عبثيٌّ أكثرَ من الحنانِ.

هكذا أعذّبُ من أحِبّهم ويحبونني لكي أعذِّبَ هذا الحنانَ، أعذّبهُ بأن أشْعِرَهُ بنفسِه.

عبثيٌّ أكثرَ من الأمومَه.

البارحةَ استيقَظْتُ بشريّاً أكثرَ من اللازِمِ وسمّيتُ الأمورَ بمُسَمّياتها، البارحة استيقَظْنا - كُلّ من في البيتِ - وأكلْنا على الإفطارِ أمّي.

عبثيٌّ أكثرَ من الأبوَّه.

وبشكل عارِمٍ تركت والدي والشيخوخَةُ قارِضٌ لوطيّ ضخم يركَبُهُ، مما يجعلُ تقوّسَ ظهْرِهِ شديداً كلما سارَ في العمر.  

لا حلّ عندي، دخلتُ كهفاً لكي أتمدّد، وها هو ما تنزّل منّي؛

أكتبُ لأنّ أمّي لا تكفيني أمومَتُها، ولم تكنِ البطالَةُ - أنا الرّذيلةُ - أمّي بشكلٍ جيّد، وأكتبُ لأتخلص من بُنوّتي إذ أن والدي ليس نِدّا، ورجاءً ليس لأوديب علاقةٌ بهذا الشّأنِ العائليّ أبدا. 

وأكتُبُ ما لم يُكتَب: الكلِمَةَ التّاليةَ، ما قبلَ الشروقِ بلحظاتِ، تلَعْثُمَ حَبّةِ ليمونٍ عندَ أوّلِ حِزّ يُنْتَزَعُ من أحشائها الذّهبيّةِ، هالَةَ القمَرِ قبلَ طلوعِهِ، الرّمادَ الذي يسبقُ المغيبَ، صوتَ خطواتِ شخصٍ يرحَلُ إلى الأبَدِ عني وربّما وقْعَ المطَرِ المؤسِفِ، سذاجَةَ المرْأةِ القاهرة، وكتابَةَ (لا) بخطّ فوسفوريّ أدُقّها على جبيني وأسير في شوارِعِكُمْ، شوارِعِ الـ (نعمِ) الفسيحة المزروعةِ دفلى. 

كتابةُ ما لم يُكتَبْ: ما زالَ صمت. 

أضعُ فماً صغيراً للموسيقى وأنتظِرُ بلهْفَةٍ ما يراهُ الأصمُّ وما يسْمَعُهُ الأعمى.  

أَنْضَرِبُ مَثَلاً وأسقُطُ في حاويةِ الفَم.

أحفِرُ لنفسي في السّياقِ مثل خِلْدٍ أعمى، يموتُ ما إنْ يخْرج من الأرضِ، وأتوصّل إلى عدد البَحرِ. أكْرَهُ الوصْفَ وأحبّ السّلبَ، وضاحِكاً أعرفُ أنّه من البردِ يموتُ برومثيوس.

هذا لُهاثيَ المُتَدَرّج الذي يسقُطُ على درجِ النّداءِ درجة درجةً، لهاثيَ الكَسيح، أحاولُ تدارُكَ أسنانيَ التي تهطِلُ على أرضيّةَ الألسِنَةِ لكن عبثاً، دمُ التّلعثُمِ والتأتأة غمرا فمي. 

بالبطءِ أتغلّب على الألم المُضافِ، الشاعرُ وحيوانُ البصّاقِ يشتركان في هذا، لكن الشاعر بصّاقة تمشي ببطنها على منشار. 

سوسُ البرد ينْخِرُ موَدّةَ الخشَبِ الأليفِ، ويتناكَحُ في كمشَةِ قمحٍ، مرفوضٌ فرحُ التفاحةِ المشوّهةِ بين أخواتها الكبيرات. كذلك أشعر بعطشٍ حجريّ يا الهي، لا يرويهِ غير السُمّ الآن. 

وقوفي أمامَ المرآةِ شتيمةٌ وإشْهارٌ، حاجباي دودتان، يستميتانِ من أجلِ لقاءٍ لقيطٍ في مواخيرِ وجهي، في الليل ذي الأزاميل الألف تمتعضُ أظافري، الظّفرُ يخرُجُ من اللحمِ ويُكملُ حياته اليابسةَ ظفراً خارجاً عن إصبع، يثيرُ الشّغبَ، كذلك أنا الرّجلُ الذي بلا أظافرَ كليّا. 

وبسبب العزلَةِ تنمو طحالب في صدري، وعلى أطرافِ أصابعي الجرداء ينمو قُرّاصٌ عدائيُّ الرّغبةِ. 

أنا الامتلاءُ دونَ فراغٍ، أنا هُلامُ العُزلةِ الملَكيّ.

أمشي أطولَ من قدمي بارّاً بعقوقي هاذراً دونَ أن أهتَمّ لكميّة النبؤات التي أبصِقُها دونَ علمي، كمسيحِ يحيي الموتى وليس يحيا أبداً. 

نصّي المغرِق في الذّهولِ وشارِخي إلى شذراتٍ وآياتٍ مسعورةٍ. شذراتٍ؟ إنني أسميها الآن عضّات ولدغات، كما يَلدَغُ عصفورٌ مبتدِئ أو نافذة كاشفةٌ عن عورتِها. حِكَمي مسمومةٌ وفيها من الحكمةِ مباغَتَتُها. 

هذا النّص الذي لا يقولُ شيئاً سوى أنّهُ كالأفعى ينْسَلِخُ من نفسِهِ بقَرَفٍ ويَنْسَلُّ مُتَوارياً في مُستَنْقَعِ القريحه.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: