الإفلاس عامّةً يُستعمَل كمصطلحٍ لتوصيف وضعٍ إقتصاديٍ وحالة تجارية إنحداراً باتّجاه الإضطراب. فكيف إذا كان الحديث عن إفلاس الركائز الثلاث : الإقتصاديّة، السياسيّة والأهمّ إفلاس المجتمع الإستعراضي. مُثلّث الإفلاس هذا يُشيع اضطراباً ماديّاً نفسيّاً وعضويّاً، لذا، لا داعي للهلع، فقط إربطوا الأحزمة واستعدّوا للإنهيار، والجنونُ بانتظارنا في الأسفل.

لجميع "المهلوعين" مؤخَّراً من الأزمة الإقتصادية، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الحرب الإقتصادية بدأت مباشرة بعد انتهاء الحرب الأهليّة، أو الحرب الكونيّة على الأراضي اللبنانية، كي لا تُمَسّ مشاعر أحد مِن التسمية. فالسياسة الإقتصاديّة التي حَذّر منها البعض في مطلع التسعينات، وكان محتَّما أنها حافلة جميلة مِن الخارج ولكن نيّتها الخبيثة هي إيصالنا إلى الإفلاس. لم تكُن باليد حيلة. زُرِعَ وسطٌ تجاريٌّ في عمق عاصمة إسمها بيروت (لا نريد الإستفاضة للتذكير بالهويّة الحقيقية المسلوخة لهذه المنطقة) ووُلِد معه حلمٌ يراود أجيالَ ما بعد الحرب بإستعادة هذا الوسط الذي حُرِّم اقتصادياً على الكثيرين إرتيادُه، واسترجاع زمنٍ جميلٍ لم نعرف منه سوى الصورة والكلمات. لم تَسلَم الأملاك البحريّة من هذه السياسة المتوحّشة، فقُسِّمت الممتلكات العامّة بين الناهبين ولم يبقَ صندوقٌ إلّا وتمّت مصادرته ونهبه، من الجنوب وإنطلِق صعوداً. حتّى فرصة الغرق مجاناً في أملاكنا البحرية حُرِّمت علينا!

ما نشهده اليوم من فوضى عارمة في الأسعار والهجمة الشرسة للتجّار إلى لعبتهم الوسخة - والآتي أسوأ بإذنه تعالى –، يؤكِّد نجاح السياسة الإقتصاديّة بالإيصال إلى الإفلاس المُمنهج. أرواحنا وأحلامنا تمّت خصخصتها، لتصبح خصخصةُ القطاعات كافَةً مجرّد تفصيلٍ. أطنانٌ من الأموال تُطبَع، وليس وقفاً للمعايير القانونيّة، ممّا يؤكِّد أننا نتعامل بعملة ورقية وهميّة فلا داعي إلّا للهلع! وما إذلال المودِعين داخل المصارف عند المطالبة بحقّهم إلّا مؤشِّرٌ لتمرين الأسنان والأنياب على أكلِ كلّ ما هو متوفّر، حديداً، إسمنتاً، أسلاكاً شائكة، وربما بشراً أيضاً. إذا ضَرَبكْ الجوع ضربْلَك مصرف!

وبمناسبة المئويّة الأولى لولادة ما يُعرَف بـ "دولة لبنان الكبير"، هذا الكيان الذي إتُفِق عليه (حُبّاً أو مصلحةً) بأنه نهائيّ، تبقى هناك الكثير مِن الأسئلة التي تُطرَح حول ماهيّة ولادته، وشبه غياب للثقافات والسلوكيّات الإجتماعيّة المشتركة بين مناطقه التي سُلِخَ بعضها للتأسيس. كيانٌ وُلِد وهو في انتظار الإنهيار المؤجَّل، وأثبتت ذلك الظروف التاريخيّة التي أظهرته على أنه كيانٌ من زجاجٍ، معقَّد التركيبة، بَهيّ الحُّلة ومُفلِس الجوهر. ففي البدء كانت الهوية، والإختلاف عليها من البداية، مستمراً حتى النهاية.

لبنان ذو الأوجه المتعدّدة، وجهاً لوجه مع ساحة الصراعات وتصفية الحسابات، لا حَول ولا قوّة تتمكّن من مزج أحد أوجهه بالآخر. ببساطة، هذا التعدّد الطائفيّ الثماني عشري، الذي عجزتْ أعظم الدراسات الأنثروبولوجيّة على معرفة ما هي إيجابيّاته سوى جلب الويل، وهذه الخلطة العجيبة، أخرجت من رحمها إفلاس القرار السياسي ورهنِهِ مباشرةً بالخارج والإرتباط الأعمى، مقابل تجذّر الطبقة التقليديّة وتعزيز المحاصصات، وأجمل الأمور بكسر اليد ومدِّها للخارج لـ"يتحنّنوا" وتتدفّق الأموال التي مصيرها أن تصبح منهوبة.

هذه البلطجية التي نراها اليوم والتي يمُارسها حُماة السلطة الفاسدة، والإصرار على إنعاش الطبقة الأوليغارشيّة، ما هو إلّا جنون الإفلاس وربّما بداية إنهيار بعض "الأرقام الصعبة".

لا لوم على تحوّل مجتمعنا إلى مجتمع إستهلاكيّ، فهذه الحالة باتت أمراً واقعاً عالميّاً، ولكن هل الميزان متكامل؟ الإستهلاك مقابل الإفلاس الإقتصاديّ وتراكم الدّيْن، فنسيَ اللبنانيّون البِساط ومدّوا أرجلهم دون حِسابِ خطّ الرجعة. وكان اللهو بالخطة المُمَنهجة للإعلام للإنصياع إلى الفنّ الهابط، واستعراض ثقافة الخضوع، والتخدير وذوبان ثقافتنا باستيراد أخرى بلونٍ غربيٍّ ولكن برائحة نتنة. هذا توازياً مع التهليل لثقافة التطبيل والتهريج الإعلاميّ، المروِّج الخبيث الأول للتجذّر التاريخيّ للسلطة الفاسدة وضمانتها اليوميّة. مجتمعٌ مُتلقٍّ للصورة أو الخبر فقط دون تحليل، فمن الممكن لأيّ خبرٍ وهميّ على مواقع التواصل الإجتماعي أو عبر الهاتف أو الوسائل الإعلاميّة أن يُشعِل بركاناً لا حدود له.

بالعودة إلى الاختلاف المناطقيّ، فالواقع تاريخيّاً مريرٌ جداً، ويزداد مرارةً، والإنفصال الاجتماعيّ واضحٌ عين الوضوح، والإنشقاق الثقافيّ-الإجتماعيّ لا يمكن إخفاؤه و"ترقيعه". فهل هي سخرية قدرٍ أم حتميّة قدر أن الإنهيار واقع في بلدٍ بهذا الحجم الجغرافي الصغير، وعلى بعد كلومتراتٍ ضئيلة مجتمعاتٌ تعاني الأمرّين، حتّى في قوتها اليوميّ مذلولة، ومجتمعات أخرى تَسحب الأموال مِن الماكينات، التي تتجسّد أُلوهِيّتها يوماً بعد يوم، للإنقضاض على الولائم والأراجيل وترسيخ استعراضيّتها. من هنا ندرك أنّ مصطلح "العيش المشترك" يؤكّد حتميّة وجود مرض عضويّ لهذا الكيان في الأصل.

هو مجتمعٌ إختار المنظّمات غير الحكوميّة ومشاريعها "الغامضة" وانغرَّ بالأموال الطائلة التي تُدفِقها هذه الأخيرة، عوضاً عن طرح مسألة إختفاء دور النقابات – وما أدراك ما دورها! -، على سبيل المثال. بلدٌ تمّ العمل المتقصّد لأن يقف على رجليه فقط إذا كان قطاع الخدمات والسياحة شغالاً، فكيف لا يكون مصيره الإنهيار؟

نحن في مجتمعٍ مؤلَّف من "متواطنين" لا يُعجبهم العجَب ومتمسِّكين بالتذمّر من كلّ شيء، المعيشة، الطرقات، الفساد... هو المجتمع نفسه الذي خلق الطبقة الحاكمة منذ بدء التكوين، حافظَ على إعادة إفرازها مراراً، وضع نفسه بالموقدة دفاعاً عن عرشها ورمى الوقود منذ عقود على كلّ مَن حاول طرح أيّ مشروع للإطاحة بهذه الصيغة البالية.

باختصار، أنت محكومٌ بالبقاء بين المطرقة والسندان، مطرقة الطبقة الحاكمة الفاسدة وممارساتها الفاجرة، وسندان الطبقة عينها والتي تعرض نفسها كمشروع لمكافحة الفساد. هذا هو جنون الإنهيار. فمن سيضرب بالفأس رأس "الصيغة اللبنانية"؟

يُشاعُ أنّ لبنان عموماً ومدينة بيروت بالأخصّ تعرّضت منذ قرون، وعلى مراحل عدَّة، لزلازلَ مدمِّرة ابتلعَتْ بشراً وحجراً، ويُشاعُ أيضاً أن البحر إقترب أميالاً من اليابسة، وأنّ هذه المدينة، على حالها الآن، هي مدينة فوق عدّة مدن مدمَّرة. التاريخ ربّما سيكرِّر نفسه ولكن بسخرية بشرية هذه المرّة.