"وقد أرداه قتيلًا من أجل حِفنةٍ مِن الدولارات". نعم أرداه، ولكن المفارقة أنه لم يَعرِف مكان الدولارات، فلم يحصل على شيء، إنّما تخلّصَ مِنه بدم ساخنٍ، إثر شجارٍ حادّ فاقمه خلافٌ على نسبة هذه الحفنة التي يريد سرقتها، أولًا، وثانيًا لشدّة حرارة الطقس الذي لم يَعُد يُحتَمل. تابِع سَيْرَك.

"بيطار أسعارو نار"، هي لافتة مِن الزمن البعيد، وبطبيعة الحال هي عابرة مثل أيّ لافتة وما مِن حاجة ذات قيمة للتوقّف عندها والتعليق، خاصةً الضحك. لكن لطالما ضحكنا عليها بهستيرية أنا وصديقي بول - آي.كاي.آي "آل" – لأسبابٍ حتّى نحن نجهلها بالمطلق، لكننا على دراية بها ضمنيًّا. لافتة بإمكانها أن تجعلنا في بضع ساعاتٍ نُشغِل جميع المراوح بعد زجاجة ونصف من الويسكي الفاخر الذي يَشرب منه أصحاب القلوب المرهفة كأسًا واحدًا في المناسبات، في أيّام الهبوط أو أيّام شحّ العملة الصعبة. صعبة!

لعلّ فسحة الأمل الوحيدة في ظلّ الأزمة المتصاعدة يوميّاً  - ولم تبلُغ ذروتها بعد - هي إنقطاع وجود تلك اللافتات الباهتة الخبيثة كمروّجيها تجّار أرقام الحسومات المئويّة. إنحجبَتْ الرؤية.

غنّوا للأزمة و"تَشْتِشوها" كي تكبُر وتبلغ ذروة سنّ الرشد. غنّوا لها "يا مين يديّني يديّني ميّة، بوكرا عالعيد بْرْدّلو هيّي"، واتركوا الباقي عليّ وعلى أعدائي. 

قِفْ!

"لا تعبدوا ربّين، الله والمال". واخترت الإبتعاد عن عبادة الإثنين. وخُذْ تلك النتيجة: كوكتيلاً مِن الاضطراب،  القلق، الحقد، البؤس، الحزن، الحسرة، الغربة، العجز، اللاإنتماء، الإنهيار، الجزّ على الأسنان أثناء النوم والقليل مِن الرغبة. خذوا منّي كلّ ما أملك مِن كراهية وشؤم مقابل عظامكم حسب سعر صرف سوق العهر اليوميّ، عظامكم الطريّة، لأطرق بها على ضرس العقل الغائب فاقدِ الوعي.

أخبرني أحد الأنبياء - ولن أدخل في لعبة الأسماء - أنّ الدولار وجميع العمولات النقديّة الأقلّ صعوبة مقبِلة على الانقراض في الأسواق العالمية. وأنا طبعاً لم يأخذني الكثير لأصدقّ ذلك كوني مِن روّاد عشق نظريّة المؤامرة، لا بلّ أنني في مرحلة متطوِّرة مِن هذا العشق، وهي عملي الدؤوب على حياكتها يومياً.

الصمت القاتل يخيِّم على المقهى، وقلّة مِن الذين بقوا على قيد الحركة الاعتياديّة لفظتهم بيوتهم خارج حيطانها. وجوهٌ شاحبة وحالة عجز ولاانتماء تنتابنا حتّى ألسنتنا. أحد العاملين في المقهى، وهو مِن التابعيّة الأجنبيّة، يكسر صمتنا بين الحين والآخر، محاولًا أخذ معلومة مفيدة منّي، أنا الذي أستمع لهاجسه مرغمًا ومحاولًا بصدقٍ أن أنهي المسألة التي تدور في رأسه، بإعطائه جوابًا نهائيًا على إن كان يجب أن يحتفظ بمبلغٍ زهيدٍ جمعه لإرساله إلى البلد الأمّ، أم أن يستعمل النقود كورقٍ صحيٍّ لكونه من متابعي إحداثيّات أسعار الورق والمحارم بحكم عمله. العجز عن الإجابة ألم عميق في الصميم والصمّامات الأربعة. لم أعد مدركًا إن كان الصمت جهلًا وخللًا في القدرة على التحليل أم أنّي دخلت حالة الغثيان المزمنة. بِئْسَ الأسئلة!

يصف "هيجل" حياة الإنسان المغترب الذي يعيش في عالم ميّت لا إنساني "بأنها حياة متحرّكة للأموات".

لو كان في وسعي لما تأخرت رصاصة واحدة عن إطلاق عيارات موجّهة على ارتقائنا من حالة الجهل إلى المعرفة، وبالتالي معرفة الذات ومعرفة العالم.

منذ أكثر مِن عقد والطلاق قائمٌ مع القِيَم المحيطة بِي، وأحرص دائمًا على سَقي الجدار الذي بنيته بيني وبينها. أغنّي له يومياً لعلّه يَكبُر.

تعِبتُ كثيرًا في نقش تمثال أوّل مغترب داخلي… مستحيل أن أسمحَ لشيء بتدميره. لم يتبدّل المشهد عليّ وقد تجذّر فيّ منذ زمن، لكنّي أشعر الآن وللمرة الأولى بأنه يطال كثيرين، عدم الشعور بقيمة الذات وانعدام المعنى. لا هدف أو حتّى غاية. الجوّ حارّ جداً والحبل يلتفّ على الرقبة.

لا فرصةَ لك لتصبح ذاتًا. شعور الانفصام والانفصال عن الذات، وعن الآخرين تلقائيّاً، والصراع بين مكوّنات اللّاوعي الدفينة في الذات وبين الذات الواعية يتفشّيان بوتيرة سريعة وبتوزيع مناطقيّ وطائفيّ عادل، لحسن حظّ الصيغة.

لا شكّ أن أصحاب الأموال الطائلة والمسؤولين عن الغلاء المتوحِّش – المصير المحتَّم لأزمة متراكمة - يعانون القدْرَ نفسه مِن الاغتراب الذي تعانيه "الطبقة" التي تنحدر نزولاً نحو المجهول.  

لكنّ الأوّلين يجدون في هذا الاغتراب الذاتي ثباتًا لهم ومصدرَ ازدهارهم وقوّةً خاصة، وبمعنى آخر، مظهراً للوجود الإنساني. أما "المنحدرون" نزولاً فيفتِك بداخلهم شعور بالانسحاق في اغترابهم الذاتي، ويُثبِّت فيهم بؤس الضعف وحقيقة الوجود اللاإنساني. 

أمّا المرض الأخبث فهم المحكومون وسطًا، ويسيطر عليهم "الامتثال"، فينصاعون للأمر الواقع بظروفه كواجب، ويتآكل الاغتراب منهم في الداخل. لا أعلم كيف يُشرَح في علم النفس أو علم الاجتماع خطر انزلاق مجتمعٍ بأمّه وأبيه، إقتصاديّاً، لأسفل الأسفل ويبقى طافيًا على سطح الماء. إلهي إلهي، كيف تفسرّ هذه المعادلة: ارتفاع الأسعار  🡨انخفاض العرض 🡨 زيادة في الطَلَب.

يقول "كافكا" في روايته "التحوّل": "استيقظَ غريغور سامسا ذات صباح، على أثر أحلام سادها الاضطراب، ووجد أنه تحوَّل، وهو في سريره، إلى حشرة عملاقة".

عندما تجد نفسك جالسًا على "خازوقٍ" ذي ترويسة مفصَّلة بإحكامٍ، بمشيئته تعالى، القاعدة الأولى والأهمّ هي ألّا تتحرَّك وتحاول التذاكي. إجلِس بثباتٍ وادْعُ. 

عندما تشعر أنّ الإحساس تجاه الأحبّاء المقرّبين قد دُفِن في غربةٍ صفراء هو وكُرَياتك الحمراء، وأنه لا قدرة لك، أثناء إنهيار أرواحهم، سوى على متابعة مقطع قديم لأهداف كرة قدمٍ، الأهداف الوحيدة... هنا يكون المنحدَر الخطير.
منذ النوتة الأولى لأغنية الحنون راعي البقر "نيل يونغ" والمشهد لم يفارقني مُدندِنًا لحبيبته:

Down by the river, dead, dead, oh, oh, shot her dead... 

لم أحلم عندما أكبر أن أصبح طبيبًا ولا عالم فضاء. كلّ ما حلمت به هو أن أحذو حذوه بمحاذاة النهر وأفرِغ غُربتي في رأسها وهي تستفيض بالحديث، وسعر الصرّف يُصارِع أفكاري صعودًا ونزولًا، وكلّ ما أكره مِن شمسٍ كان حاضرًا.