يرانا البحر من خلف الحديد الصدئ. ثمّةَ غشاءٌ يقف بيني وبين البحر. أنا الإنسان الشيء الموجودُ الغائبُ عن مدينتي. تأتي غربتي من عزلتي عن مدينتي. شبكٌ حديديّ يقف بيني وبين البحر.

تأتي غربتي من وجه سعديّة متكِّئة على الكرسي. جميل هذا البحر البيروتي. تقولها وتنظر إلى التلفاز. تأتي غربتها من غرفتها الضيقة السحيقة ومن شبّاكها الذي لا يتسع لرأسها كي تنظر إلى البعيد. تأتي غربتها من رؤيتها شمسَ غرفتِها بين الثامنة والعاشرة صباحًا بالتوقيت الصيفيّ. تأتي غربتها من قانون البناء اللبناني الذي أدرج غرف الخدم مع الحمامات وبيوت الدرج التي لا تحتاج لمدى وقوع نظر.

تأتي غربتنا من انعدام النظر لانعدام المشهد. يأتي انعدام المشهد من انعدام حقوقنا ببحر مدينتنا وأرضها وهوائها. يأتي الاغتراب قاسيًا. يأتي الاغتراب أقسى ضمن حدود الوطن الأصلي. يأتي الاغتراب على يد رهطٍ من الناس قاسوا مدى وقوعِ النظر ثمّ برمجوا المدينة.

يأتي الاغتراب على شكل هلوسات عنيفة. عالقةٌ أنا في آلة للبيع بقطع نقدية. أنام مع سائر المنتوجات، أنتظر دوري. هناك في زاوية الغرفة مقاول يريد ردم البحر. يقترب مني ويضع القطعة النقدية. رقمي أربُعمائة وأربعون. أتنقّل بين المنتوجات وأصل إلى يديه. أنا، سوف أوضع في آلةِ طحنٍ هائلة، أنا وسائر الأجياف الموزعة على باقي الآلات الممتدة على حجم الوطن. سوف يضعونني في مطحنة عملاقة وسوف أمسي طحينًا ناعمًا. إنهم يعلّبونني بأكياس ورقية أكثر صداقة للبيئة. يكتبون على الكيس "عظم ناعم طريّ". يطبعون من الخلف "صناعة وطنية". يأخذونني إلى موقع البناء ويباشرون صناعةَ الخرسانة. إسمنت ورمل وماء ملوث وزلط و"عظم ناعم طري" لباطون أكثر صلابة. أغرق في الخرسانة فأرسخ للأزل.

يأتي الاغتراب على شكل قانون معيّن وعلى شكل غرفة ضيقة وعلى شكل شبّاك يطلّ على حائط إسمنتيّ وعلى شكل برج عملاق اسمه سما بيروت وعلى شكل تنظيم حَضَريّ لا يتيح لي رؤية سماء بيروت وعلى شكل جرّافة تهدم ما تبقّى من الحيّ وعلى شكل لوائح إعلان عملاقة لشركات عقارات تقدّم لنا بيت السعادة الأبديّ وعلى شكل بركة ماء متروكة مهزومة لا ماء فيها في حديقة عامّة أصغر من أن تُرى وأضعف من أن تُشم وعلى شكل وعود كاذبة من وزراء الثقافة وعلى شكل الثقافة المقنّعة وعلى شكل أقنعة بيروت وعلى شكل عمارات بيروت وعلى شكل سبينيس وبضائعِه المكدّسة بعضُها فوق بعض وعلى شكل مخيّلتي التي استبدلت علب الإندومي على الرفوف بأجسادنا على الطوابق وعلى شكل مخيلتي التي استبدلت المعلبات المتطابقة على الرفوف بالعمارات المتطابقة المصطفة على الشوارع وعلى شكل الوجه الحزين لعاملة سبينيس وعلى شكل الحزن الكامن في تسعير ثلاثمائة منتج متطابق في اليوم الواحد وعلى شكل "أنا" المعماريّ المتضخمة وعلى شكل المعماري الذي لا يشعر وعلى شكل الشعور المخدّر وعلى شكل التكرار اليوميّ المديني وعلى شكل أول نزهة أمام البحر وعلى شكل ثاني نزهة أمام البحر المغلق وعلى شكل ثالث نزهة أمام العدم وعلى شكل الموت البطيء للمدينة وعلى شكل المباني الشاهقة الفاغرة وعلى شكل الفضاءات المسحوقة وعلى شكل ما كانت عليه وعلى شكل المستثنى من الاغتراب الذي دوما لا يستثنى وعلى شكل ذاكرة المدينة المنسولة وعلى شكل المدينة المسلوبة وعلى شكل السلب الممنهج والهدم الممنهج والموت الممنهج وعلى شكل بيوتنا التي باتت سجونا وعلى شكل السجون التي باتت بيوتا وعلى شكل أشكال العمارة الباهتة والطامحة إلى السماء فلا نطالها ولا تطالنا وعلى شكل التمدّن المزيّف وعلى شكل التقليد الأعمى وعلى شكل الكسارات الآكلة بطونَ الجبال وعلى شكل الجبال التي تريد أناسَها وعلى شكل أناسِها الذين لا يريدون إلا أحشاءها وعلى شكل الأحشاء المهترئة الممتلئة بسموم اللحوم وعلى شكل أحشاء عماراتنا الممتلئة بالملل الطويل وعلى شكل الملل من الاغتراب لأننا ألفناه وعلى ألفة كل ما هو ليس بمألوف كأنْ يعيش بعضنا فوق بعض في غرف ممتلئة دون شمس أو نور وكأنْ نرى سماء المدينة من وراء الأسوار وكأن نحب شجرة في آخر شارع الحي وكأن نراها تُقتلع من جذورها فنمشي متلكِّئين خانعين قابلين بالعنف الوارف المخضرّ المتجدد الذي يقتلع كل شجرة ويجلس مكانها. 

يأتي الاغتراب على شكل الأبنية القائمة وعلى شكل الأبينة اللاحقة وعلى شكل بُعدِ البحر والهواء والشمس عنّا وعلى تشيُّئِنا شيئًا فشيئًا وعلى شكل ترويض العمارة العنيفة للوحوش الكامنة في أجسادنا.

يرانا البحر من خلف الحديد الصدئ. لا نطاله ولا يريد هوَ أن يطالنا.