت أحس بمرارة التعالي الطبقي وكيف يحقَّر من هم اجتماعياً أدنى مرتبة. وتدريجًا، بدأت ألاحظ أن الكره الذي كنّا نبديه للعمال السوريين والآسيويين... يعكس الازدراء الذي يكنّه أفراد الطبقات العليا في المجتمع لنا، على طريقة بروس واين. وبعد ترك المدرسة، اكتشفت أن مجتمعنا يكره الفقراء أكثر من الفقر. أنت تكتسب الاحترام فقط حين تصير ذلك "البزنس مان" أو المقاول الناجح. أما إذا كنت فقيراً فعليك بٱحتقار نفسك حتى تصير ذلك الـ "ناجح"؛ وحتى ذلك الحين، إلك الله وبرامج علي جابر على تلفزيون المستقبل.

فادي ما سقط؟ إذاً لماذا لم يذهب الى المدرسة الرسمية مثلنا؟ سؤال وجهته لأبي في مطلع التسعينات. كانت سنوات قاسية حين انهالت عليه الصدمات تباعًا، حتى تلقى الضربة القاضية يوم قفز الدولار إلى ٣٠٠٠ ليرة، فخسر كل رأسماله التجاري. توالت التسعينات ازدهاراً واستقراراً في "إعادة الإعمار" وخسر أبوه (جدي) العقار الذي كان يملكه في ساحة البرج لصالح شركة سوليدير، فمات حسرة.

هكذا دخل حياتنا السوبرمان الحريري الذي تسببت شركته العقارية بخسارتنا تركة جدي. لكنني صرت ألاحظ ذلك الأمر الغريب: على رغم ذلك الكم من "اللطش"، ازدادت شعبية الحريري أكثر وأكثر. الكل صار ينتخب "الليستة زَيْ ما هي". صور رفيق توسّطت صور أفراد العائلات في الصالونات. الكل ارتاح: "أخيرًا صار لنا زعيم، زنغيل، دكر، أب، وظف الشباب بالقصر، إنه أبو الفقير! نضيف، ما شارك بالحرب."

في صف الثالث متوسط عام ١٩٩٧، كانت سنة مفصلية في حياتي حيث تدهور الوضع الاجتماعي - الاقتصادي الى قعر جديد، فكان عليّ آخذ المبادرة وأبتكر آلية تكيّف ضرورية للاستمرار في العيش. حدثت الذروة خلال دوام بعد الظهر في مدرسة "رمل الظريف للصبيان"، عندما دخل أستاذ الإنجليزية إلى صف يهوج ويموج بينما نلقي عليه تحية دخوله الحصة: "غوود افتر نووووون تيتشر!"  وربما كانت التحية ملغومة بالكثير من الحماسة وبعض "الم*يكة". توقف الأستاذ .. رمى أغراضه أرضا .. ووجه نظرة حاقدة مرّرها بسرعة على وجوه خمسين تلميذًا يقفون له خلف مقاعدهم.

أخيرا، وقعت عينه واستقرت عليّ وعلى سمير، زميلي في المقعد. ثم انتفض جسمه وأشار بيده إلينا صارخا: "إنتو الاتنين تعو لعندي بسرعة!". عرفت في لحظتها أننا "أكلنا خرا". وحين سبقني سمير إليه جفلت من منظر انقضاض الأستاذ عليه وضربه بشكل متوحش مخيف. سمير يصرخ ويبكي: خلص يا استاذ والله ما بقا عيدها... هنا قلت لنفسي "لا وألف لا!" وثَبْت كقط مذعور إلى باب الصف فتحته وهربت من المدرسة.

لم يكن هجوم الأستاذ الموتور الدافع الوحيد للٱنشقاق عن نظام التعليب التعليمي. قرار ترك المدرسة كان ضرورة لمواجهة الظروف التي وصلت إليها عائلتي في تلك السنة. صار يجب النزول لسوق العمل لمساندة أبي في مصروف البيت؛ خصوصًا أن إخوتي يكبرون ويزداد مصروفهم، وهو لا يستطيع تلبية احتياجاتهم، وأنا كبيرهم و"لازم افهم الوضع". في نفس الوقت، وفي تلك المرحلة، طغت في بيتنا برامج تلفزيون المستقبل التي تفنّنت في حلب نوستالجيا بيروتية معينة وحوَّلتها، كما عبر جابر، إلى أداة تسْطيل وتمرير للوقت توِّجت بدعاية "البلد ماشي". ومثل التنويم المغناطيسي، صار الكل يردد: "ولا يهمك"! "البلد ماشي" .. لكن الكهرباء بقيت مقطوعة.

هناك فقرة (ص. ٨) في "قضاء، لا قدر" لعلّها تصلح للتعريف ببدعة "الحريرية الوطنية" وإزالة الغموض عنها، وكشهادة على تاريخ ٱنطبع في وعينا ضد كل المحاولات الراهنة لأسطرته وتزييفه. وتصلح أيضاً كتذكير لمن يصرّ على أن "لبنان رح يرجع".

يقول سماحة: "يمثل رفيق الحريري نموذجًا عن "العائدين". كان يطل على البلد في أيام الحروب الأهلية التي عاشها. ثم بدأت زيارته تأخذ طابعا سياسيًا. ثم وضع إصبعا في إعادة إعمار أسواق متهدمة. ثم استقر بعد أن أدرك أن لبنان مثير للشهية، وأنَّ التصدق عليه وعلى بعض أبنائه، كفيل ببناء صورة إيجابية تغطي على كل ما عداها. لم يكن يملك سوى غربته وثروته. الأولى طويلة بعض الشي، والثانية طائلة. الأولى رمز إلى عفة من لم يشارك، مباشرة، في القتال، والثانية رمز إلى القيمة الجديدة التي آن لها أن تعود إلى الصدارة، مستفيداً من عوامل كثيرة، بينها أنها كانت قبل ١٩٧٥ إحدى القيم المؤكدة لـ "المعجزة اللبنانية"."