"هل أنت في فيلم أو في الحقيقة؟"- ويك إند، جان-لوك غودارد.

عزيزي أنطوان،

إنني أحاول جاهداً ألا أضغط على زرّ المسدس.

لقد أصبحتُ فجأة موضوعاً مثيراً للجدل. لستُ ممتعضاً من تشرذم الآراء حولي، لكن لماذا يتوجّب عليّ أن أُصنَّف كموضوعٍ أصلاً؟ في الأمر خشية. البارحة سمعت زملائي في الردهة يهمسون لبعضهم البعض سراً: "انظر إلى هذا الشيء الذي يعتبر نفسه مُبدعاً". هذا "الشيء" وهُم يقصدونني بذلك، كائن هجين، فاشل، مدعاة للسخرية. تَذكرتُ فان غوغ المشوّه وتمنيت لو أمكنني أن أقتلع أذني فوراً. البارحة أيضاً، وأثناء عودتي إلى المنزل، التقيت  بـ"آل" صدفةً. كان يرمقني بتلك النظرة (المُعتادة) القاتمة، المريبة من بعيد، وقبل أن نتصافح بقليل، ارتخت ملامحه المشدودة بعد أن بصق كلامه في وجهي قائلاً :" لا أعرف إذا كنت تسمّي هذا الشيء الذي أصدرته كتاباً. لا يحضر الأدب إلى حفلات النزق والنميمة". لا أُخفي عليك، لقد تفاجأت كثيراً بردة فعله. خلته بعيداً كل البعد عن رمي الاتهامات جزافاً، وأنه على علم ٍ مسبق بأن الإيروتيك هو أعلى درجات الأصالة في العلاقة التي تجمع بين اثنين. أخطأت في الحكم عليه. وعيي تجاهه خدعني، أحداث كهذه تحدث دوماً، لكن أن تجد جواباً يقتلع حيرتك بالصدفة فهو أمر نادر. فبَينما كنتُ أرتشف جرعات كبيرة من الندم محملقاً في العدم البعيد، وفي داخلي رغبة هائمة أن أدفن حياً مع كتابي الذي اعتبرته غلطة متسرعة، مغامرة خاسرة، ظَهر "آل" وأضفى بتصريحه المضحك صفاءً ناصعاً وسط عاصفة التشويش التي تورطت فيها. سرعان ما انتبهت أن تكاثر أقوال كهذه يصب لصالحي. الآن أنا في جوهر الوضوح، أن ينتقد أحد روايتي بناءً على سمات الشخصية المحورية فقط، هو أمر في غاية السذاجة لكنها خدمة ثمينة، غير متوقعة، وفيها شيء من الاستشراف. الآن، بتُ على دراية أن فحوى الانتقاد هذا، تشكل النظرة القصدية، الحقيقية، تجاهي أنا. أنتَ تعلم، ليست روايتي سوى إفصاحٍ حرّ، متفلت من شخص غير مكترث بالقواعد الأخلاقية السائدة، مثل وجوب إلقاء التحية صباحاً على الجيران أو عدم السخرية من العجزة، وتمجيد الجنس الجامح في المقاعد السيارة الخلفية. وهذه الشخصية فعلياً مستمدة بأكملها من تجاربي، وقد حرصت على نحت الواقعية لأبعد حدّ حتى أنني استعملت أسلوب "ستانيسلافسكي" المعروف بالتقنية، method. استغرقتني كتابتي لكل مشهد وقتاً طويلاً، ناهيك عن الإرهاق وتقلب المزاج الناجم عن الغوص في أعماق الذات واستعادة حقيقة التأثير بواسطة الذكريات. أن يمقتها "آل" النخبوي أو أن يستخف بها بعض الشعبويين كزملائي في العمل (وهذا حقهم) يدل على رفضهم لخاصيتي واحتقارهم للغرابة، وهذا يعني انتصاراً للراوي الذي شكلّت روايته مناورة تتحدى السائد، وصفعة موجعة للساعين وراء الامتثال وصنمية الشخص. لست مخوّلاً لتوضيح أي التباس وأصبحت معتاداً على التأقلم مع التُهم. ما يهمني حقاً أنه بدلاً من انصياعي في كبح التعبير وتزييف نفسي منعاً من أن أكون كما أنا عليه، اخترت الكتابة طريقاً للنجاة حتى لو أن الثمن قد يكون الجحيم. هذه خدعة تعلمتها منك تحديداً، ولو أنني لم آخذ بنصيحتك حول كتابة اليوميات. أنت تعرفني جيّداً، لا شيء مثير للاهتمام مستقر يومياً يمكن إضفاءه على يومياتي، أحياناً يمر أسبوع كاملاً من دون أن أعلم، أرى فيه الأيام بأعين سيوران "(الأيام) كلها بلون الغرق."

يجب أن أصارحك بأمرٍ هام. أصبح عملي في الجريدة يخلخل حريتي. فور دخولي إلى المكتب يتوجب علي أن أرتدي زيّ الجلاد. يتعيّن علي أن أُبدل وجهي، أن أنتبه إلى ألفاظي وأن أًطوّع نفسي لأستحسن بعض اللطف (وهو أمرٌ غير محسوم بل متقلب) وعلى راتب شهري. هذه شروط العمل، أن ترسم ابتسامة بلهاء على وجهك، أن تقول "هاي" ملحنة، فيها نغمة، للجميع، مرفقة بسؤال سريع عن أحوالهم ومن ثم أن تنقل أكبر كمية من أخبار الحروب والموت والأوبئة والمجاعة في أسرع وقت ممكن، بتجرد تام حفاظاً على الموضوعية. إنني أشارك بشكلٍ مباشر في المجازر. إنني أرتكب جريمة متعمدة على نفسي أولاً لأنني أغض النظر عن كل ما أؤمن به حقاً. إنني أمارس عملاً فظيعاً لأنني أعلم ماهية الضحية، وآثارها، فوَقع ضرباتي تكون أقسى. روتين أشبه بتلاوة المسبحة، عملي.  ثلاثة قواعد يجب أن ألتزم بها:

- عدم الانحياز لأي طرف إلا إذا كان واحدٌ منهما ممولاً للجريدة.

- كتابة جوفاء "محايدة" تُظهر فظاعة الحدث لكنها تُخفي الدوافع والمصطلحات التي تساعد على التوصيف والفهم (بحجة أن هذه المصطلحات كلمات كبيرة).

- تأطير القرّاء ضمن معايير مُحددة وتحويلهم إلى كتلة واحدة، متلقية، سلبية، هشة من السهل غرز المعلومة في وعيهم.

إنني أشارك في صناعة الاغتراب. وإذا استفاقت الإنسانية يوماً وأرادت أن تنتقم، ستجدني ذاهباً نحو المِقصلة.

سأقدم استقالتي قريباً، لن أتراجع عن الأمر. السبب الوحيد الذي جعلني أؤجل قراري هو يقيني أن الانشراخ الحاصل بيني وبين العالم، الواقع، هو اغتراب فعليٌ مزمن. لم تكن وظيفتي سوى خَيارٍ متعمد، غايتها حرق الوقت وكسب العيش. الواقع! هذا الدوّامة. هذا المأزق المُحكم الذي يفتقد لباب خلفي لتتنصل منه. خذها من "ريلكه": "هذا العالم نشيدّه فينهار، ثم نشيّده ثانية فننهار نحن". لا مكان ألجأ إليه وليس لدي ملاذ. أناقش أصحابي الشيوعيين فيتهمونني أني ليبرالي، أنتقد الليبراليين في وجههم فسيتخلصون أني شيوعي. أذهب إلى المكتبة العامة فأنزعج من جدّية القرّاء المتجهمين لأذهب إلى الحانة، فيستحضرني الغثيان من الضجر والسذاجة.

أنا، مثل الأرض، كائن مَبروم، مدوّر، أعانق هذه الدوامة (لأن ليس بيدي حيلة) مصاب بدوخة ولا أخمد. نصحني كاهن تعرفت عليه في المتجر أن أجنح صوب الاعتدال. ضحكت بوجهه حتى كاد يصيبني الإغماء. بدا منزعجاً لكن لم يكن بإمكانه أن يتذمر. هو بدأ يسامرني بعد أن كشفته يراقب بخبث نهدَي امرأة واقفة جنبه. هو محق، أنا مفرِط بطبعي، أريد كل شيء دفعة واحدة وأحرق كل ما أملك بولاعة، لكن لا يحق لمن يُقارب الأمور بطريقة عمودية (لا تصاعدية) ليتطهر ويترفع عما يجاوره أفقياً أن يملي علي ما أفعل! هذا الترفع المزيف لا ينطلي عليّ. لماذا لم يمارس ما نصحني به بدلاً من التحديق في نهود تلك المرأة؟ عبثية تشبه يافطة ال "ممنوع" المركونة بجانب كل حاوية نفايات بحجة أن المكان مقدس.

يومياتي تافهة، مجردة حتى من التفاصيل، هل اقتنعت الآن؟ كلّما ذهبت إلى البحر أتذكركَ وأتذكر أن رمي الحصاة في المياه، واللزوجة تحديداً، عاملان أساسيان لإثارة غثيانك. لا أفعلها، أنت صديقي حتى في الذاكرة. هل انتهيت من روايتك عن ذلك الرجل الشعره أحمر الذي يتسكع في المقاهي؟ هل ما زلت تشتاق إلى"آني"؟ هل ما زلت تسمع One of the days؟ حاولت أن أتصل بك في الشهر الماضي من دون جدوى. آنسة غريبة لا أعرفها ردت عليّ. أخبرتني بصوتها الناعم أن الرقم المطلوب غير متوّفر في الخدمة حالياً، من ثم شكرتني على المحاولة. بدت لطيفة للغاية وأرغب كثيراً في أن أحبّها. لن أتخاذل، سأوفي بوعدي وأزورك في سفرةٍ قريبة، لكن أوغاد الانتخابات وعبدة فرانكلين سلبوا مني ما أدخرته من مستحقات على تاريخ جرائمي. يا لها من دوامة!

ملاحظة: لا بدّ من أن ينتهي كل شيء.


*الشخصية الأساسية في كتاب جان-بول سارتر "الغثيان".