ماذا يعني غياب التنوير (Unenlightenment)؟ يعني أن لا تمتلك شجاعة طرح الأسئلة، شجاعة أن تعبّر عن رغباتك، شجاعة أن تشكّك بما يحصل من حولك. غياب التنوير يعني أيضاً قبول السائد والالتزام بما يمليه عليك من يمتلك القوة، لأنك لا تملك الشجاعة لتنمية فرديّتك في هذا العالم. كلما انحسرت الـ "لا" كلما زاد اغترابنا في بيروقراطيات بليدة وأنظمة ممكننة وثقافة استهلاكية سائدة. في غياب التنوير، يتحول الإنسان إلى شيء، تخيّل أنك منفضة. شيء جاهز للتسليع والتبادل في سوق العمل إلى أن تنتفي الحاجة إليه أو تنتهي صلاحيته. غياب التنوير، أخيراً، هو أن تفشل الطبقة العاملة ومنظّروها، وأن تنتصر الفاشية والرأسمالية في آن معاً. 

نستضيف في حوارنا هذا مدير مدرسة فرانكفورت الرسمية للنظرية النقدية (معهد الأبحاث الاجتماعية في فرانكفورت - Institut fur Sozialforschung) الاستاذ ماكس هوركهايمر ليحدثنا عن التنوير وغيابه، عن رفض الرضوخ والخضوع في مقابل التطبيع والاستسلام، علّه يساعدنا على فهم ونقد الواقع "النورمال" الذي نعيشه في هذه الأيام الصعبة، ويقترح علينا كيفية دفع التوتر الاجتماعي إلى مستواه الأقصى وبدء الاشتباك.

أستاذ هوركهايمر، تحياتي. لستَ "الفرانكفورتري" المفضّل لدي، ولكني استضيفك اليوم أولًا لأنك كنت المسؤول عن جمع عقول لامعة في مكان واحد في فرانكفورت، وثانيًا لكي نتحدث عن "جدلية التنوير" وهو عنوان الكتاب الذي ألفته مع صديقك تيودور أدورنو عام 1944. أخبرنا بدايةً، ما قصة مدرسة فرانكفورت و"النظرية النقدية" التي وضعتم أسسها؟

أهلا حبيبي، يؤسفني أنني لست "فرانكفورترك" المفضّل، لكني أتفهم الأسباب، أنت من جماعة "رحلة" و"اتحاد المنشقين عن قوى الأمر الواقع"، تنتمون إلى معشر الـ"كاونتر كالتشر" وتتحمسون لأفكار فروم وماركوزه. على كل حال، كل العالم فيها خير وبركة. أما بخصوص مدرسة فرانكفورت أو معهد الأبحاث الاجتماعية، كان كارل غروينبرغ  أول مدير للمعهد بعد تأسيسه عام  1923 أي إبان حكم جمهورية فايمار وقبيل صعود النازية، وكان غروينبرغ ذو خلفية ماركسية بالمعنى العلمي وليس كتوجه سياسي. كان المعهد يميل في تلك الفترة إلى الإقتصاد. ولكن بعد تعييني مديرًا للمعهد في 1930 كان الموضوع المحوري بالنسبة لي هو السؤال التالي: "ما الصلة التي يمكن عقدها، داخل مجموعة اجتماعية محددة، في فترة زمنية محددة، في بلدان محددة، بين الدور الإقتصادي لهذه المجموعة والتغيرات في البنية النفسية لأعضائها الأفراد، والأفكار والمؤسسات التي هي نتاج ذلك المجتمع؟" حاولتُ مع باقي الزملاء أن أجد براهين على وجود تأثير متبادل بين البنيتين الإقتصادية والنفسية للمجتمع والفرد. 

وبالمناسبة، لا يمكنك أن تتعامل مع مدرسة فرانكفورت كأنها جسم واحد متّحد. فلطالما اختلفنا في ما بيننا، وتتالت الحقبات والأجيال التي تبنّت النظرية النقدية كمنهج لدراسة الإنسان والمجتمع والتاريخ. ولكن، أستطيع أن أقول إن فترة إدارتي للمعهد، كانت حقبة السوبرستارز، أمثال أحبائي أدورنو وماركوزه وفروم ورايخ.

طيب تأسست المدرسة إبان حكم جمهورية فايمار الضعيفة وقبل صعود النازية. كيف أثرت هذه الأحداث على تطوّر نظريّتكم وأولوياتكم؟ وكيف جمعتم بين النظرية والممارسة؟

أعتقد أن قيمة النظرية تتوقف على اتصالها بالممارسة. كما أن قيمة نظرية ما تقررها صلتها بالمهام التي تأخذها على عاتقها، في لحظة بعينها في التاريخ، القوى الإجتماعية الأكثر تقدمية. ونحن، في مدرسة فرانكفورت، أخذنا على عاتقنا مهمة فهم مسببات استعباد الإنسان، وإيجاد السبل التي من شأنها أن تحرر الإنسان من العبودية. في مانيفستو المدرسة الذي كتبته عام 1937 قلتُ: "غاية النظرية النقدية للمجتمع هي إلغاء المجتمع الطبقي." بمعنى آخر، هدفنا هو تحرير الإنسان من ظروف استعباده. وأعتقد أن ذلك يتناقض مع النظريات التقليدية في علم الإجتماع والإقتصاد التي تتعامل مع البشر كأرقام ومؤشرات يجب تحويلها إلى أرقام أفضل وأكثر فعالية وأقل كلفة وعطبًا. ومن شأن ذلك عكس مسيرة التنوير ووضع المزيد من القيود والأغلال.

طيب وهل تزال هذه النظرية النقدية ضرورة لفهم العالم؟ وهل هي قادرة فعلًا على تحرير الإنسان؟

نعتبر في مدرسة فرانكفورت أن المهمة الأكاديمية - النظرية لا تزال ضرورية وهي تتمثل بتنبؤ المستقبل. نعم تنبؤ المستقبل ممكن، ولكن غالبًا ما نتنبأ في فرانكفورت مستقبلًا سوداويًا. فتنبأنا بتحول الرأسمالية إلى بربرية، ولكننا فشلنا أيضًا في إحداث تغيير ثوري اعتبرناه نتيجة ضرورية، منطقية، للتناقضات الاقتصادية.  فعلى سبيل المثال، قامت في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى جمهورية فايمار، فأخذت "القوى الاجتماعية الأكثر تقدمية" على عاتقها مهمة سحق الرأسمالية (وما ترتب عنها من بؤس وبطالة ومشاكل إجتماعية). لكن محاولات هذه القوى التقدمية لسحق الرأسمالية باءت بالفشل… فاستولت الفاشية على السلطة. وبدل التقدم، خطونا مئة خطوة إلى الوراء. وغالبًا ما نكرر عبارة المرحوم والتر بنجامين: "وراء كل فاشية، ثورة فشلت". وفي عالمنا هذا أيضًا، لا اعتقد أن هناك أدوات أفضل من النظرية النقدية لدراسة وفهم الظواهر والعلاقات الاجتماعية والتقنية الجديدة. فالنظرية النقدية قادرة على التعامل مع قضايا مستقبلية كالذكاء الاصطناعي والواقع الإفتراضي ومجتمع الفريلانس وغيرها من المتغيرات الجذرية في مجتمعاتنا. 

تحدثتَ عن ارتباط النظرية بالممارسة في مدرسة فرانكفورت. ونحن نعلم كيف انخرطتم بقوة في أحداث مفصلية مثل حركة الثقافة المضادة في الولايات المتحدة وفرنسا في ستينيات القرن الماضي، وهي حركات رفضت العودة إلى "النورمال". أعلم أنك اتخذت موقفًا أقل جذرية مقارنةً بزملائك، ولكن هل تفسر لنا ما الذي كنتم تحاولون فعله؟

قلتُ لك إنك تفضل ماركوزه لأنه "ثورجي" أكثر مني. طيب، الحلقة المحورية في ارتباط النظرية - الممارسة هي ضرورة تحديد القوى المتعارضة داخل المجتمع بوضوح ورفعها الى مستوى الوعي بالذات. من شأن هذه الخطوة أن تدفع التوتر الاجتماعي إلى مستواه الأقصى بوصفه نضالًا طبقيًا ثوريًا، يسمح بإطاحة المجتمع البورجوازي. والوظيفة الأساسية لـ "النظرية النقدية للمجتمع" هي التنوير الأيديولوجي للقوى الإجتماعية التي قُدّر لها أن تقوم بهذا العمل التاريخي الحاسم.  يعني مثلًا، عليك أن تبدأ بالتحريض من خلال دراسات أو منشورات أو مجلات مثل مجلة "رحلة"، لكي تزيد من وعي الفرد بذاته وبموقعه في الصراع، ثم تزيد من حدّة التوتر والتحريض في المجتمع حتى يبدأ الاشتباك. والنظرية هنا لا تُعَلِم هذه القوى الاجتماعية فحسب بل أيضاً تتعلم من نضالاتها. وكمثال على هذه الفكرة، نستذكر شعار رفعه الشباب المنتفضون في مايو 1968 في باريس فكتبوا: "في مجتمع ألغيت فيه كل أشكال المغامرة ، تبقى المغامرة الوحيدة إلغاء ذلك المجتمع".

يا لطيف، إلغاء المجتمع، هذا حلمي مذ كنتُ في المدرسة الابتدائية. طيب، لاحظت أنك غالبًا ما تستخدم مصطلحات كالبورجوازية والديموقراطية الليبرالية والفاشية والرأسمالية في جملة واحدة.هل يمكن أن تشرح لنا السبب؟

الفاشية لا تتعارض مع المجتمع البورجوازي، إذ ينشأ التحالف بين المنظمات البورجوازية والفاشية عن الخوف من البروليتاريا. 

تقول إذًا إن البورجوازية والفاشية توحدتا خوفًا من ثورة البروليتاريا، ولكن صديقك فيلهلم رايخ سأل سؤالًا ضروريًا: "ما الذي حدث فجعل الجماهير تعجز عن أو تفقد الرغبة في إدراك هذه الوظيفة الثورية للاشتراكية الديمقراطية؟" كيف حاولتم في مدرسة فرانكفورت الإجابة عن هذا السؤال وفهم أسباب عدم انضمام غالبية الطبقة العاملة إلى الثورة الديمقراطية الإشتراكية؟ بل على العكس، رضخت الجماهير للفاشية النازية أو الديكتاتورية السوفييتية وغرقت في حبّ الاستهلاك الأعمى والزعيم الديكتاتور.

صحيح معك حق، ولذلك الإصرار من قِبلنا على اشتراكية ديموقراطية وليس اشتراكية "حاف" ينتج عنها ديكتاتورية ستالينية تتشابه مع الإمبريالية الأميركية باستعبادها الإنسان. ففي مقابل خوف البورجوازية، نجد أيضًا وعودًا ورغبات مكبوتة في الطبقة العاملة أينما حلّت. لاحظ معي مثلًا كيف استطاعت النازية كسب أصوات العمال في ألمانيا. في تلك الفترة ظهرت طبقة عمال الياقة البيضاء white collar. وما كانت هذه الوظائف التي تتبع تنظيمًا هرميًا سوى وسيلة لإشباع رغبات العمال وطموحاتهم السلطوية بلعب دور "سيّد صغير". هذا ما يحصل حاليًا في الولايات المتحدة أيضًا. فاز ترامب مستخدمًا خطابًا هو مزيج من الفاشية والعنصرية من جهة، وعداء شكلي للشركات الكبرى والاحتكارات (Big Business) من جهة أخرى. فهبّت الطبقة الوسطى لدعم ترامب في حين أن معظم قراراته صبّ في مصلحة الشركات الكبرى. هكذا أيضًا استطاع هتلر أن يفوز بأصوات الطبقة الوسطى الألمانية، مازجًا النَفَس القومي مع العداء للشركات الكبرى التي أصبحت بطبيعة الحال شريكة الفاشية بعد فوز هتلر بالانتخابات. وهنا أوجه تحية لصديقي المجنون ويلهلم رايخ الذي كتب بإسهاب عن هذا الموضوع. 

يمكن وصف التاريخ البشري بأنه يسير في دائرة تعود بنا غالبًا إلى "النورمال" مع بعض حالات التمرد هنا وهناك. ويعيد النظام الحاكم أو الثقافة السائدة السيطرة على الأفكار الصِدامية فيقوم بتدجينها وتسليعها في السوق. كيف تتم هذه "العودة إلى النورمال" في كل مرة تتسنى لنا فرصة لتحرير الإنسان؟

حاولنا، أدورنو وأنا، في كتاب "ديالكتيك التنوير" أن نسلّط الضوء على تناقضات التنوير التي نرى فيها مصدر الإخضاع والقهر الاجتماعي وأساسهما. وهذه التناقضات هي التي أدت إلى تشاؤم النظرية النقدية من إمكانية التحرر النهائي للإنسان. حاولنا، قدر المستطاع، تقديم تحليل علمي واضح لتركيبة المجتمع وشخصية الفرد والقوى التي تؤثر عليه سلبًا وايجابًا. إلا أننا رأينا العالم يسبقنا نحو الأسوأ، نحو الديستوبيا وعبادة النوستالجيا. فلم نستطع أن ننافس قطار الإستهلاك والتسويق والترفيه والفاست فود أي الـ culture industry، ولم تستطع الحركات المناهضة للرأسمالية تحقيق انتصار حاسم. وكلما حاولنا تقديم نموذج من شأنه تحرير المجتمع، قامت الثقافة البورجوازية بامتصاص الصدمة وتحويلها إلى سلعة، من تيشرت غيفارا إلى موسيقى البانك وحتى الإنترنت الذي كاد أن يكون سفينة نجاة للإنسان. أملنا، يا رحّالة، أن تكملوا المسيرة، مسيرة الرّفض والتجريب والاندرغراوند، عاشت مبادرتكم يا حلوين. لا تنسوا، لا عودة إلى النورمال، لا عودة إلى الفاشية، بإذن الله.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: