بعد تفجير المرفأ بعشرة أيام ذهبت إلى الهرمل مسقط رأسي في الولادة وفي الممات أعرف ذلك جيداً مهما اتخذت من مواقف تجاه طقوس الموت، في النهاية سأكون ملفوفة بخرقة بيضاء يسمّونها كفناً يربطونها فوق رأسي كأنّي كيس خبز ضاع شريطه فرُبط على عجل ووضع كيفما كان في البرّاد. 

ذهبت إلى الهرمل كما فعلت في أواخر أيام الإغلاق الأولى بسبب كورونا، حين أصبحت الأيام متشابهة إلى درجة دخل الواقعي بالافتراضي وصرت لا أميّز بين الحلم والحقيقة وصار الوقت بين استيقاظي ووعيي أطول بكثير من العادة يصل إلى دقائق أحياناً. يومها خفت فعلاً على صحّتي النفسية وقررت أنّ الحلّ هو في البحث عن شيء ما أعرفه جيداً، شيء مألوف يعيدني إلى الواقع ولم يكن ذلك "الشيء" سوى وجه أمي. 

ذهبت إلى الهرمل بعد التفجير بعشرة أيام حين شعرت بحاجة إلى ألفة تعيد إليّ توازني بعدما أطاح التفجير به. وكان وجه أمّي مكفهرّاً بسبب التفجير والقلق والإحباط، ما زاده ألفة. 

في اليوم التالي لعبت مع أولاد مألوفين في مسبحهم الصغير وشربت الجّين واستلقيت في شمس مألوفة. ولكن ما حصل بعدها كان أبعد ما يكون عن النوم المألوف، كان غياباً قسرياً في بُعد آخر كأنّ قوّة سحبتني خارج العالم ليس صعوداً نحو السّماء كما يخبروننا عن كيفية صعود الأرواح بل كأنّني حشرت في نفق ضيّق جدّاً عنوة. وحين استيقظت لم يكن جسمي مسترخياً كما يفترض بجسم يتشمّس بعدما شرب الجّين بل كنت مرهقة كأنّي استيقظت من كابوس، كأنّي قاومت بشدّة كي أستيقظ. ولكنّي لم أكن أحلم، ولم أر كابوساً أردت الخروج منه. بعد دقائق أدركت أنّ الكابوس لم يكن الحلم هذه المرّة بل كان الصّحو. وعرفت أنّ الواقع دخل الافتراضي مجدداً وانحشر الواقع في الحلم. 

كان أوّل ما فكّرت فيه حين نجحت في الاستيقاظ هو: لقد متّ! لعلّي أصبت بموت من ماتوا. لم أستبعد ذلك فقد حصل معي من قبل حين ماتت ريم. يومها شعرت أنّي أصبت بموتها. وفكّرت أنّ الفقد هو موت الأحياء على طريقتهم. وارتأيت في استيقاظي الجديد من الموت على طريقتي أنّ كل ما نشعر به اليوم بعد المجزرة هو موت على طريقة الأحياء وهو تحديداً شعورنا بالفقد تجاه الموتى، بالفقد تجاه مطارحنا التي أطاح بها التفجير، تجاه مساحات انتزعناها أو حافظنا عليها في مدينتا، تجاه ما بقي من مدينتنا وأرداه التفجير قتيلاً. 

لم يكن عليّ أن أفقد شخصاً أعرفه في التفجير كي أشعر بالفقد. ولا أحد منّا كان يحتاج إلى فقدان عزيز في مجزرة بيروت كي يشعر بالفقد. فوجوه القتلى مألوفة، وعيون أمّهاتهم الغائرة والنظرات الضائعة لمن لم يجدن أبناءهنّ مألوفة، قصصهم مألوفة، ما كتب عنهم وما حُكي، مآتمهم، الرقص في جنازاتهم. وقد غرقنا في قصصهم وتابعناها وفلفشنا في صورهم وصور أهلهم وأصدقائهم وشاهدنا جنازاتهم، ليس كي نعذّب أنفسنا بل لأننا نتماهى معهم في موتهم بالطريقة التي ماتوا فيها، فنحن ضحايا مثلهم ولكن مع فارق واحد هو أننا لم نمت بعد.  

 قبل أن أموت، أقصد قبل أن أغفو "بعين الشّمس" كما حذّرتني أمّي وهي تتفقدني، فكّرت كثيراً بالدمار الذي خلّفه التفجير، وخطرت لي فكرة قد لا تعجب أحداً: كان يجب أن تبقى بيروت مدمّرة بعد الحرب ولا تُرمّم ولا يعاد إعمارها ـ حتى لو بطريقة مناسبة ـ كي يبقى الدمار شاهداً ليس فقط على حرب لم يكتب تاريخها أحد ولم يحاسب فيها أحد، بل على الآتي من الأيّام. كان يجب أن تبقى بيروت خرابة كي تشبه نفسها.

أمس قدت سيارتي ليلاً في بيروت، كانت مظلمة بمعظمها بينما بعض الضوء يظهر الدمار اللاحق بها. فكّرت في البداية أنها حزينة، هي لا شك كذلك، ولكنّي لسبب أجهله تذكّرت وجه أمّي المكفهرّ، وفهمت أنّ بيروت في تلك اللحظة بدت لي أكثر ألفة، بدت تشبه حقيقتها.


كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: