نَحى قليلاً إلى الأمام وأخذ الريموت كونترول عن الطاولة ليضيء التلفاز. ثوانٍ معدودة تفصِلُ بين حركة يده الفارغة والتقاطه للجهاز، كانت كفيلة ليتوجّس من احتمال إصابته بِعدوى قاتلة تجثم طويلاً على الأشياء. مثل صنمٍ من البرونز الذي لا يصدأ، لم يتغير منذ عقودٍ، لا يدير ظهره إلى الطريق عندما يجلس في المقهى ولا يثق بمن يحدّق في عينيه. "أين مبيدات التطهير والتعقيم؟" تساءل دون جدوى. اقتحمته البارانويا وجَمدَ مذعوراً. لم يكن في يده حيلة سوى أن يدفع ضريبة وسواسه، فقرر التوجّه إلى المرحاض ليأتي بالمُطهر علّه يستعيد روحه، متمتماً بشفتيه الرقيقتين "هذه المرأة مخبولة، هذه المرأة مخبولة! لم تستطع الحربُ أن تسلب حياتي، هذه المرأة ستفعلها"، متذمراً من زوجته. عاد وخلع حذاءه. تنفست إصبع رجله الكبيرة من جوربه المثقوب ومدّ رجليه على الطاولة ومن ثم وضع إذاعته المُفضلة ورفع الصوت إلى أعلى الدرجات. كان وقت النشرة الإخبارية المسائية التي تُلقيها مُذيعته المفضلة. يافطة مستقيمة، متوسطة الطول، كُتب عليها "كسّإمّك" موّجهة عمداً لكل من يُخالفها الرأي معلّقة في خلفية الاستوديو. الوقاية واجب يجرّ وراءه سلسلة من الشروط، إذا كنت تملك قدَراً وافراً من الموهبة يمكنك عندئذ أن تحوّل الشروط إلى فنٍ أو موضة. واقٍ ذكري كبير، بنّي اللون غطّى وجه المذيعة لتتجنب اللهاث وبكتيريا الموت الغافل. كعادتها، وعلى رغم غشاوة القناع المُعتمد، ظهرت مبتسمة بأسنانها التي تبرق بياضاً، مع جرعة مُرتفعة من الثقة تتجلى بحركة فمها الذي يلتوي كل مرة تعرض خبراً لا يُعجبها وباندفاعها المُدوي حد القتال، كأنها تعتبر تلك اليافطة سلاحاً شخصياً مشرّعاً للدفاع عن النفس في الأوقات الحرجة.

"أسعد الله مساءكم أعزائي المشاهدين، لقد فُضحت المؤامرة. إنهم يغزوننا من جديد. مجموعة من اللصوص المنافقين الذين يريدون أن يجعلوا وطننا العزيز الحبيب غابة همجية تناسب أفكارهم الشمولية. إنهم يدّعون الديمقراطية لكننا نعلم ضمناً أن الفوضوية هي مبتغاهم. لم يتعلموا من أخطاء الماضي، بالنسبة إليهم التاريخ هو محطة وقود لإشعال الحاضر. أعزائي المشاهدين، نحن في مرحلةٍ حسّاسة. إننا في صميم الحدث. يجب علينا العودة إلى الثوابت لاستعادة ذاتنا الجماعية بسرعة. نعم، نحن محبّي الحياة، نحن الذين نؤمن بوطن حرّ، سيد ومستقل سنستبسل في الدفاع عن قضيتنا المقدسة لكي يبقى وطننا منارة مشعّة في وجه هذه المشاريع القاتمة التي يضمرها داخلهم هؤلاء الغزاة. إنها مرحلة المواجهة، تتطلب من الوعي والحذر ما يتطلبه طالبٌ يريد أن يغش عن زميله في الامتحانات. لقد علمتنا مرحلة الكوفيد ديزنوف أن التباعد الاجتماعي ببداهة، الحلّ الأنسب لبَسط السيادة واحترام مزايا الاختلاف، التعددية وقيم الانفتاح التي نتحلى بها. لقد دقّ ناقوس الخطر، نحن في صلب المعركة والهزيمة ليست قدرنا. تذكروا دوماً أن الفيدرالية ليست يوتوبيا، الفيدرالية هي الحلّ. ورجاءً، لا تنسوا أن تتحلّوا دوماً ومهما اشتدت الظروف بحسّكم "الكلاسي" الرفيع، وحافظوا على شروط الإتيكيت، سنواجه المحن الصعبة كما اعتدنا، لن نتغير..." بانَ صوت الكاميرا مان فجأة صادحاً: "غصب عن الله تبع الله تبعك". أومأت برأسها بحزمٍ وكأنها أرادت من تصريح الأخير أن يكون بمثابة تهديدٍ قريب الأجل، وأكملت:" فاصل إعلاني قصير برعاية بنك بَيرود ومن بعدها نعود".

لحظات قليلة أخذته لكي يستعيد رشده. نظر إلى ثيابه بشفقة كأن كل ما يريده من العالم في تلك اللحظة هو رداؤه الأخضر الزيتي. شَعَر لوهلةٍ أن ذلك المقاتل الذي قضى ريعان شبابه متربعاً كملكٍ على الدبابة يقتات من الحواجز عاد إليه متقمصاً، كاد رأسه أن ينفجر من كثافة ضغط الدم المتدفق بسرعةٍ هائلة نحو دماغه. بصوت جرش قادم من حنجرة اقتلع منها الكثير بيديه الخشنتين لكل من لم يشبهه يوماً، نادى أولاده وطلب منهم القدوم إليه فوراً. "انصتوا إلي جيداً، أعلم أنكم مللتم من البلاي ستايشن، لكن صدّقوني إن الصُحبة التي تخلقونها أونلاين، أنظف وأشرف كثير من الذين تعتبرونهم رفاقكم في الحياة العادية. الكثيرون منهم يتمنون أن يحملوا اسمكم. لقد راقبتهم مراتٍ عدّة كيف ينظرون إلى منزلنا، عيونهم تُفرقع حسداً. إذا جاء ظرف الانتقام فستكونون أوائل المستهدَفين. يا أولاد، إننا نمر في مرحلةٍ خطيرة ويجب أن تعلموا أنه من اليوم وصاعداً، لن تُصافحوا أحداً إذا كان لا يشارككم جودة الحياة نفسها. نحن متفوقون...عليكم إدراك ذلك! احمدوا ربّكم على هذه النعمة وكونوا على يقين أنه إذا اضطررتم يوماً أن تبيعوا أنفسكم للشيطان لكي تحافظوا على نوعنا المميز فلا تترددوا بذلك!" أنهى حديثه بعد أن جف حلقه من حدّة الوعظ، ومن ثم نظر عن كثب في وجه أطفاله ليتأكد أنهم استوعبوا كلامه. كانت الحيرة على وجه ابنه الصغير تُعكر صفاء رسالته المنشودة وتمنعه من الفَهم. توجه إليه قائلاً "ما رأيك أن نلعب ini mini sini، إذا ربحتَ تلعب مع كل من تريد وإذا خسرت تنصاع لشروطي؟" ضحك ٱبنه الصغير راضيا بالعرض.

Ini mini sini…"

حسناً، تَمهل قليلاً أيها القميء! ماذا تفعل؟ هو بريء كفاية ليجهل أنك ستفوز بالغش، لكننا نعلم ذلك، فماذا تفعل؟ هل تقايض السلطة مقابل الحب؟ أرجوك، قل أنك لا تمارس الميكيافيلية في بيتكَ! غياب الحاضر يجعلك أسير حقبة زمنية معفنّة، أما أنت ففي يوميات أيامكَ العادية، لا يرف لك جفن للنوم قبل أن تتذكر وجوه من تكره مثلما يفعل الطفل الصغير في تعداده اللامتناهي للخواريف قبل أن يغفو. تَخال نفسك قويّاً جداً وبإمكانك الإطاحة بجيوش العالم كافةً، لكنك تخشى لمس الأشياء وتشعر بالذعر إذا حدقت في المرآة كثيراً. ليس في جعبتنا الكثير من الوسائل للصمود من فداحة الحاضر. أرقى ما لدينا أن نتقيد بمقولة لصديقكَ العزيز كارل ماركس: "التاريخ يعيد نفسه مرتين: مرة على شكل مأساة، مرة على شكل مهزلة". أن نسخر من طروحاتك اليوم، كثيفٌ عليك وكافٍ لدينا. تقول: أريد وطناً خلاباً، أريد فسحة جميلة مليئة بالأمل والزهور.. لكنك تناشد الفدرلة والتباعد، متأثراً ببراغماتية الذين سَبقوك: الوطن كالمواطن، إما الهيمنة إما الفوضى. منطقك المبتور فيه لذة للتفكيك، فيه ازدواجية قاصرة لا تحتاج منجماً ولا فيلسوفا. تبغي التباعد بشدّة لكنك لا تحتمل أن يمرّ يومٌ واحدٌ من دون أن تتصل بأخيك في القارة البعيدة بحجة الاطمئنان لكي تحافظ على تبرعاته الشهرية (200$ مثلاً كفيلة، برأي حكماء آخر زمن أن يعيلوا عائلة برمتها). أسرارك كثيرة وعاداتك أيضاً، شأن طبيعي بالنسبة لفردٍ طابَعُهُ انعزاليّ أن يشعر بالحرج في العام. في الخاص، تُشاهد كل أنواع البورنوغرافيا وتترقب صدور أجدد الأفلام وتدّعي في الوقت عينه أنّ لمحيطك خاصيةً معينة لا تتلاءم مع باقي الجماعات. في دمائك تسري فيتيشية الرعب، منها تستمد علّة وجودك، أنتَ تعطي حجةً ثم تعطي سبباً، وبين الحجة والسبب ليس هنالك من فارقٍ. أنت، كما اتَّهم شوبنهاور فلسفة هيغل، "تمضغ الحصى" في كل شاردة وواردة، ليلاً ونهاراً، ومهما بلغت الوسائل رثاثة، ففقط لتعطي نفسك امتياز الفرادة ولو تطلّب الأمر الٱستعانة بأسطورة عن الأصالة من هنا أو إيديولوجيا تُناسب حقائقك من هنالك، فما العلم بالنسبة إليك سوى محرمة رديئة تصلح لتمسح فيها قفاك. إسمع أيها القميء، صودف أننا في بُقعة جغرافية لعينة واحدة (وصغيرة) والحق أقول لك، مهما تقوقعت في المساحة وهيمنت بالخطاب، لا تعدَّ نفسك منتصراً، إذا لم تكن على علمٍ من قبل فاعلم الآن: هنالك أصوات داخلية (تسمعها أحياناً في منامك) "بسيطة كالماء واضحة كطلقة مسدس"، لا تحدّها المسافة ولا تعرف الإقصاء، تتردد مع كل الصدى وتخرق كل جدار.


كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: