أكرّر. الماكِرون البائعون والمشترون، المتاجرون بالدماء والأرواح والهواء، المتملّقون المأجورون وعلى الزحف هارِعون، المرهفو الإحساس المهووسون بالخضوع والخنوع، الجائعون دوماً ولا يشبعون، الطامعون الطامحون منذ أوّل وهلة لَفَظَتهم بها الرَّحَم خارجاً، المبتسمون المتألّقون الذين كيفما أودى بهم الزمن يبقَوْن واقفين، العاشقون للتفاؤل على حساب الأمل، محبّو الحياة على حساب الحياة. هم جميعاً المنتصرون في أمّ المعارك وكلّ المعارك. 

تبدأ المعارك إلتحامها بنا أثناء الولادة مباشرةً، حيث كان بانتظاري، وسيكون بانتظار أيّ بائسٍ عاجزٍ، المِنشَفة، رقائق الجبنة وجينات النكبة والنكسة. 

لي صديق عزيز خفيف الظلّ وثقيل المعرفة، يعمل منذ زمنٍ بجمع ما تيسّر له مِن الأشياء القديمة ويبيعها، استطاع في إحدى حلقاتنا المخمورة اللامتناهية أن يفشي لي سرّه، بعد اثني عشر عاماً مِن المعرفة والتواصل. كنّا قد أشغلنا جميع المراوح في داخلنا، وكان مخموراً ولسانه يتلَوْلَب في فمه تماماً كثقل إدراكه. هو سرّ برِداء صدمة، يكشف سبب تعاسته المخمّرة واختفاء أسنانه عن الظهور في المشهد اليوميّ، فبعد وقوع النكسة العربية عام 1967 توقّفت وظيفة الإنتصاب لديه بشكل مطلق. النكسة.

يقول الشهيد غسان كنفاني "العدو قد يرغمني على الهزيمة ولكنه لن يرغمني على الضحك". 

الخسارة هي بحجم كوكبٍ لا يعرف كيف يميّز بيننا مِن بعيد. وحده الضحك ما زال يطرق مساءً على أبوابنا وسهراتنا وحياتنا المخلوعة المفتوحة على مصراعيها، قارعةً الطبول قبل مَصرَعها المفجِع. لم يبق سوى الضحك والعظام. الضحك حتى ترتطم رؤوسنا بالجدران وتتأرجح أسناننا في أفواهنا. الضحك على كلّ شي وعلى أنه لم يتبقَ أيّ شيء. وراء كلّ مشهد ساخر نقوم به أو ردّة فعل ساخرة ننطق بها بعد الدمار تلو الآخر، أطنان مِن الإحباط المُزمِن المتمركِز هنا، وحسرة مِن الموت الآتي بعد النشرة المسائية.

أعود وأكرّر. المَخرَج الوحيد للهزيمة ومرارة الإحباط العُضال، كما والشلل الكامل المتمايل، هي بكثير مِن القسوة والبطش وخطوط مِن الدماء. ومِن الحبّ ما فتَكَ.

يروي الأديب الألماني "هيرمان هيسه" في كتابه "الرحلة إلى الشرق" بعد زيارةٍ كان قد أقامها إلى بلاد الهند التالي: " صرتُ الآن أتقبّل ساعات اليأس كما يتقبّل المرء الألم الجسدي الحاد. يتحمّله المرء وهو يتذمّر أو يصبر، يحسّ المرء به يكبر ويتزايد ويكون هناك أحيانًا فضول هائج أو ساخر حول المدى الذي سيصل إليه وإلى أي مدى يمكن أن يزداد الألم".

أمرّ نتيجة نصل إليها هي الإدراك بأنّ اليأس قد تفشّى في كل جزيئاتنا، بالغاً ذروته مثال انتحاريّ يائس لم يجد منفذاً آخراً، وهو واقع وليس توهّم للإتصاف بحالة مميّزة، وإدراكنا بأن الإندفاع والأمل هما صفات مرتبطة حصراً بالأساطير. السيطرة لم تعد باليد ـ وليس باليد حيلة. وهذه هي حرب مفتوحة مع الإدراك، هي حرب محتمّ فيها هوية المنتصر، وإنمّا الأجدر بنا المناورة والمماطلة والأوفر حظّاً بنا هو الذي يصل إلى أقلّ درجات من الجنون ويتآكل دماغه ببطء ودون ضجيج.

إخفضوا راياتكم. النصر ليس للآلهة ولا للجنود ولا للضباع، ولا حتى لِمَن مات كالأشجار أو عواميد الكهرباء وقوفاً. النصر الوحيد هو للذين لم يعد اليأس ضيفاً ثقيلاً عليهم. 

أذكر ذات مرة في يوم شتويّ حذر والمطر ينهمر بغزارة، دار حوار خاطف بيننا لم أعد أذكر أيّ مشهدٍ صوريٍّ له سوى مضمونه. وبعد سردٍ للوقائع تخلّلته بعض الإنفعالات الديناميّة والشجار مِن طرف واحدٍ، لمدّة حوالي ربع ساعة بوتيرة متواصلة، سألَتْني: "إسمع، بإمكاني أن أطلب منكَ شيئاً؟" فأشعلتُ سيجارة للتمويه عن توتّري وقلت "برأيكِ، ما هو الحلّ الآن؟" فأجابتني بطرف ابتسامة قهرٍ وتعاسة "لقد خيّبتَ جميع آمالي"، ثمّ مشتْ حتّى قبل أن أنهي سيجارتي. 

كان وقع هذه الثواني المعدودة كصاعقة هبطتْ على كتفيّ، بالتوازي مع سخونة هائلة ما لبثتْ أن تحوّلتْ إلى جوٍّ باردٍ وجاف وعجْزٍ لا نسل له. رحتُ أفكّر بمفهوم الخيبة الذي ظننت أني أعرف عنه الكثير، ناسياً "جميع الآمال" وما المقصود منها - مبالغةً أم صدقاً، وبدأت رصد الحسّ الشعوريّ لديّ واضعاً نفسي في حالات الخيبة التي أعرفها مقارناً بينها وبين هذه "الخيبة" لعلّني أخفف مِن وطأة الأخيرة. عبث. 

منذ هذا الإنكسار المشهديّ، وقع نصفي مرّات عدّة. ولو لم يصادف أن ينبّهني أحد المارّين أو الموجودين معي لما انتبهْت. فكنت بكلّ مرّة، وعلى عكس المتداول، ألمّه وأُكمِل الحركة.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: