"الإحساس بالتقصير تجاه الكم الهائل من التضحيات، يعني شو هاد لي عم تعمله مقارنة بيلّي عم تشوفه، الإحساس بالوهرة قدام هي التضحيات هي لي بتخليك دايما حاسس إنك أنت مقصّر".1

في البدء كانت الجريمة، تلاها العجز، فالحنق، فالغضب، فالسؤال…

تنهيدة… 

عزيزي الإنسان، أكثر المواضيع عصيّة على التفسير هي أكثرها بديهية. الأفكار الخام لا تحتاج إلى تنقيح، تتكوّن من حروف صلبة واضحة لا تستطيع الكتابة أن تلينها أو تزخرفها أو أن تجعلها أسهل على الفهم، "فصدقية الطريق لا تحتاج إلى برهان، فهي واضحة وضوح القيد."2

عزيزي الإنسان، هل أفسّر لك كيف تكون إنسانًأ؟ الأمر يتطلّب منك فقط أن تنظر إلى ذاتك، أو إلى أخيك الإنسان، في أي بقعة على وجه الأرض كان. تقول ريبيكا آي. دينوفا3 في تفسيرها للمقطع من سفر التكوين الذي يقول [فَقَالَ الرَّبُّ لِقَايِينَ: "أَيْنَ هَابِيلُ أَخُوكَ؟" فَقَالَ: "لاَ أَعْلَمُ! أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟"] إنّ "أَحَارِسٌ أَنَا لأَخِي؟" هو سؤال بلاغي حيث أن الجواب الواضح هو نعم. إنها استعارة حديثة لمفهوم أن البشر يجب أن يهتموا دائمًا ببعضهم البعض". عزيزي، "يصبح الإنسان إنسانًا من خلال الآخر"4 هذا ما جعل من الشخص الذي يدعى سيدهارتا غوتاما، يجعل منه "بوذا"، وهذه هي حكمة الأديان، أن يرى الإنسان أخيه الإنسان رغمًا عن نفسه، أي متجاوزًا لها.

يهدف التضامن إلى "بناء قوة جماعية لإحداث التغيير في المجتمع"، وفي حين أن أي تغيير على صعيد مجتمع ما يحتاج وقتًا ليتبلور ماديًا، فإننا في ظل الإبادة التي يتعرض لها أهلنا في غزة لا نملك رفاهية الوقت! وحتّى لحظة كتابة هذا النص لم تصل "القوة الجماعية" الناتجة عن التضامن العالمي مع غزة إلى غيض مما تتعرض له من قوة شيطانية مدمرة! وغزة هي مثال حيّ عمّا يمكن أن يطال كل شعوب الأرض بلا رادع لهذا الشر. غزة هي تجسيد لما تعرضت له شعوب الأرض على مر التاريخ من بطش واستغلال واستعمار واستعباد وصولًا إلى الإبادات التي فتكت بشعوب بأكملها. ولم يعد هناك حاجة لأن أسأل كيف حصلت هذه الجرائم، فنحن نشهد الواقعة وهي تحدث أمام أعيننا. 

عزيزي الإنسان، كما ترى فأنا أتخبط هنا بين أفكاري وكلماتي لئلّا أتكلم بفوقية أو تنظير، وأحاول أن أقول بمنتهى البساطة أن القضية قضيتك. وبكلماتٍ أفصح وأقدر على التعبير، يقول الشهيد الأسير وليد دقة "... إنّ الإحساس بالناس وبألم البشرية هو جوهر الحضارة. جوهر الإنسان العقلي هو الإرادة، وجوهره الجسدي هو العمل، وجوهره الروحي هو الإحساس." هل فهمت؟ القضية، الإبادة الجماعية، الغطرسة، الظلم، الإرهاب الفكري، تكميم الأفواه، القدرة على تهديد أماننا، على نسف حياتنا ولا كأنها كانت، ومن دون حسيب، وبانعدام الخشية من أي عقاب، بل بدعم من القوى العظمى في العالم… هذه قضيتك، فكيف تريد لنا أن نعمل سويًّا لحلّها؟

ما العمل التضامني الذي يتوازى بقيمته مع جملة "كان في استهداف في دار... جبنا شهيدين مقطعين…" التي تخرج من فم الطفل زكريا سرسك وهو يتحدث كأنما عن روتين يومي طبيعي لولدٍ في عمره؟ مظلّات سوداء تهبط من السماء؟ شخصية عربية تتفوه ببعض عبارات الأسى والحزن؟ مساعٍ للتفاوض مع المجرمين لم تثمر حرفًا منذ ثمانية أشهر؟ طيران ملك في سماء غزة يحلّق فوق غربانها؟… يتنقّل زكريا بين المصابين في المستشفى، يجلب بعض المستلزمات لطبيب في هذه الغرفة، يركّب محلولا لمريض، يلبي نداء مسعف لمساعدته، يحاول التخفيف عن الأطفال المصابين، يؤلمه أن يرى طفلًا يرتجف… زكريا متطوّع في مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح في قطاع غزّة، يبلغ من العمر 12 سنة، نازحٌ من الشمال، يرتدي ملابس التمريض ويتحدّث في مقطع فيديو باقتضاب عن بعض الأعمال التي يقوم بها، ويقول "منجيب إصابات عالجراحة وبنطلّع الأطفال ومنجيب المصابين عالأشعة ومنجيب شهدا نحطهم في الثلاجات…"، رأى أن مساعدة الطاقم الطبي في المدينة التي يقيم فيها - مؤقتًا - أفضل ما يمكنه فعله حاليًّا.

فما هو أفضل ما يمكننا فعله نحن؟ 

منذ بداية حرب الإبادة على قطاع غزة تنوّعت أشكال التضامن والمساندة، هناك من يرسل مساعدات مادية، وهناك من يتثقف ويدعو الناس للقراءة عن فلسطين ونشر المعلومات الصحيحة، وهناك من يدعو للمقاطعة ومن يهاجم الشركات الداعمة للاحتلال، وهناك من ينظّم المظاهرات في مختلف البلدان والعواصم، وهناك من يستقيل من مناصب رفيعة وهناك من يضرم النار بنفسه… كأفعال احتجاج على الجريمة. وكل ما ذكرته وما لم أذكره أفعال حميدة في وجه الإبادة. ها هي مشاعر الرحمة والتراحم تستيقظ في قلوب البشر، وها هم يتحرّكون، فأين مكمن الخَطْب؟ ما الذي لم نفعله؟ ماذا فاتنا؟ لماذا لم تتوقف آلة القتل بعد؟ لا تزال حرب الإبادة قائمة، إبادة كل مقومات الحياة في غزة، الروابط الأسرية، التعليم، الطبابة، التغذية… كل أشكال الحياة… هل تذهب كل جهود تضامننا ووقوفنا مع الحق سدًى؟ هل نستطيع القول حقًّا أننا فعلنا شيئًا ما من أجل غزّة في حين أنّها ما زالت تُقتل بأبشع الطرق وأكثرها دموية؟

كيف نتأكد أننا قمنا بواجبنا تجاهها إن كانت الحرب ما زالت مستمرة؟

عزيزي الإنسان، إنّ الكائن الذي يستطيع أن يولّد طاقة خارقة تخلّف فجوة عميقة في قلب الوجود، كتلك التي رأيناها جميعًا في مخيم جباليا بعدما استهدفه سلاح جو الاحتلال في 31 أكتوبر 2023، يستطيع أن يولّد طاقة جبّارة يجابه بها بشاعة بني جنسه ويرمّم بها ما أمكنه من فجواتٍ في هذا العالم. لا أُريد لنَصّي هذا أن يكون ورقة نعوة، ولكنني أيضًا لا أُريد أن أمجّد شيئًا لم يعطِ ثماره بعد، شيئًا هو دون المطلوب، غير كافٍ لوقف إبادة، إنّما أدعوك عزيزي الإنسان وأدعوني للبحث أكثر عمّا يمكن فعله لإيقاف الظلم مرةً وإلى الأبد.

في عالمنا هذا الذي يحكمه المال بصورة طاغية على أي شيء آخر، يجب على الفعل التضامني أن يتوجه إلى سبل تمكنه من وقف تدفق العملة في شركات كبرى ومؤسسات داعمة للاحتلال لتشكّل ضغطًا اقتصاديًّا ترغمها على التحرك عكس هواها، تعطيل حركة المرور في شوارع رئيسية في المدن الكبرى، والضغط على الحكومات بالإضراب الشامل وليس التظاهرات في أيام العطل! وحده الفيضان الشعبي يشلّ المسرحيات الدبلوماسية الهزلية! وهذا ما كان يجب أن يحصل منذ الأيام الأولى للإبادة…

في عالمٍ كهذا تحكمه حفنة من الحقارة والبلادة والشره باسم ديمقراطيةٍ مزيفة، معطّلة، منزوعة التأثير ومسلوبة المعنى، يجب على الفعل التضامني أن يكون بحجم الصمت وأن يقلبه ضجيجًا لا ينتهي! يجب علينا أن نتمسك بوعينا السياسي والاجتماعي حتى لا نضل الطريق التي ينيرها لنا شهداء غزة، فأقل ما يمكننا فعله هو أن لا نضلّ الطريق ثانية، أن نتخذها بداية تقويمنا الثوري، أن نبني عليها لبناء عالمٍ ينصفهم بعد أن خذلتهم قلة حيلتنا... وهذا أضعف الإيمان. ولذا، أنا من دون شكّ حارس لأخي. 

____________________

1 الجراح الفلسطيني غسان أبو ستة

2 الشهيد الأسير وليد دقة

3 الدكتورة ريبيكا آي. دينوفا، محاضرة في جامعة بيتسبرغ حيث تدرس المسيحية المبكرة في قسم الدراسات الدينية. وأنهت مؤخرا كتابها: "ديانات اليونان وروما" لدار نشر (وايلي بلاكويل).

4 مثل من شعب الزولو

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل أنقر هنا
Patreon support button