..المعلم سعيد يعرف العربية والإنكليزية والفرنسية والتركية. كان يتأبط الكتب دائماً، يطالع. وكان هو الذي ينظم الرحلات المدرسية. يقول"إعرفوا البلاد بأرجلكم. إعرفوها لتحبوها"

حنا ابو حنا - ظلّ الغيمة

يستعصي عليّ فهم الشعر، وأصعبه شعر المتنبي، كان الجميع يشيد بلُغته ونبوغِه وكبريائه وهجائه لخصومه وطموحاته السياسية، ولم يغب عن أحاديث والدي مدرّس اللغة العربية وعاشق أدبها وشعرها، ورغم ذلك لم أستسِغ هذا "البرجوازي".

قبل سنوات قليلة تعرفت على كتاب محمود محمد شاكر "المتنبي"، وهو أول من حطّم "الاستشراق" والفكر الكولونيالي الاستشراقي (تأخرتُ كثيراً بمعرفتي به)، إلا أن المعلومة التي قرأتها لأول مرة هناك بأن المتنبي أمضى ما لا يقل عن خمس سنوات من عمره على الضفة الشرقية الشمالية لبحيرة طبرية، التي نسميها "البحرة"، أدهشتني. المتنبي حل في ديارنا وتحديدا في كفر عاقب منطقة البطيحة ومدينة طبرية! وإن البحيرة في قصيدته "في الخد أن عزم الخليط رحيلاً"  في صدر البيت: "وردٌ إذا ورد البحيرة شارباً / ورد الفرات زئيره والنيلا"، إنما هي البحرة! 

تبعد الديار التي حل بها المتنبي عن مسقط رأسي نحو عشرين كيلومتراً أو 4 ساعات مشياً على الأقدام ويعرّفها الصهيوني بأنها حدود "اسرائيل" مع هضبة الجولان أو سورية حتى سنة 1967.

باكراً أصل البطيحة لأفتّش عن كفر عاقب ويسميها الجولانيون "الدوكة"، وهي تحت سيطرة الصهاينة. أجدها على سفح الهضبة مسيجةً بأسلاك شائكة يغطيها العشب والشوك والحجارة البركانية، أعبر داخل السياج، أنظر حولي باحثاً عن البيت الذي أقام به المتنبي، أرى حطام بيوت كثيرة كلها من الإسمنت، أضحك على الفكرة التي راودتني بأن أجد بيت المتنبي، وأغضب لكثرة حطام البيوت وحيدة بلا أهلها، بلا أسماء وبلا وجوه، لا شيء في مواقع النظام السوري عن القرية التي يكتب اسمها أحيانا كفر عقب وأحيانا كفر عاقب. أما المتنبي فيكتبها كفر عاقب في بيت الشعر الذي يخبرنا به عن محاولة اغتياله على يد كافور الإخشيدي: "أتاني وعيدُ الأدعياء وأنهم / أعدّوا لي السودان في كفر عاقبِ". أهل الجولان وحيدون يقاومون الاحتلال. 

أقف على أنقاض بيوتها التي هجرها أهلها، أتكئ على صخرة، أمامي إلى الغرب البحرة، على الضفة المقابلة مدينة طبرية، مدينة ظاهر العمر، وأول المدن التي احتلّها المستعمر الصهيوني، إلى الجنوب كانت هناك قرى متلاصقة من نفس الطينة والأهل، فلسطينية، سورية شامية. أما شمالاً فالبطيحة. وقبالة قرية البطيحة على الضفة الجنوبية تقع محطة سكة حديد الحجاز-سمخ وقرية سمخ. أنظر الآن وأنا أكتب إلى الصورة الذاتية التي التقطتها وأنا متكئ على الصخرة، ظهري إلى الكاميرا، أمامي البحرة ومدينة طبرية. هل كانت تلك اللحظة التي تفجرت فيها المعلومات السابقة التي قرأتها - فأيقظت إدراكي وأحاسيسي؟ المتنبي وسيرته والطيارون العثمانيون والبهائيون (نسميهم العجم أيضا)، هل كنا عثمانيين أم أننا كنا تحت الاستعمار التركي مدة ست مئة عام؟ كل ما أذكره من تلك اللحظة شعوري بالعبثية والعدم. 

خربة البيك

وصلت ضفة البحرة. اتجهت شمالاً إلى مكان في البطيحة في أطلس فلسطين الذي أعدّه الأستاذ سلمان أبو ستة، يشار إليه على أنه بيت عبد الرحمن باشا، أما الخرائط الإسرائيلية فتشير إليه بـ "بيت البيك"، وهو المَعلَم الوحيد الباقي بعد الدمار الذي مارسه الصهاينة بتلذذ. هنا أقف أمام بيت عبد الرحمن باشا اليوسف.

كانت أرض البطيحة ملكه. يكتب الصهاينة أن يهوداً من جزيرة القرم اشتغلوا عنده بالأجرة، ويضيفون أنها المرة الأولى والأخيرة التي اشتغل فيها فلاحون يهود لدى مالك أرض عربي، في اليوتيوب أجد مقطعاً مصوراً مدته دقيقة ونصف لبيت عبد الرحمن الباشا، صاحب التصوير عربي اسرائيلي يسمي المكان "خربة البيك". كيف أصبح البيت "خربة" والباشا "بيك"؟ (حول هذه العقليه أشرت لهذا في مقالي تحت عنوان "طمس فلسطين بالمفردات"). المنطقة كلها مكسوة بأعشاب شائكة وعالية، يجاور بيت الباشا - نهر الزاكي وهو في قمة الروعة.

الباشا

أبحث في مكتبي: من هو عبد الرحمن باشا اليوسف؟

هو عثماني، كان أمير الحج الشامي "الأغنى بين المسؤولين العرب في السلطنة العثمانية"، كان يمتلك الشاطئ الشرقي لبحيرة طبرية. وفي تعداد أملاكه يذكر امتلاكه أيضا لـ 24 قرية في الهضبة (الجولان)، يذكر أيضا أنه كان مؤثراً في العلاقات التركية الألمانية وقد استضاف إمبراطور ألمانيا في ساروجة بالشام في قصره الخاص. كان منفتحاً على الأفكار الجديدة وساهم في مكننة الأعمال الزراعية بشرائه الآلات الزراعية الألمانية وقد روج لها.

في أحد أجنحة بيته في البطيحة يسكن صهيوني غريب الأطوار يمنع الزائرين من الاقتراب. أما قصره في الشام أو بيت ساروجة فهو مُهمَل وآيل للسقوط، يسكُنه رجل متواضع الحال "ولد في رحابه منذ سبعة عقود كان جدّه يعمل لدى عبد الرحمن باشا"... 

العثمانيون

نزلت من كفر عاقب، حيث تخيلت المتنبي وفاض  حنيني إلى زمن أكون فيه حراً في بلادي من المحيط الى الخليج، وأحلّق في فضاء وإدراك مستقبل يصعب تحديد ملامحه. أمشي الآن جنوباً على الشاطئ الشرقي للبحرة باحثاً عن القرى المدمرة والتي هُجّر أهلها واستُعمرت، كنت قد مشيت في هذه الناحية وجهات البحرة الثلاث على خطى جدي في فيلمي "طريق سيدي".

كان البحث لإنجاز فيلم "طريق سيدي" بداية اهتمامي الكبير بالفترة العثمانية لبلادي، قبل هذا كانت كلمة العثمانيون بالنسبة لي الكلمة الاكاديمية المرادفة للأتراك وساد الاعتقاد حينها بأن "تخلفنا سببه الاستعمار التركي لبلادنا". كنت في الحادية عشرة من عمري حين رأيت فيلم "سفر برلك"، فيلم يظهر مقاومة "اللبنانيين" لـ "الاستعمار التركي"، ولكني لم أدرك ذلك آنذاك، فلقد أحببت الفيلم وشاهدته في سينما ديانا في الناصرة ثلاث مرات لكي أرى ما أدهشني في هذا الفيلم وهو أن كل البشر والأشياء فيه تشبه فلسطين وأهلها،  حتى الحمير والبغال. كنت أسمع جدي يحدث سامعيه "السفر أهلك الناس، قتلها قتل يا جماعة الخير". لم أفهم أنه كان يقصد سفر برلك (الحرب العالمية الأولى) فأحاديث أهلي وأهل بلدي كانت عن قساوة وجرائم الانكليز الذين كانوا يجبرون الناس على المشي "حافيين على ألواح الصبر".

لم أسمع أحداً يمتدح "الأتراك"، ولكني لم اسمع أحداً يجمع "الأتراك" والإنجليز في جملة واحدة. كانت المرة الأولى التي سمعتهم يُذكرون في جملة واحدة حين شاهدت فيلما بلجيكيا فلسطينيا، يقول الجد للحفيد فيه ما معناه "كانت تركيا وأجوا الإنجليز وإسه إسرائيل".

في دراستي الجامعية لم أعد أهتم بهذا التاريخ وإنما بالنضال والمقاومة وحرب الغوار وكوبا وانجلز ولينين وتروتسكي والأممية الرابعة. وبقيت أظن أن العثمانيين هي كلمة مهذبة لذلك "التركي الوحش" سبب تخلفي والذي بسببه أصبح الاستعمار البريطاني الصهيوني تحصيل حاصل "للاستعمار التركي".

نظرة ازدراء

التقيت بالأستاذ والباحث الجامعي محمود يزبك الذي له باع طويل في دراسة الفترة العثمانية في مدن فلسطين، بغرض البحث لفيلم "طريق سيدي"، كان ذلك قبل خمس سنوات. طلبت منه أن يشرح لي "الاستعمار التركي" لبلادنا، نظر إلي نظرة ثاقبة، شعرت أن في نظرته نوعاً من الازدراء، ولاحظ بأني محرج بسبب نظرته، فقال كيف استنتجت أن الحكم العثماني لبلادنا هو "استعمار تركي"؟ أطبقت شفتي فلم أستطع القول إني أردد ما يقوله الجميع من "المثقفين" و"المفكرين" والأدباء" و"الفيلم البلجيكي" و"سفر برلك". أجبته بعد أن أدركت أنني وقعت ضحية لغبائي، أكرر ما لم أفكر به، "وما هو تحفظك مما قلت". لم تطل المحادثة مع الأستاذ محمود، فلقد تملكني الحرج. قال كلاماً حثّني على البحث وإعادة التفكير بكل المسلمات في ثنائية التركي/العثماني، والاستعمار/الحكم وما انغرس في ذاكرتي من التعليم في المدارس التبشيرية الاستعمارية (يسميها الناس في الناصرة المدارس الأهلية) التي درست بها. فلم ينقطع "أبونا" يكرر مراراً وتكراراً أن "المدارس الأهلية قاومت تعليم التلاميذ بالتركية حين فرض الأتراك التعليم بالتركية في المدارس العربية وعلمنا بالعربية فقط"، ليعيد نفس الجملة "أبونا" آخر، عربي "فلسطيني" إنجيلي في حفل تخرج ابني وبنتي من مدرسة أهلية (استعماريه انجيلية) أخرى بعد 41 سنة من تاريخ تخرجي. صفّق له بحرارة كل الأهالي بلا استثناء ولم نسأل أو يتبادر إلى أذهاننا إعادة النظر فيما سمعناه ولا نزال نسمعه.

منذ سنة أو أكثر أقرأ كل ما يصادفني لأفهم إذا كنت قد وقعت ضحية غبائي، وهل كانت نظرة ازدراء الأستاذ محمود يزبك في مكانها؟ كانت قراءة نيللي حنا مدهشة لتقييمها الحكم العثماني لبلادنا. وفهمت أن العثمانية لم تكن سبب تعاستنا، وأن المعنى هذا لا يندرج في ما تحاول "دراسات الهوية" تطبيقه وإسقاطه على البشر. وبما أني كنت أُحاذر دائماً من حقل دراسات الهوية، باعتبارها غطاءً مهذباً لدراسة الولاءات لدى من يسميهم "الأقليات" للأكثرية في مجتمعات الدولة - القومية وهندسة وعيهم للسيطرة عليهم.

كان قبولي لتحليلاتها سهلاً، فإن كُنّا تعساء فلا علاقة لذلك بـ "الاتراك" وإنما بطبيعة الحكم والاستغلال الذي يمارسه البشر على البشر. إلا أن تلك الفقرة من مقدمة الأستاذ سليم تماري لكتاب "عام الجراد-يوميات جندي مقدسي عثماني"، علّمتني الكثير وأجملت كل ما استنتجته من قراءاتي تلك السنة: "أهمية هذه اليوميات إضاءة نسيج الحياة… في طبقات الخطاب السياسي القومي… (الذي) اختفى من الوجود نتيجة المحو المنظّم لماضينا العثماني... في هذه الأعوام الأربعة، نجحت الحرب (العالمية الأولى/ سفر برلك) في محو ذاكرة أربعة قرون من الحكم العثماني اللّامركزي واختصارها في أذهان الأجيال اللاحقة برموز طغيانه الثلاثة: جمال باشا والسفر برلك وأعواد المشانق في ساحة البرج (بيروت)، وفي باب العمود (بالقدس). فجأة تحوّل القمع العثماني الى القمع الطوراني وتحوّلت الدولة في نظر رعاياها من دولة عثمانية متعددة القوميات إلى دولة الأتراك".

أمّا الكاهن البروتستانتي  لورانس أوليفانت، الجاسوس البريطاني والذي استقر في حيفا وجال على يهود أوروبا الشرقية بغية إقناعهم بالرحيل إلى فلسطين، وإقامة دولتهم في ارض جلعاد (جلعد) التي تقع اليوم ضمن حدود "الأردن"، ففي إحدى تقاريره عن سبب نقل اليهود الى هذه البقعة من بلادنا، قال إن أكثر الأماكن في العالم تسامحاً وقبولاً للبشر هي الإمبراطورية العثمانية، وستستقبل اليهود بلا شك برحابة صدر ولن يصيبهم أذى.

تبيّن لي أيضا من كتابات الأستاذ تماري أن ما طوّره الاستعمار البريطاني كان على قاعدة البنية التحتية العثمانية، المستشفيات والبريد والطرقات وسكّة الحديد وتجفيف البصّات/ المستنقعات والمدارس والجسور. وكانت  المفاجأة حين قرأت عند الأستاذ تماري من يوميات الموسيقي واصف جوهريه التالي: "... وفي صيف 1914 ركب حماراً مع والده الى البقعة في ضاحية القدس ليشاهد هبوط طائرة عسكرية عثمانية"، فيقول: "كانت المدينة مقفرة من سكانها في يوم الصيف الحار ذلك… ولسوء الحظ تحطمت الطائرة في سمخ "طبرية" وقتل طيّاراها التركيان الضابطان نوري واسماعيل، ويعتقد أنها كانت أول مرة يحلّق فيها طياران فوق فلسطين". 

إثر ذلك، ذهبت إلى سمخ لأبحث عن مكان سقوط الطائرة، إلا أني لم أجد شيئاً.

وأثناء تصوير فيلم "طريق سيدي" على شاطئ البحرة التفتّ إلى يساري فرأيت لافتة على شكل سهم كتب عليها بالعبرية: "نصب تذكاري للطيارين الأتراك"، إنه على مقربة من قرية السمرا على بعد خمسة كيلومترات من سمخ أو أربعين دقيقة مشياً على الأقدام. 

لم يسنح لي الوقت لتضمين حادثة سقوط الطائرة في الفيلم، رغم أن مكان سقوطها جزء من سيرة جدي.

تل الشقوم

مشيت كلّ أرض عبد الرحمن باشا اليوسف، هي سورية بشقّها الشرقي، 

وفلسطينية بشقّها الغربي، يفصل بينهما شارع عرضه ما يقارب الإثني عشر متراً، مررت بالنقيب وخربة العشاق وخربة الحمة، ما نسميه قرى مهجرة، انتقلت للشق الشرقي بير الشقوم والكرسي، وقبلها كنت في كفر عاقب المتنبي. في بقعة صغيرة جداً وجدت قصصاً وتاريخاً أعجز عن حفظه، وسيستغرقني وقت طويل كي أشرحه وأفصّله وأقتبس ما يناسب وعيي وتوجهاتي.

إلا أن القصة الأكثر إثارة هي قصة بير الشقوم والتي يعتبرها أهل سايكس بيكو في "الجولان السوري المحتل"، إذ أقامت هنا مجموعة من المستعمرين الصهاينة من شرق أوروبا أولى المستعمرات الصهيونية، (وقبل تلك التي يعتبرها الصهيوني أولى مستعمراته).  فقد استطاع لورانس أوليفانت المذكور إقناعهم بالاستيطان هنا وسُمّيت مستعمرتهم "بني يهودا"، تمهيداً لاستيطان صهيوني يعتمد على الدعم الاستعماري البريطاني مقابل حماية سكّة حديد كان يخطط لإقامتها المستعمر البريطاني تصل بين حيفا وشاطئ العرب، حتى تصل الهند بحراً ثم تنقل البضائع المحملة من الهند إلى أوروبا عن طريق ميناء حيفا. أطلق عليها البريطانيون في سجلاتهم خط الفرات مقابل خط النيل أي قناة السويس، إلا أن هذا المخطط فشل ومعه الاستعمار الصهيوني في ذلك المكان من بلادنا.

أواصلُ المشي حسب الخارطة وأقتربُ من النصب التذكاري للطيارين، وصلت مشارف أراضي قرية السمرا. اليوم يوم صيفي حار تماماً كما وصف واصف جوهرية في يومياته "يوم سقوط الطائرة العثمانية ومقتل طياريها نوري واسماعيل بيك"، قريباً من هنا، أريد ان أقف أمام ذلك المكان.

العجم

في المكان الذي وصلت إليه على أطراف أراضي السمرا أشاهد بيتاً مهجوراً مسيّجاً لا يمكن الدخول اليه. أمشي بمحاذاته. الخريطة الوحيدة التي تشير إلى المكان خريطة مشائين رقمية وهي صهيونية. "كان هذا البيت حتى سنة 1948 تابعاً للطائفة البهائية". أكمل بحثي بعد عودتي في مكتبي فلا أجد أي مرجع عربي أو فلسطيني يذكر وجود وتاريخ البهائيين الذين نطلق عليهم لقب "العجم" في هذه المنطقة. أما المصادر الصهيونية فتذكُر أن الأرض وهي أرض قرية السمرا اشتراها ثلاثة من العجم منهم زعيم الطائفة بهاء الله، كان ذلك سنة 1882. بعدها، اشتروا أراضٍ أخرى في قرية النقيب المجاورة، وأرض وقرية أم جونة وجزء من أراضي سمخ. سنة 1901، اشتروا أراضٍ إضافية في الضفة الشرقية للشريعة (نهر الأردن) ليس بعيداً من هنا، ووطّنوا أتباعاً لهم جاؤوا بهم من إيران فيما سيعرف لاحقاً بقرية العديسية، وهي اليوم ضمن حدود "الأردن". يعزو المصدر الصهيوني إلى عجم العديسية أنهم زرعوا صنف باذنجان يختلف عن الباذنجان البلدي، سُمّي لاحقاً على إسمهم "الباذنجان العجمي"، وهم أول من زرع شجر الموز في فلسطين. لاحقاً باع العجم أراضي أم جونه للصهاينة وهُجّرت النقيب واستولى الصهاينة عليها، في حين ظلت قرية السمرا قائمة حتى سنة 1956، حينها طرد المستعمر أهلها فلجأ بعضهم إلى قرية شعب داخل أراضي فلسطين، وآخرون التحقوا بالعجم في شرقي الشريعة بقرية العديسية. أما الجزء الثالث فالتجأ الى قرية توفيق الفوقة والتي تبعد 3 كلم عن السمرا فيما أصبح يُعرف بهضبة الجولان السورية، والتي دُمّرت بالكامل قبل حرب الـ 67 ولا ذكر لها لا في الخرائط ولا الوثائق السورية التي وجدتها، ولا زلت أبحث عنها.

أما أراضي أم جونة فقد بنى عليها المستعمر مستعمرة أسماها "دجانيا".

الوصية 

أنحرف شرقاً من أرض السمرا وأعبُر الشارع العام، أتجه شرقاً على بعد كيلومتر ونصف، أقف أمام النصب التذكاري، من الجهة اليمنى علم المستعمرة (اسرائيل) ومن اليسرى علم تركيا، وفي الوسط النصب التذكاري وعليه سورة الفاتحة وأسماء الطيارين وفي القاعدة تفصيل المسار الذي كان على الطيارين اتّباعه من إسطنبول إلى أضنة وأماكن أخرى داخل ما يسمى تركيا اليوم، ثم حلب فبيروت فالشام (دمشق) فالقدس، بور سعيد فالقاهرة، واسم فتحي بيك ومساعده صدقي بيك. لا اسم لنوري ولا لإسماعيل كما ذكرهم واصف جوهرية ونقل ذلك عنه الأستاذ سليم تماري، أما يوم السقوط الميلادي فهو حسب المصادر التركية والعربية والصهيونية، إمّا 27 من شباط 1914 أو الأول من آذار 1914، في الخريف وليس في الصيف.

حتى بداية الألفية كان المكان مهجوراً، إلا أن طبيباً من قاطني المستعمرة التي أقيمت على أرض السمرا أخذ على عاتقه تنظيف المكان وبناء حديقة حولها تشاركه بذلك السفارة التركية لدى المستعمرة، فيتم إحياء ذكرى مصرع فتحي وصدقي بيك سنوياً.

أعثُر على القليل من المصادر الأكاديمية عن هذه الحادثة، مقالين لكاتبين تركيين ومقال لباحث صهيوني، أما بالعربية فمقالات صحافية ورسالة ماجستير لطالبة فلسطينية من جامعة الخليل تقتبس من اليوميات التي نشرها الأستاذ تماري، إلا أن الطيارين، كما تقتبس، هما تركي وألماني.

تجمع المصادر العربية والتركية والصهيونية بأن الطيارين أوصيا إن سقطت طائرتهما بأن يدفنا في مكان مصرعهما. إلا أن السلطات تقرر أن يُحمل الجثمانان إلى محطة سكة حديد سمخ ويُنقلا بالقطار إلى الشام (دمشق) ويُدفنا في الجامع الأموي إلى جانب ضريح صلاح الدين. أمّا عن سبب القيام بالرحلة، يذكر المصدر التركي الذي يعتمد على الأرشيف العثماني إنه بعد الحرب بين العثمانيين وإيطاليا في ليبيا التي كانت عثمانية، استطاعت إيطاليا دحر الجيش العثماني لأنها استعملت سلاح الطيران. وكانت هذه هي المرة الأولى في تاريخ الحروب التي يستعمل فيها هذا السلاح. كانت المعنويات العثمانية محبطة على إثر الانكسار. ولرفع المعنويات قرر العثمانيون إرسال طائرتين عسكريتين تنطلقان من اسطنبول لتصلا إلى القاهرة في مدة هي أسبوعين أو ثلاثة، كان قائد الطائرة التي تحطمت فتحي بيك أمّا مساعده فكان صدقي بيك، أما الطائرة - التي انطلقت بداية فكان قائدها نوري بيك ومساعده اسماعيل بيك، بعد أن أصابها عطل تم توقيفها إلى حين إصلاحها. إلا أن سقوط الطائرة بقيادة فتحي بيك حثّ العثمانيين على إكمال الرحلة، فبعد إصلاحها، حلّقت طائرة نوري واسماعيل بيك بنفس المسار لتهبط في يافا أولاً على أن تكمل الرحلة صباحاً إلى القدس. تُحلق الطائرة صباحاً فتسقط في البحر، يهرع بحّارة يافا لانتشال الطيارين، نوري بيك الذي فارق الحياة يُدفن في الجامع الأموي بالقرب من زملائه، أما اسماعيل بيك فينتشل حيّا. لم تثنِ الحادثة الثانية العثمانيين عن مواصلة محاولاتهم، فتنطلق الرحلة الثالثة بنفس المسار وتنجح بالوصول الى جميع الأماكن المحدّدة لها وتهبط بالقاهرة ثم تكمل طيرانها بنجاح لتحط بالإسكندرية في نهاية مسارها.

المعلم سعيد

لم أقرأ الفاتحة على روح فتحي وصدقي بيك، أنظر بغضب إلى علم المستعمرة يرفرف فوق النصب التذكاري، وإلى جانبه علم تركيا. أترك المكان ولا ألتفت خلفاً...

لاحقاً أكتشف أن رحلة عسكرية فرنسية سبقت العثمانيين وأن العثمانيين ساروا على خطى الرحلة الفرنسية التي بدأت من باريس مارّة بإسطنبول والقدس حتى القاهرة. تحطّمت المحاولة الفرنسية الأولى ونجحت الثانية. أمّا المتنبي فبعد أن علم بمؤامرة قتله يرحل الى داخل فلسطين الى مدينة الرملة، أمّا عبد الرحمن باشا اليوسف فمع تغيير الحال وسقوط الامبراطورية العثمانية، يتخلى عن عثمانيته ويلجأ إلى عروبته بتعريفها الاستعماري الأوروبي ويُقتل في حادثة غامضة على يد جندي سنغالي من جيش الاستعمار الفرنسي.

أصِل محطة سكة حديد سمخ، سوّيت القرية بالأرض، علم نيوزلندا يرفرف فوق المحطة وقد وضعه الصهيوني تكريماً للكتيبة النيوزيلندية في الجيش البريطاني التي، كما يقول، احتلّت/ حرّرت المكان من العثمانيين. شمالاً ذات مرة، كان هنا ميناء بناه العثمانيون لتقلّ القوارب الراسية به المسافرات والمسافرين من المحطة إلى مدينة طبرية القريبة، أثناء الحرب العالمية الأولى ضمن تحالف الامبراطورية العثمانية وألمانيا. يبني الألمان مطارات لسلاح جوّهم في أماكن عدة في فلسطين منها مطار هنا في أم جونة التي باعها العجم/البهائيون للصهاينة وأصبحت مستعمرة صهيونية اسمها "دغانيا". يصف الصهيوني علاقته الاستثنائية الممتازة مع كتيبة وطياري سلاح الجو الألماني في كلّ مكان وكيف أن الألمان كانوا يحمون المستعمرين الصهاينة من "العرب". ويأتي على ذكر حادثة في مطار ألماني آخر ملاصق لمستعمرة في مرج ابن عامر أقيمت على أراضي قرية الفولة، يقول المستعمر إن سرقات العرب لأملاكهم ومعداتهم من قبل جيرانهم أهل سولم تكررت ووصلت الى حد الاعتداءات الجسدية (بالنسبة لهم هذه أعمال شغب وتخريب وليس مقاومة). يلتفت "الاصدقاء الألمان" إلى الضائقة التي تصيب المستعمر الصهيوني فيحلق أحد الطيارين الألمان (حلفاء العثمانيين) ويقذف قرية سولم المحاذية بالمتفجرات من أعلى فيصفق المستعمر والألمان لذلك ويلزَم أهل سولم بلدتهم ولا يقتربون بعد الآن من المستعمرة.

مؤرخ صهيوني يكتب أنه بعد احتلال فلسطين يطوّر البريطان الميناء على شاطئ البحرة، بمحاذاة سكّة الحديد، ويوسّع المطار الألماني، فكانت الطائرات العوّامة تحط في مياه البحرة فتنقل القوارب الركاب إلى المطار ومن هناك تقلع الطائرة إلى الهند. 

أما الطيار فتحي بيك الذي لاقى حتفه على إثر سقوط طائرته فتكرّمه الحكومة العثمانية وتطلق إسمه على إحدى مدنها ليصبح اسم المدينة فتحية.

في نفس السنة التي سقطت فيها الطائرة يلقي الدرك العثماني القبض على جدّي في مدينة طبرية لهروبه من الخدمة العسكرية، يضعه في "الشختورة" (القارب) ويبحر به إلى محطة سكة حديد سمخ، يُنقَل بالقطار الى نابلس إلا أنه يستطيع الهرب: "مخدمتش بالعسكرية شيلي" (ولم يخدم بالعسكرية بتاتا).

في نهاية اليوم مساءً أحاول أن أتخيّل المعلم سعيد الذي خلّده تلميذه السيد حنا أبو حنا في سيرته الذاتية "ظلّ الغيمة"، جملة قصيرة في سيرة التلميذ، "أمّا أنا، فحين أتعب أستظل بغيمة لأستريح وأتابع السير في وطني ليكون لي حياة وليس مجرد فكرة."

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل:
Patreon support button