إلى المنشقّين:

لقد فُتِحَت فجوة في الجدار

فمَن منّا سيزرع أوّل بذرة في أرض الجحيم؟


في لحظة "التخلّي"، عندما تُغلَق في وجهك  جميع الأبواب وتفقد آخر أمل بمستقبل ما، تعبّر عن يأسك هذا بعبارات على شاكلة "انشالله بتقوم القيامة ومنخلَص من هالدني". لا ألومك. فمن منّا لا يزال قادراً على تخيّل حلّ أو علاج لعالمنا هذا. ومن منّا لا يزال يقوى على الفعل بعد ما فعلوه وفعلناه بأنفسنا؟ أضف إلى ذلك أننا غالباً ما ننسى أن يوم "القيامة" هو أيضاً يوم "حساب". هو الجحيم والنار. فهل نحن فعلاً نريد للقيامة أن تقوم؟ 

في أفلام هوليوود الأبوكاليبيتية، تُفتَح أبواب الجحيم عندما تحلّ الكارثة كالضيف الثقيل على مدينة أو بلد أو على البشرية جمعاء، فيسقط الروتين ضحيّة أولى لكونه الأكثر هشاشة، بعد أن عكّرت "الكارثة" صفو الحياة وعرقلت عجلة الإقتصاد. في هذه اللحظات الاستثنائية، تفتح الكارثة فجوةً تبقى مفتوحة وقتًا معيّنًا يحتل الجزء الأكبر من الفيلم. وتتطلّب هذه الفجوة في جدار الواقع تعاملاً مختلفاُ من قِبَلِنا. فنلاحظ أن شخصيات الفيلم، بعد لحظات على بداية الكارثة، تستعيد ذواتها الأصيلة وتعيد اكتشافها، فتستعيد الاتّصال بجذورها أو بشريكها أو أفراد عائلتها. وهكذا، تتحول من أفراد وموظفين منعزلين يائسين ضجِرين إلى مبادرين أصحاب نخوة يتعاونون في ما بينهم لمواجهة تحديات أبوكاليبس "لا عالبال ولا عالخاطر". ويواجهون في مشاهد ملحميّة كوارث ومخاطر لم يتدرّبوا على مواجهتها في حصص "التربية الوطنية" أو في ووركشوب الـ "Leadership & Management". فيتحوّل المتسوّل المنبوذ الشريد والمتبطّل، في مشهد بطولي، إلى فخر قومي، بعد أن يُنقذ، في اللحظة الأخيرة، طفلة كاد عمود الكهرباء أن يسحقها في خضم الكارثة.

وسرعان ما نصل إلى نهاية الفيلم السعيدة وتُدمَل الفجوة مع انحسار الكارثة. وتبدأ الجرافات والمؤسسات المعنيّة بإزالة العوائق المادية والمعنوية، وتعود الناس أدراجها، تمضي في أشغالها "رغم الجراح" و قليل من الـ PTSD  لأن "الحياة بدا تستمر". وتعيد الجموع بناء العالم القديم كما كان قبل الكارثة، مع إجراء بعض التعديلات التجميلية الطفيفة. أما النُظُم والرّوتين والتّقاليد فتبقى على ما كانت عليه قبل الكارثة. وعلى رغم أن تلك الشخصيات كانت تلعنها صبحاً ومساء، تجد نفسها تحتفي بها مجدداً وتسير نحوها بملء إرادتها. وفي المناسبة، كذلك نفعل نحن، فتكون النتيجة ذهابنا جميعاً (شخصيات متخيّلة وواقعية) طوعاً نحو رجعيّة أعمق بدل العمل على تغيير جذري لبناء عالم جديد. 

وهذا ما حصل بالفعل مؤخراً في الفيلم الأبوكاليبتي "بيروت والقنبلة". وتدور أحداثه في مدينة مطلّة على بحيرة المتوسط، أنعم عليها الله بمرفأ وتجّار. إلا أن القدر باغتها فجأة وانفجرت. انفجرت بكل ما للكلمة من معنى. ففتح الإنفجار فجوة في حاضر المدينة التي يقرّر أهلها أن يتحولوا إلى أبطال. فيتخلّى شبابها عن وظائفهم المعتادة وعن كتبهم الجامعية وعن روتينهم المَرَضي، ليحملوا المكانس والرفوش ويزيلوا الركام. لماذا؟ ربما لأنهم "أوادم". ربما لأنه الفعل البديهي في هذه الحالة. ربما لأنه أقصى ما يمكنهم فعله وأقساه... حسناً، فلنبحث عن الدولة في غيابها. فلنبحث أيضاً عن غيابك في ظل ّ وجود دولة. فكل مرة كانت تغيب فيها فكرة الدولة، ولو مؤقتاً، كنت تشعر بأنك بطل وأنك مخلّص وأنك لبّيت نداء الواجب… ومتى عادت الدولة بعد الكارثة، تعود أنت إلى حياتك المملة. نعود معاً إلى الحياة "الطبيعية": طبيعية لأن كل واحد منا يعرف "حجمه" ويتصرف على هذا الأساس… على رغم أن حجمنا تضخّم طوال أمد الفجوة وأنجزنا الكثير.

"الحياة" ستعود إلى "طبيعتها". ومن الآن فصاعداً، كل حزن سيعود حزناً عادياً، وكل دمٍ دماً عادياً وكل دمعة وكل فراق وكل وجبة وكل قهوة وكل موت… عادياً. وسيقولون لك إن ما تمرّ به أمر عادي: "هذا هو الواقع يا عزيزي" او "الدنيا هيك". وبعد كل كارثة، سيأتي يوم عادي مع شمس عادية وبعدها قمر عادي. أليس هكذا تنتهي الأفلام؟ أليس هكذا علّمتنا الأفلام أن لا شيء سيتغيّر حتى لو قامت القيامة. 

أسأل هنا وهناك: من يصنع أحداثاً أبوكاليبيتية (أكان في هوليوود أم في مدينتنا) تنتهي بأن لا تغيير فعلياً في عالمنا؟ من أوصلنا إلى هذه الأزمنة؟ من يصنع هذه الأفلام؟ ومن يكتب هذه النهايات؟ يجيب أحدهم ونردد جميعاً خلفه: "وصلنا إلى مرحلة أصبح سهلاً جداً تخيّل نهاية العالم ونعجز عن تخيّل نهاية الرأسمالية." إذاً، المسألة مسألة خيال. حسناً. إننا نعاني من محدودية الخيال. أوافق، فقد أصبحنا نكرر السيناريوهات نفسها، والحلول نفسها للمشاكل نفسها. ونجترّ المعلومات نفسها ونتّخذ المواقف نفسها. ونشاهد الأفلام نفسها ونستمع إلى الأغاني والنغمات نفسها.

… لا خيال، طبعاً، فكيف لنا أن نعرف ماذا نفعل في فجوة فُتحت فجأة أمامنا وأوقفت عقارب الساعة؟

الجواب بسيط، اعبر الفجوة وادخل إلى الجحيم وازرع فيه بذرة. ففي كل نظام تناقضات تشقّ الطريق نحو سقوطه، والفجوة التي أحدثها هذا النظام في حاضرنا هي بوابة العبور. هكذا نستعيد الخيال الذي فقدناه بعد أن تمّ تدجيننا بواسطة العلاج بالصدمات، صدمة تلو الأخرى، إنفجار تلو الآخر، أبوكاليبس تلو الآخر، كي نخاف أن نتخيّل عالماً أفضل (او مختلف وحسب)... ونعبر نحوه. كن واحداً من المنشقين عن قوى الأمر الواقع، تخيّل عالماً أفضل، والباقي تفاصيل. هكذا فقط تقوم قيامتنا.


***

"لطالما عشنا في أحياء فقيرة وثقوب في الجدار. وسوف نعرف كيف نتكيّف ونتأقلم لفترة من الزمن. فلا تنسوا أننا نستطيع أيضًا أن نبني. نحن الذين بنينا تلك القصور والمدن، هنا في إسبانيا وأميركا وفي كل مكان. نحن العمّال. ونستطيع أن نبني غيرها لتحل محلها. وتكون أفضل من سابقاتها. نحن لا نهاب الخراب والدمار أبدًا. ولسوف نرث الأرض؛ بلا أدنى شك. تستطيع البورجوازية أن تدمّر عالمها وتخرّبه قبل أن تغادر مسرح التاريخ. إننا نحمل عالمًا جديدًا هنا، في قلوبنا. وهذا العالم بدأ يكبر في هذه الدقيقة."  (بوينافنتورا دوروتي، 1936، عامل من عمّال هذه الأرض)


كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: