في البدء كانت الخُرطة خريطة أعصاب الوهم في الرأس وفي النّهاية أتى الشكل محسومًا جذريًّا ومحسوسًا جذوريًّا على بدء تكوين النهاية من البداية.

منذ انتصاب العدم في المخّ كهيئة للحب والخصوبة، منذ مشروع توليد خريطة الحلم اللبيب وفذلكة اللبّ العقيم من اللبّان المحروق وطرش كابوس الدمّ باللّبن لتجميل صورة المشهد.

منذ الشّروع بحفترة اﻷجساد بالرايات والزخرفة بالبارود على الجلد.

منذ تعميم مشروعيّة عقر المخلوق ومن اللحم للعظم بسرّ هذا الإنوجاد اللئيم اﻷليم المليء باﻷنين على الموت الحنون والحنين للحياة في البيت دون الحرب على الباب والشبابيك. فاصلة مبرومة مخنوقة على حريق الدواليب ولبّيك يا لبنان، لبّيك يا إنسان على وقع قرقعة طبول اﻷمل المُغري في الدماغ المُحَرْحَرْ المُشَلْفَط المُنْجَلِط المجلوط بتقبّل أحرّ التهاني بالتّعازي، ورفض التّعازي بالتّهاني، ثمّ على القبول وبالإكراه بفنون التحمّل والتّصدي والتخطّي والصبر العظيم واستعراضات اﻵتي اﻷعظم، والبادي الأظلم، والناهي الأرحم.

وأمّا بعد فإنفجار رحم اﻷرض اﻷرعن: ها قد ولد ميتًا لنا من زمان ولكم على الدّوام لبنان العظيم فخذوه.

خُذوا كلوا جسد الفكرة النيّئة الموبوءة بالهلع، الجملة المترمّلة الطازجة المحمّلة بالكلمات المقتولات، الكلمات المزحولات من سفر تكوين الحلم اللبناني المتفاجئ بالسّقطة والسقوط في النقطة، ذبح على السطر ولا السطر اﻻتي هابب أو آت، ولا مخلّص مهمّش من الهامش هاجم.

خُذوا البعير الشارد وقجّته وتنعّموا، خذوا القشّة لقصم الظهر، لفقع البطن ولبجّ الجمجمة.

خُذوا لغة البداية.

خُذوا الورق والقلم وشحطة القلم.

خُذوا الحدود المشروطة وسياسة السماء المحروقة.

خُذوا صفوة القدر المكلّل من البداية برغوة النهاية.

خُذوا الموجود وغير الموجود المنقوع بالعدمية، المَعلوف بواقعية القرف والملل والتعب من التصويب على النتيجة وتعليل السبب وتحليل العقد والتحايل على المنطق لاستخراج العبر والتعابير عن النقص الزائد والزائد المنقوص بالكامل، المَقصوص على قياس التاريخ المخروق المُمَنْطَق على خرق الخريطة وبالتالي تصفية وَهم الخُرطَة: خُرطَة تاريخ وجود البلد المرعوب من شبح الديمواغرافيا، المغلوب على أمره بجغرافيا الوهم المتقولب في مستنقع اﻷقليات واﻷكثريات المتحركة، المتعايشة على القتل والنهب الممنهج للقعر، للماء، للتراب، للدم، للموادً الأوليّة الحيوية وذلك للإجهاز على الهوية اللبنانية ونحرها بشرف وتضحية ووفاء. الهوية اللبنانية المنتحرة أصلاً، المولودة المنبثقة تارة من الشرق وطورًا من الغرب، المساوية للاحتلال في الجوهر.

خُذوا الحقيقة بالمباشر بالهيّن المتهاون، بقذيفة من العصب المتكلّم أو بشظيّة من الهاوٍن المُزغرِد المُزلغِط للحرب المتجدّدة الصادحة بنفس الحريّة التيساء وبصوت الفرد الحرّ السيّد المستقلّ والكلّ للكلّ بالكلّ مع الكل من الكل يندد يحذر، يقاوم يمانع، يقونن يشرّع يدستر، يدجّن الهجين المستجهن المشين والمدان على التمام من كل الفرقاء والافرقاء المتفرقّين وما فرقونا بعد.  

خذوا اخبصوا في كلّ اﻷمكنة اﻵن التي سئمت من أقدامنا المكرسحة، من نعالنا المفلوعة المجلوخة على زفت الثورة المسالمة، خذوا الزوايا والمحلات والمرافئ والمرافق والمناطق والساحات والحانات والدارا.

خُذوا طجّوا بخرَفِ الوجود الحاف بالحضيض على الحفّة وتحت المزراب، خذوا الدعسات والعتبات والبيوت واﻷفق والآفاق والرمال وبلاط الشط في الحناجر والباطون في اﻷحشاء.

خُذوا فًحيحَ العضلات المحمّلة فوق طاقاتها، المنكمشة على صابون الركبّة.

خُذوا إفركوا الرأس بين اليدين وامعسوا القلب بالقدمين.

خُذوا انحتوا جسد الكلمة قذيفة في العين ترصد قوالب العدم يعلبّكم يزربكم في مجرور اللغة، في الصرف الصحّي السائل من الجبل للبحر، لا معامل تكرير بعد، لم يحن الوقت بعد، عليكم أن تتمّوا هذه الرّحلة ليتبخّر كل الهراء والخراء، فننتظر الغيم النقي ونصطاده، نجمّده، لا شتاء ولا ماء بعد اﻵن طالما من أفواهكم ما زالت كلّ الكلمات تلوّث هواء الرأس في كياننا.  

خُذوا النفس المجنّح مع رجفات رجرجات الأوتار الخارقة لجدار الصوت.

خُذوا المشي بلحف الحيطان بالطول بالعرض.

خُذوا المتاريس تحت اللحاف.  

خُذوا الشفّة والشفتين والنهي عن البزم والجزم.

خُذوا القبلة بالغصب وادحشوها في قطن الوسادة.

خُذوا البصاق على ساعة النوم وأجله وارتشفوا القهوة تحت التخت.

خُذوا عقارب كوابيس الوقت المدوزن على إيقاع لسع النعوش.

خُذوا طقطقة مسامير الذاكرة القتيلة.

خُذوا كل الشهداء.

خُذوا صلّوا وتضرعّوا للدماغ الحيّ الذي لا يرحم.

خُذوا احلموا بما قبل الفكرة.

بما يسبق قتل الكلمة.

خُذوا ما لكم ولنا، ما يطوّح بالألسن، ما يشرّح بالحناجر، ما يشوّح باﻷلفاظ ولا ينطق إلاّ بالإنتقام للألم الواحد.

خُذوا الدمّ الواحد، النّدم الواحد، والحبّ الواحد.

خُذوا الثّورة الوحيدة،

خُذوها كحبيبة

قبل أن

بعد أن

يتمّ كلّ شيء،

لن !