"لكل عصر توَجه أخلاقي معين، ومهما كانت الطريقة التي تحاول بها أن تعيش حياتك، فسوف تتأثر بهذا التوجه من دون أن يكون لديك أي خيار. نحن نتجه نحو انحسار تام لجميع القيم"

توم وولف في برنامج "60 دقيقة".

كان توم وولف، المعروف دائمًا بذي الحلَة البيضاء، رجلًا عصريًا بكل معنى الكلمة ما عدا في حساسيته، فبعد الاقتباس أعلاه قال: "لا تفهموني بشكل خاطئ، فككاتب يسعدني تمامًا أن تظل الأشياء على ما هي عليه، إذ لم تكن الكوميديا ​​البشرية أكثر ثراءً من قبل". ولا يعتبر وولف نفسه جزءًا من العصر فحسب، بل أيضًا كمراقبٍ له، فهو ساخر إلى حدَ ما، يضع نفسه، بعبارةٍ بسيطةٍ كهذه، داخل الحشد وفوقه.

لا شك في أن وولف كاتب استثنائي، وقد وصفه كين كيسي بأنه عبقري بعد أن قرأ كتابه "اختبار حمض الكولايد الكهربائي"، ناهيك عن الإشادة النقدية الواسعة التي تلقاها عمله. وإلى جانب كونه ساحرًا بالكلمات، فإنّ وولف بارعٌ بالانخراط في المواقف دون أن ينغمس فيها، فتراه يسافر مع القبيلة من دون أن يصبح جزءًا منها، وفي الوقت نفسه، على عكس الصحافي العادي، لا يقوم فقط بإعداد التقارير ويتسم بالحكمة والحيادية، بل يروي الواقع من الداخل ومن الخارج بشخصيته الفريدة التي تتمثل كعلامةٍ تجاريّةٍ ببدلته البيضاء التي تميّزه، ما يعكس هويّة تؤكد نفسها في تلك البدلة التي تريد الحفاظ على القيم التقليدية من خلال إبرازها بطرقٍ جديدةٍ عبر الرواية.  لكن هل "قصّة" أم "رواية" هي التسمية المناسبة لما كان يكتبه؟

انطلق توم وولف نحو العصر الجديد في خضم التغيرات العالمية، فقد كان يجوب الولايات المتَحدة منتصف الستينيات وسط تصاعد حركات الحقوق المدنية وحرب فيتنام، كما كان على صلة بكلَ من نيل كاسادي وألن غينسبرغ أحد أبرز شخصيات الحركة الثقافية المضادة والذين ألهموا آبي هوفمان مؤسس حزب الشباب الدولي "ييبيز". تمثل روايته "اختبار حمض الكولايد الكهربائي" لمعظم الناس ما يعرف بـ "الصحافة الجديدة" بأسلوبها الثوري في نقل الأخبار - من دون أن تجعلها تبدو كالقصص الإخبارية - فهي تروي أحداثًا واقعية بلغةٍ متقنةٍ من الخيال الأدبي، فتسمح لك أن تكون شخصية من الخبر أو حتى كمراقبٍ وحكمٍ له.

بعد تخرجه من جامعة ييل في 1957، خطط وولف لكتابة "الرواية الأميركية العظيمة"، فأكمل أطروحة دكتوراه حول النشاط التنظيمي الشيوعي بين الكتَاب الأميركيين. ومن المفارقات أنه، وبعد ستة عشر عامًا، نشر كتاباته عن "الصحافة الجديدة" مهاجمًا الأسلوب القديم والمضلل للرواية الأميركية التي تخلت عن الواقعية الديكنزية مرفقًا ببيانٍ يوضح كيفية اعتماد الصحافة على التقنيات الأدبية من أجل الحصول على شكل أوضح من التوثيق.

ولوولف نظرة ناقدة ومتقنة في الكتابة، فهو لا يصدر الأحكام بل يولي اهتمامًا بالتفاصيل التي تشكل الصورة الكبيرة كالأشياء الصغيرة التي تتركها الشخصيات من المناديل المهملة، آثار أكواب الماء على الطاولات الخشبية، المنافض المليئة بأعقاب السجائر والمكتبات المنزلية المرتبة أبجديًا… ومع ذلك، يحرص وولف على تشابك روايته بشكل وثيق مع الحقائق على الرغم من التفاصيل التي تبدو غريبة أو الأوصاف الشاملة أو الاستعارات المفصّلة، كما يختار الشخصيات بثبات من ذلك الشريط الضيق بين الواقع والخيال، فهو بارعٌ بوضع القرّاء في مواجهة مع الأخلاق ومع أنفسهم. "اختبار حمض الكولايد الكهربائي" هي رحلة مليئة بالحماس لمجموعة من الأشخاص في مهمة لتحرير العقل الأميركي من المخدرات من خلال سلسلة من الاختبارات الحمضية المهلوسة، يغامرون بالدخول إلى عوالم غير مستكشفة من الوعي بحثًا عن "توافق الذوات" من خلال حالات من الوعي المتزايد التي ستربط الأفراد على مستويات خارج المجال المادي. لكن الرواية ليست كلها انتصارات. في الواقع، ينتهي الأمر بخسارة كبيرة، بعد سلسلة من الإخفاقات، مع فرار كيسي Kesey إلى المكسيك وتتبعه من مكتب التحقيقات الفيدرالي عند عودته. ولكن الكتاب أكثر من مجرد صحافة تقليدية أو رواية، فقد أصبح الدليل المركزي لفهم زمن الثقافة المضادة، كما شكّل عاملًا كبيرًا في انتشار ثقافة الهيبيز وسلّط الضوء على ممارسات وإيديولوجيات كين كيسي والمخادعين.

ومن المثير للاهتمام أن أسلوب وولف الجديد قد حقق "توافق الذوات" الذي كان يبحث عنه كيسي، ربما ليس بالضبط كما تخيله، ولكنه قريب بعض الشيء من عالم ما وراء المادة في روايته. فمن خلال تحديده لتقاطع وجهات النظر المعرفية بينه وبين القارئ يدفعنا وولف للتعجب والتفكير النقدي في الأحداث التي ينقلها إلينا، فيصبح المرء متشابكًا بذاتية واحدة مع وعي الكاتب نفسه.

بالطبع لم تخلُ الصحافة الجديدة من منتقديها: أولئك الذين شككوا في صحة روايات وولف وآخرون انتقدوا تمجيد المجرمين مثل نادي ملائكة الجحيم أو تعاطي المخدرات المتفشي، ما دعا إلى التساؤل عن الآثار الأخلاقية لتبجيل مثل هذه السلوكيات، كما ولا يعترف البعض بالصحافة الجديدة كنوع أدبي رسمي ومنفصل. وعلى رغم ذلك ظلّ وولف ملتزمًا بأسلوبه ورؤيته على أنّه مستقبل الصحافة، بحيث لن يكون للأدب الخيالي الرومانسي الخالص، بأبطاله الطيبين العادلين والأشرار الواضحين، أو للتقارير الجافة والموضوعية عن سرعة تغيّر العالم، أيّ تأثير على الإنسانية، فهو يرى ضرورة ظهور الشخصيات على حقيقتها، أن تتألم لتسعى نحو تحقيق ذاتها في عالم منخرط علميًا ومنفصل عاطفيًا، وأن تتشابك وتتكافل الذاتية مع الموضوعية.

حولت الصحافة الجديدة موضوعات الصحف والمقالات إلى شخصيات يتواصل ويتعاطف معها الجمهور، فلم يعد الصحافي غير مرئي والحدث مجرد حدث، بل أصبح "أسطورة". لكني أعتقد أن الخلل الحقيقي في أسلوب وولف الواعد لا يتعلق بما إذا كان واقعيًا، أو بأنه قد يشكل نوعًا أدبيًا أم لا، أو حتى بكونه عرضة لغرس قيمٍ غير تلك التقليدية - فالقيم غير التقليدية تغرس نفسها بنفسها - بل الأمر يتعلّق حقًّا بمصطلح "الصحافة الجديدة".

وولف هو من دوّن (صكّ) المصطلح في 1973. وتزامن ذلك مع نشره أول أنطولوجيا للصحافة الجديدة والتي تضمنت أعمالًا لمن واكب أسلوبه مثل هانتر طومسون، جوان ديديون ونورمان ميلر، وجميعهم قراء متعطشون لأفضل أعمال الأدب العالمي. وبينما يتحدث وولف عن التناغم الحتمي مع "نغمة" العصر – كما يسميها – فإن أسلوبه لا يتوجه إلى القارئ العادي، أي الخباز والخياط والعامل الذي يضغط على زر جهازٍ يقوم بالعمل نيابة عنه، فهؤلاء لا يبحثون عن استعارات خيالية أو تلميحات لآلهة يونانية قديمة، بل يبحثون عن الحقائق والأشكال والمخلفات الملموسة: ماذا حدث؟ من فعل ذلك؟ هل يشمل أي شخص أعرفه؟ إنهم مهتمون بخطوط الأساس، والأرض التي يعيشون فيها كوجوهٍ ضبابيةٍ وسط الحشود. 

وما يقترحه وولف في أسلوبه الجديد، ومثلما يفعله الكثير منا بانتقاء الكلمات الفاخرة من الحقل المعجمي الملتبس ما بين الواقعية والرومانتيكية، يشبه ما حاول البلاشفة القيام به. على خطى كتاب "بيان الحزب الشيوعي" كُتبت "الصحافة الجديدة" على يد مثقفين بعيدين إلى حدٍّ كبيرٍ عن مشاكل الإنسان العادي. هنا ينبغي بدلاً من ذلك، في اعتقادي، أن يُطلق عليها اسم "الصحافة السامية". فهي كالفنون الجميلة والأدب الراقي، غير مكتوبة ليقرأها العامة، لأنها لا تؤدي إلى الاستنتاجات التي يبحث عنها الجميع، ففي معظم الأوقات، ليس لها أي استنتاجٍ على الإطلاق.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: