في عام 2007 نشرت نعومي كلاين كتابها "عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث" الذي تناولت فيه كيفية استغلال الحكومات و"السوق الحرة" شعوب وبلاد تعرضت لصدمات الكوارث - سواء كانت اضطرابات سياسية أو كوارث طبيعية أو أزمات اقتصادية - لتمرير سياسات يمكن وصفها أيضاً بالكارثية. على سبيل المثال، خلال الاحتلال الأميركي للعراق، اعتمدت الولايات المتحدة عقيدة الصّدمة لتنفيذ سياسات الخصخصة الشاملة وتدمير البنى التحتية وتفويض دور الحكومة. 

ما نعيشه اليوم ليس إلا كارثة جديدة قد تستغلها آليات السوق، في ظل "شبح" الكساد الكبير. ففي مقابلة أجريت مؤخراً مع نعومي كلاين، وصفت الكاتبة والصحافية الاستقصائية الوباء على أنه النموذج الأمثل لـ "رأسمالية الكوارث" وأطلقت على الوضع الحالي تسمية "رأسمالية الكورونا"، حيث تتشابه الديناميكيات التي تظهر اليوم إلى حد كبير مع الديناميكيات التي وصفتها كلاين في كتابها. وفي هذا السياق، يقول مايك دايفس أن الدول غالبًا ما تستخدم الكوارث غير العادية لإطالة وتجديد وتمديد الكوارث العادية المتمثلة في سياسات التقشف والخصخصة والعسكرة وسياسات إغلاق الحدود. وبالتالي يمكن اعتبار ظروف تفشي فيروس كورونا كارثة أخطر من الفيروس نفسه، خاصةً أنه غالباً ما يكون هدف الدولة الأساسي خلال الكوارث هو فرض النظام إما بصورة محدثّة، أي أكثر تطرفًا، أو إعادته إلى حالته "الطبيعية"، أي ما قبل الكارثة، على حساب مساعدة الناجين أو المرضى. 

البحث عن المنقذ

تعتمد استراتيجية الصحة العالمية لمواجهة كورونا بشكل أساسي على تعميم إجراءات الطوارئ واستخدام اللغة والخطاب الإعلامي لتحويل الوباء إلى صدمة مروعة تهدد النظام الدولي. تُشبَّه ظروف الوباء بحالة الحرب، فعلى سبيل المثال، أعلنت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل "الحرب الشاملة" على كورونا ودعت الأمم المتحدة إلى وضع خطة "حرب" للقضاء على الوباء.  وعلى الرغم من خطورة وجديّة تهديد الفيروس للصحة العامة، إلا أن هذه اللغة تفسح المجال لوسائل "حل الأزمات" النيوليبرالية  لتعميق الاستغلال. تتمثل هذه الوسائل بسياسات التقشف الوحشية في معظم دول الجنوب العالمي بحجة تخفيف أضرار هذه "الأزمة" الجديدة على الاقتصاد الدولي، كما حصل في الأزمة المالية الدولية عام 2008.

خلال الأسابيع الماضية، بدأت الحكومات تركيز جهودها على تطبيق حالات الطوارئ العسكرية والصحية و تضمنت  إجراءات  العزل والحجر والابتعاد الاجتماعي وإغلاق الحدود وإعلان حالات الإقفال التام، وبالتالي تعليق معظم الأنشطة الاقتصادية بما في ذلك بعض أشكال التبادل التجاري الدولي. وعلى أثر ذلك، حذرت مجلة "فورين أفيرز" من إمكانية إعادة "تشكيل" الوباء للنظام العالمي. إلا أن هذا التحذير، وما يشبهه من مخاوف نشرتها صحف ومنظمات دولية ليس إلا تعبيرًا عن قلق من "تصاعد" هيمنة  الصين على النظام الدولي لعالم ما بعد الكورونا، وخاصة بعد  تقاعص الإدارة الأميركية عن  لعب دور "المنقذ " الذي لعبته في الأزمة المالية عام 2008. وازداد هذا القلق بعد إرسال  كل من الصين وروسيا قوات طبية خاصة لمساعدة إيطاليا، وإعلان روسيا عن قدرتها على الدعم غير المشروط فيما يتعلق برصد انتشار الفيروس وما قابله ذلك من مصادرة دولية لشحنة مساعدات صينية مكونة من أقنعة أُرسلت لإيطاليا من قبل التشيك.

تكمن المخاوف الرئيسية للحكومات في إطالة تفعيل استراتيجية "تسطيح المنحنى" (أي الابتعاد الاجتماعي لاحتواء الفيروس ومنع انتشاره) لما يترتب عليها  من تفاقم أزمة اقتصادية بدأت تظهر بوادرها  في عام 2019 مع تراجع التصنيع العالمي وبدء حرب الأسعار التي شنتها السعودية. وهنا يكمن السؤال الأساسي حول مفهوم رأسمالية الكوارث: من سيدفع ثمن إنقاذ السوق الحرة؟ وخاصة مع وجود  تحديات دولية متعلقة بحقيقة أن الكثير من اقتصادات الجنوب العالمي تعاني ولم تتعافى بعد من الأزمات الاقتصادية المتتالية التي ضربتها بسبب تطبيق استراتيجية "الصدمة والترويع" بعد كل أزمة مالية دولية. فلا تعرف حكومات الجنوب سوى العلاج بالصدمة وما يتضمنه هذا العلاج من خصخصة شاملة للقطاع الصحي والرعاية، وتحرير كامل للتجارة وفرض للضرائب غير العادلة وتدمير البنى التحتية. 

وفي هذا السياق، يركّز الإعلام الدولي على توجيه أصابع الاتهام ازاء فشل احتواء الفيروس ومنع هبوط أسواق المال العالمية إلى إدعاء عدم "اتحاد" دول العالم لمواجهة الكورونا. هذا الطرح يتعارض مع  حقيقة أن البنوك المركزية الدولية (الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي  وبنك اليابان وبنك إنكلترا وبنك كندا والبنك المركزي الأوروبي والبنك الوطني السويسري) أعلنوا بشكل "اتحادي"  إجراءات طوارئ تشمل خطوط مبادلة للسيولة لمنع انهيار عملة النظام العالمي (أي الدولار). هذا يعني أن النظام الدولي، على عكس ما يروج له، متّحد ويكرس كل الجهود لاستغلال هذه الكارثة إلى أقصى حد ممكن للحفاظ على بقاء النظم الحالية كما هي وربما دفعها إلى "التطرف" أكثر وأكثر. 

"الحلم العسكري" و"الجسد العدو"

بحسب تقرير نشرته إمبريال كولدج لندن من المتوقع أن تطول فترة الابتعاد الاجتماعي، إلى حين شراء إحدى الحكومات المتنافسة اللقاح وتسليعه، أي بعد حوالي ١٨ شهرًا في أقل تقدير. وبناءً على ذلك، اقترح التقرير أن يتم العزل الاجتماعي على فترات متقطعة بحسب معدل الحالات؛ فمثلًا يمكن للحكومة اللجوء إلى تطبيق العزل الكامل عند تصاعد الحالات وتخفيف شدته عند انخفاضها. تفرض هذه المنهجية على الدول اتباع استراتيجيات رقابة مشدَّدة. وبالفعل، بدأت حكومات عدة باستخدام أدوات رقابة مستحدثة تبدأ من فرض رقابة على الهواتف والاتصالات وصولاً إلى الاستفادة من مئات الملايين من شبكات كاميرات التعرف على الوجوه وإلزام الأشخاص بفحص درجة حرارة أجسامهم وحالتهم الطبية والإبلاغ عنها وتتبع تحركاتهم  واتصالاتهم مع الخارج. 

على الرغم من أن ذلك يساعد في حصر انتشار الفيروس، إلا أنه يعزز قطاع الرقابة في الاقتصاد الدولي بدلًا من توجيه الدعم اللازم للنظم الصحية الهشة في العالم. كما لا يمكننا التغاضي عن الجانب السياسي والاجتماعي لهذه الإجراءات، إذ تعمل عدّة دول، منها الأردن، على فرض الطوارئ العسكرية "الاستثنائية" التي يطلق عليها الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو تسمية "الحلم العسكري"، فتتبنّى خطاب عيش المجتمع تحت هذه الإجراءات الاستثنائية، كوحدة مكتملة الانصهار تحمي نفسها من "تدنيس" الفيروس لها. يؤدي ذلك إلى تقسيم  المجتمع "المنصهر"، وبالتالي العالَم، إلى  ثنائية "أجساد أصحاء" ومجتمعات مصدّرة للأمراض، بغض النظر عن أسباب تفشي المرض في هذه الدول. وتنعكس تلك الخطابات بشكل واضح في السياسات الحدودية وما تتضمنه من حفظٍ للأمن البيولوجي من الأجساد الحاملة للفيروس. وعلى سبيل المثال، خلال الأشهر الماضية،  تمّ "تجنيس" المرض واعتُبر "الصينيون" حول العالم مصدره. 

بالرغم من تزايد هذه الإجراءات التي يُتوقع منها احتواء الفيروس، إلا أن الأمر يزداد سوءاً بسبب انهيار النُظم الصحيّة في دول عديدة، ومنها إيطاليا، بسبب انعدام شبكات الحماية في ظل الإقفال العام. يؤدي ذلك إلى استنزاف طاقات المجتمعات والدفع بإتجاه العودة إلى الحياة "الطبيعية"، في ظل غياب أي مؤشرات حول كيفية العودة إليها أو أي تصور لمعنى "الطبيعي". وخاصة أن كل ما يحدث اليوم يمثّل  لحظة تحوّل تعيشها المجتمعات وحدها، بمعزل عن حكوماتها التي تستمر بالتنسيق والتنافس فيما بينها.  فعلى سبيل المثال، التقت مجموعة الدول الصناعية السبع (G7) عبر الفيديو لنقاش "حل" جماعي دولي لمواجهة الكورونا. وحتى اللحظة، يبدو أن "الحل" يتمثل بإنقاذ السوق الحرة بدون قيود، والتنافس على اللقاح واستخدام عقيدة الصدمة  لخصخصة الضمان الاجتماعي بشكل كامل، كما هو واضح بالنسبة لبريطانيا، والدفع لإغلاق الحدود أكثر وأكثر. إضافةً إلى ذلك، لم تقدّم هذه الدول الدعم إلى أي من الدول المنكوبة بفعل الوباء، تاركة بذلك "فجوة" ملأتها كل من الصين وكوبا وروسيا، معززة بذلك خطاب "القلق" من تشكيل "نظام عالمي جديد" يقوده القطب الآخر. 

يؤثر النظام الاقتصادي العالمي وتغيراته  على الشعوب كافة، إلا أن الأثر يتفاوت ويزداد تعقيدًا بالنسبة للمناطق التي يهيمن عليها القلق والخوف وغياب الثقة بالحكومات في الأمور المتعلقة بالصحة أو الخدمات العامة .

فيعاني لبنان مثلاً من نقص في المعدات والمواد الصحية الأساسية في ظل أزمة الاستيراد بالدولار، إضافة إلى خصخصة القطاع  الصحي بحيث تبلغ أسرّة مستشفيات القطاع الخاص 80٪ من مجمل أسرة المستشفيات في لبنان.  ويعاني الأردن من تحكم شركات التأمين الخاصة بالنظام الصحي. وهذا ما قد يدفع حكومات لبنان والأردن، على سبيل المثال،  إلى طلب الدعم عن طريق "الإحسان" - حتى لو كان مشروطًا - من صندوق النقد الدولي. أمّا في فلسطين، وفي ظل واقع استعماري عنيف، فالمستشفيات غير جاهزة بسبب ندرة الأسرًة ونقص الأجهزة الطبية اللازمة. ويأتي تفشي الوباء بعد فترة تظاهرات وإضرابات خاضتها الكوادر الطبية من أجل رفع الأجور وتحسين ظروف العمل في لبنان وفلسطين، وتطوير النظام الصحي والتأكيد على أحقية الحصول عليه بحسب حملة "صحتنا حقنا" في الأردن.

صدمة عكسيّة

تتطلب الظروف الحالية جديّة في متابعة ما قد تتخذه  الدول من إجراءات وسياسات جديدة مبنية على عقيدة الصدمة في الأيام المقبلة. تركز هذا الإجراءات على العمل لإنقاذ السوق الحرة بدلًا من حيوات الناس، خاصة في ظل خطابات إعلامية تعمل على بث الذعر واستخدام خطاب المؤامرة ورؤية الفيروس "كسلاح بيولوجي" مدمّر، في حين  أن الحرب البيولوجية الفعلية اليوم هي  حرب الحصول على اللقاح وتسليعه، وعدم دعم الدول التي تعاني في ظل بنى تحتية مدمرة بفعل السياسات النيوليبرالية.  بات واضحاً أن العالم في لحظة تحوّل قد تفرض خيارات جديدة لا تشبه تلك التي اتخذت في ٢٠٠٨ أو الأزمات التي تلتها؛ حيث يرى الفيلسوف والأكاديمي السلوفيني سلافوي جيجيك في نصيّه الأخيرين أن في كل ما يحدث فرصة لإعادة تنظيم الاقتصاد العالمي بشكل لا يخضع فيه إلى آليات السوق، وفرصة أيضاً لاستحصال الطبقات المسحوقة على فرصة حقوق أساسية كالحق في الصحة والسكن والإجازات المدفوعة.

إلا أن تحقيق ذلك كله يتطلب حركات اجتماعية جذرية وقاعدية لديها مساحة كبيرة للعمل والمناورة. كما يتطلب أن تكون هذه الحركات قادرة على استخدام "عقيدة صدمة" عكسيّة تمكّنها من الانتفاض من خلال دعم النظم الصحية والضغط على الدولة لتوجيه الموارد من القطاع الخاص إلى القطاعات الضرورية لتخطي "الأزمة" الحالية. إلا أن التحدي الأكبر يكمن في الدفع  بحقيقة أن النضال ضد الوباء اليوم هو أيضًا نضال ضد رأس المال وأن كل ما يحدث ليس إلا نتيجة غير مقصودة للنظام الرأسمالي، وما ينتج عنه هو محاولة إعادة إنتاج النظام لنفسه. لقد سعت الدولة واقتصادها على استدامة وجودها من خلال استغلال الكارثة التي يعيشها العالم. الاعتراف بذلك لا يمنحنا زاوية جديدة نرى من خلالها الواقع الحالي فحسب، بل يوجهنا أيضًا إلى فسحة أمل. ففي خضم هذه الكوارث، نحن أمام فرص مختلفة للتغيير الكامل وأمام احتمالات عدة، سلبية وإيجابية. بمعنى آخر، لا يمكن توقع ما قد يحدث يوم غد أو بعده، إلا أنه من المؤكد أنه في الاستجابة الجماعية والمجتمعية للكوارث، قد نلمح حركة حقيقية يمكن أن تغير واقعنا بشكل جذري.