هي المناسبةُ التي غيّبت "رينيه بندلي" من جعلتنا نلتقي لنتذكر! أو قل إن من طالبنا بكلمات عنه تحكي حضوره بمناسبة غياب "كبير العائلة" عن سبعةٍ وستين عاماً هو من اختار المناسبة. لقاء إذاً مع شقيقه "روجيه" على فنجان ساخن في المقهى والغائب بقي له واجهاتها الزجاجية والمدى المطل على مطر ينهمر فوق شوارع المدينة.  

كنا نلتقي كل واحد منا بالآخر وهذا مؤكد. لا أنكر رغبتي الدائمة بترتيب حديث مطول مع روجيه بندلي بهدف استكمال مشروع "أوراق العاملين على الخشبة" والتي أحاول من خلاله لملمة مسار العاملين في فنون العرض على أنواعها. المدينة باتت تعرف ب "عروس الثورة" وقد نفضت كل ما علق بها من صور مشوّشة. من غيرُ الفنانين وأشباههم يكملون الصورة ويجمّلونها؟ لا تفوتني الإشارة إلى أن اللقاءات مع "بشير الضيقة" هي الأكثر تواتراً ودائماً ما كانت مواضيعها تأخذنا إلى هموم المسرح بكل ما تنتجه وجهات الخشبة.

غير أن موضوع اللقاء الجلسة هذه المرة كان غياب "رينيه"، بكرِ ذكور عائلة البندلي من أبناء "إدوار بندلي" الذي يعترف له "روجيه" بكونه موجه العائلة، حين وجوده، وبإعتباره مُرَسِّخَ علاقاتها بالموسيقى عبر تأمين أساتذة، وحتى من خلال إرسال الأولاد الى مخيمات صيفية في "كولوني-فرنسا" أهم برامجها الترفيهية، تعلِّم الموسيقى جنباً إلى جنب مع أساتذة لتدريس الموسيقى باقي أيام السنة، بل ويذكر أنّه تعلّق بالموسيقى منذ نعومة أظفاره متأثراً بموسيقى "البوب" الغربي، وقد تطبّعت أغانيه بطابع هذا النمط، ولعلّ أغنية "دوّرها دوّر" تعدّ مثالاً على ذلك.

يطلق "روجيه" العنان للذاكرة فيخبرنا عن حفله الموسيقي الأول الذي رتبه ونظمه مع إخوته، العائلة بكاملها، كان مرتجَلاً، ورتّبه في ذلك الحين كمفاجأة بمناسبة عيد الأم حين أهداه مع الجميع للوالدة، حيث في حينها، استخدمت كل الوسائل الموسيقية المتاحة، ولم تكن كلها آلات موسيقية بل ممّا وجدوه من طناجر وعلب حليٍّ تنكيّة وملاعق الخ (..) ويضيف واضعاً ببساطة موقعه بين أبناء العائلة، فيثبت أن "رينيه"، والذي كان يهوى العزف على كافة الآلات الموسيقية، من مواليد 1952 ويكبره بسبع سنوات. وهذا أمر يعنيه إضافة لكونهما مواليد الشهر ما قبل الماضي نفسه في الرابع والخامس منه وإحتفلاً بعيد ميلاديهما الأخيرين معاً.

ولو أن الحديث عن مراحل "رينيه" وممارسته لكل أنواع الموسيقى التي أجادها وألف فيها أغنيات، لكانت الإستفاضة في ذكر البدايات - كعائلة - واجبة. غير أن البداية عند رينيه كانت بإنشاء فرق غربيةِ المنحى منها "نورتون ويند" و "واي نات". كان هذا في أواخر الستينيات.

أما النجاح المدوّي للجميع فكان إثر دخول إدوار بندلي في لجنة التحكيم لبرنامج "استديو الفن" لموسم سنة 73 حيث أطلت العائلة في حفل الختام وقدّمت عرضاً خلاله، وتوالت من بعدها العروض الاستعراضية والمسرحيات على أكثر من مسرح في العديد من البلدان العربية. وفيما يتعلق بما أنجزه "رينيه" بمفرده، فهناك محطتان أساسيتان: الأولى إنتاجاً للأغاني والعروض المسرحية من بداية إطلاق "ري مي" سنة 1983 وما تلاها من فيلم سينمائي واحد "أماني تحت قوس قزح" كان خلاله التعاون مع الشاعر الإعلامي لاحقاً "جورج يميّن " وما تلاها من مسرحيات بالتعاون ومن كتابة "بشير الضيقة" وهي على التوالي "ريمي والناطور" و "رزنامة جدي" و "عيد سعيد" وقُدمت كلها على مسارح عديدة، منها الرابطة الثقافية في طرابلس ابتداء من سنة 1985 إلى بدايات التسعينيات، حين أجبرته ظروف الحرب على طلب "لجوء إنساني" في كندا حيث أمضى قرابة عشر سنواتٍ ليعود إلى لبنان مهندساً للصوت وموزعاً موسيقياً في محطة تلفزيونية في بيروت، حيث لم يستطع الاستمرار، لتكون رحلة العودة إلى طرابلس ليستقر فيها ويؤسس استديو وشركة إنتاج للصوتيات لنشر نتاجه الخاص.

ولعل آخر مشاريعه التي أنجزت بعيداً عن التدريس الموسيقي ومتابعة طلابه موسيقياً، أو ضمن ما عمل عليه معهم في مسرحيات تربوية للأطفال والناشئة من سلسلة مسرحية لعروض توالت ضمن ثلاثة أجزاء، إلى ما يعتبره "بشير الضيقة" مشروعه الخرافي الأخير الذي قال له من بعده: "قلت كل اللي بدي قوله " وهو إنشاء أو تكوين رأس مال ل "بنك الأغاني" يضم أكثر من 350 أغنية بتسجيلٍ نهائي تعاون لإنجازها مع العديد من الأسماء، شعراء وموسيقيين وسجّلها بأصوات طلابه، تنتظر من يطلقها أو يؤمن لها سيرة علنية! مع الإشارة إلى ألبوم سبق وأطلقه بإنتاج خاص خلال حفل تكريمي لشقيقته "دورا" سنة 2015 بعنوان "يا ريتك حدي".

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: