كل شيء حدث بسرعة.

أتذكر قولك بأن هنالك منعطفاً سيواجهه المرء في حياته وعليه أن يحذر منه ويخشاه وإلا فسيسقط حتماً في حفرة الجثث. لا بأس في سقوطك المدوّي في قعر الصمت وعُزلتك الوحيدة. كل ما في الأمر أن انسلاخك عما كنت تخطط له جعل العيش بطيئاً، تجترّه الرتابة، وشكل نهاية تصلح لأن تكون راهناً. غدوّت بروتاغونيست حياتك، مشدوهاً إلى العدم ولا تأبه أصلاً إذا كانت الغيمة السوداء هي وراء هطول الأمطار. يبدو أنني أيضاً لم أسلم من خطورة هذا المنعطف وأصابني الدوران، دعني أخبرك عن البداية.

يتهيأ لكَ، بعد مضي كل هذا الوقت وحيداً، بعيداً عن أضواء المدينة وجلسات الثرثرة الهاذرة حول أحوال مستقبلك على الشرفة مع أقاربك، أنه لم يتغير عليك الكثير. ما زلتَ بحالة إنتظار طويلة وكأنك تتمنى جرعة خفيفة من الرشد أو صعقة كهربائية طفيفة تُسعفك من كل هذا الملل. أنت محاطٌ من كل حدبٍ وصوب بأشخاصٍ يثيرون بداخلك رطوبة هذه المدينة وبلاهتها، وكلما فرض عليك واجب إلقاء التحية تشعر إما بالسخط الصامت التي تسببه لك زحمة السير الخانقة وعيون الشّاخصين الذين يراقبون عن كثب حركات أنفك وهو يتنفس بصعوبة، أو تشعرَ وكأنك تسير على حبال الهواء ترتعش خوفاً من السقوط. وغالباً ما تخونك نبرة صوتك، لتنزلق منك الكلمة وتزحط، فتبدو مهرّجاً بهلوانياً هارباً للتوّ من السيرك. إنها الحيرة التي تعجز دائماً، تتربص أمامها بفمك الفاغر مصاباً بعُقمِ النطق وبأخطاء منطقية لامتنهاية في عدّ الإحتمالات اللامتناهية  لمعرفة أية حالةٍ أنت أقرب منها . في جعبتك إستنتاجٌ وحيد حصلت عليه لقاء رجفة بسيطة في اليد ودقائقٍ معدودة من تصبب العرق البارد وتظن أنه قادك إلى اليقين، تهدأ قليلاً، تتريث، تتمتمَ :" فإذاً من أين أتى هذا الخوف الكارثي من العلوّ تحديداً؟" مسألة شائكة ومعقّدة تعود جذورها إلى ركام ماضٍ تخاله اندثر أو اضمحل ، بيد أن حاضرك ينموّ ويذبل تحت أنقاضه. هل فهمت مقصدي؟ أنا أترنح بين الإختناق من ضيق الأماكن والهلع من المرتفعات وتتجذر بداخلي رغبة جامحة بالاستهتار في تحليلات "البسيكاناليز" ونتائجها، فلا أحد سوى المحقق "سكوتي فرغسون" في "فيرتيغو" (هيتشكوك) المصاب بالأكروفوبيا يفهم جيداً ما أعني :"عند أول صدمة عاطفية تنتابك، سوف تخشى العلوّ كثيراً". 

في الاَونة الأخيرة كانت الأمور ملتبسة نوعاً ما. لا شأن للحيرة أو التردد بذلك بل لهوية الإنتماء عموماً ، كغطاء تتلحف به، كمحيط اَمن محصّن يرد عنك نوبات القلق اللعينة. فجأة ، تجد نفسك تجلس في ذلك المقهى الذي  أنهكته الإشاعات، المقهى الذي حلمت يوماً باقتنائه وتحويله إلى مسرح صغير يقدم "مونولوغات" لمجانين حطمهم رُهاب الحواجز في زمن الحرب. تنده للنادل وتطلب أربعة فناجين "إسبرسو" دفعة واحدة، ومن ثم تطيع وصفة "دكتور ستراينج لوف"(فيلم لكيوبريك)  الطبيّة وتخلط قهوتك مع تلك الجملة التي لم تفارق خاطرك أبداً :                                               

"How I Learned to Stop Worrying and Love the Bomb”

لكن وقع القنبلة صاخب جداً ويجعلك تشتاق إلى كل الذين هاجروا، كل الذين يسرحون في أزقة مدن العالم وتركوك وحيداًمنسيّاَ. وفي الوقت الذي تتسائل عما تفعله هنا وعن جدوى بقائك، صوتٌ ما يصدح في رأسك سريعاً، لينقذك من إعصار التساؤلات وغبائها: "وماذا لو كرهت القنبلة عند ذهابك وإنفجر رأسك؟" 

في خضم كل هذا ، وبغفلةٍ، بومضةٍ، يغافلك صديق تقاسمت معه أسرع دقات قلبٍ في تاريخ الصحة البشرية، سيجارتي ماريجوانا، وستة أشهر من الهلع ليخبرك أن بحوزته بضع قصائد يريد أن ينشرها وعليك أن تكتب مقدمة كتابه. أنت تعرف أنني بعيدُ عن الشعر كثيراً أليس كذلك؟ ..آخر قصيدة كتبتها كانت منذ زمن. حسناً، سأقرأها لكَ لعلّك تتذكر:

"كنتُ في السادسة عشرة من عمري

عندما تخلّيت عن دفاتري المدرسيّة

 كرهتُ صيانة التاريخ

 بقدر ما أحببتُ جموح معلّمتي

 فقرّرتُ التخلّي عن الأرقام

وأخذتُ الحروف

 بحثا عن وجه وكلمة

 واستقلّيتُ قطاراً

 لم أحزن لأنني دفعتُ كثيراً

بل لأنّني انتظرتُ السائق

علماً أنّني أعرف الطريق جيداً." 

(بالمناسبة بت أعتقد فعليَا أن اللوم يقع على السائق في إنحرافه عن وجهة الطريق واختياره لذلك المنعطف المخادع.)

 لكنه صديقي في نهاية المطاف ، ولأن الأمر أسعده فلم أمانع من كتابة المقدمة. تأتي الذكريات على شكل وجوهٍ، ولها أحياناً طعم ورائحة ، هذا ما استطعت معرفته مؤخراً. يخطر في بالي أصدقائي هؤلاء: "فرانشي" "الدينامو" وقصائده المجهولة، "غيغز" والليالي البيضاء الساحرة، "موكسي" ليد زبلين والأحلام الكبيرة، "الروك" الكيمياء والضحك حتى البكاء وأشعر بضيق المكان وخواء الحاضر.

تجبر نفسك، على قدر المستطاع، أن تجهض الذكريات وتذعن للراهن. الراهن الذي يشبه إلى حد بعيد النهاية. على بعد أمتار قليلة منك، تلتفت لتتفقد مصدر الصراخ وسبب المشادة القريبة من أذنيك وإذ تنتبه إلى وقوع إشكال حقيقي بين سائق الأجرة وراكب كاد أن يُتسبّب بإصابات قاتلة. أحدهم كان يشتم ويأكل ليمونة في آن واحد. يحرّك يديه غاضباً كأنه يهدد منافسه بالقتل. بفمه الكبير الواسع يمضغ تلك الليمونة بكل ما أوتي من قوّة كأنها عجينة تمغّط تحت أضراسه وعندما بصق عجوتها سقط منه ضرساً. أقسم لك أنني لا أمزح! يقتحمك الإشمئزاز، تحمرّ وجنتيك وتحس بأنك تافهٌ وأنها المرة الثانية حسب وعيك التي ضُحك عليك فيها بكل وقاحة. الغريب هو إصرارك العنيد على البقاء وعدم الرحيل. ضُحك عليك المرة الأولى عندما كنت صغيراً في عظة ذلك الراهب الذي كان يبشرّ أيام الأحاد بوجوب النوم في الجهة اليمنى، على الكتف الأيمن لأنه موطىء قدم الملائكة. أتصدّق فعلا أنه ما زال هنالك الكثير من المثقفين الذين  يرون فانتازم الحكمة في أجواء سائقي التاكسي؟

كما في موقف التاكسي كذلك على التلفاز. ليس الواقع سوى استفاقة مزعجة على نعيق أم تتذمر من عطلٍ أصاب الغسالة. يحلّ الخراب أينما كان، وإدارة شؤون الخراب، والحكومة المتقشفة التي تعرض نفسها كأنها على فايسبوك أنها المنقذة الوحيدة من الأزمة ليست بإستثناء أبداً. كلمّا سمعت الرئيس أضحك، أخاله "توماس مان" شخصيّاً خارج من كتابه "يوتوبيا" وأن الأيام من عسلٍ وزهرية اللون. كلما أطل رئيس الوزراء أتذكر قول "كيرت فونغيت": "شيء مرعب حقاً أن تستيقظ صباحاً وتجد أن من كانوا زملاءك في الصف هم من يحكمون البلاد" فتأتيني رغبة بأن أغرق في النوم السرمدي. الحياة أكبر من تعجرف التكنوقراط، والخروج من المصائب يتطلب إبداعاً أو إرتجالاً لا نجاعة الشطارة  وإتيكيت التحذلق.

أظن حقّاً أن الدمار هو اللحظات الأولى لفجر المعنى، إما أن تسطع شمسه أو تبقى خافتة. لا أدري، هذا ليس مهماً حقاً. إسمع، ما جعلني أتسائل هو أنني قد مررت بمواقف غريبة في السابق كدت أفقد فيها صوابي، لكنني عندما هدأت لم أجد أي معنى بشراسة تلك النوبات العنيفة إطلاقا. تخيل أنك تتلقى أسئلة على شاكلة "هل تشعر أننا في علاقة؟ ماذا أكلت اليوم؟ متى تريد الزواج؟ ما سبب قلقك؟ لماذا لا تهدأ؟ ماذا عن الأطفال؟" تباً! ماذا عساك أن تقول؟ أصلاً، ما المعنى من هذا كله؟ أرجوك لا تقلّ لي أنها إشارات ترمز إلى التعلّق والإهتمام، أنا حائر ومتفكك، لا أفهم كل هذا، وإذا فهمت لا يمكنني القيام بأي شيء فأنا لا أعلم كيفية التجاوز المتسامي لأنني أخشى من المرتفعات. لقد تقيأت كل ما في داخلي من عطفٍ بعد سهرة ثمالة موحشة منذ زمنٍ، وما ينفك جلّ إهتمامي أن أعلم كيف نجوت وبقيت سالماً من بعد تلك الليلة.

من الطبيعي جداً أن ترافق الليل ولو تطلّب ذلك أن تسامر نفسك قليلاً، المهم أن ترفض الإنزلاق في حفرة الجثث، في بؤرة الموتى.

 تشعر أنك تذوب مع الوقت، تبلعك الغربة كأنك "المسافر" في قصيدة الماغوط وأنت تتلو هذه الأسطر:" أنا أسهر كثيراً يا أبي/ أنا لا أنام..."وتوّد لو يستيقظ أحد. ما عليك سوى الإستمرار في يقظتك لعلّك تأفل هذا الدمار في إحدى صباحات،  فما من حتمية سوى الموت. لكن في هذا الوقت عليك أن تأخذ نصيحتي بجديّة، المستقبل قاتم؛ فهمنا، لكنه ليس بالضرورة مرتبطا بالجزم، فغالباً ما يغلب على الأمور طابع المصادفة.  إشترِ "الأص البستوني" وخذ الرّهان الكبير، أنت وحيدٌ وبعيد، لكن هنالك دوّماً فرصة لكي تخرج من هذا المنعطف وتسلك الطريق مجدداً. ضع تلك الموسيقى التي أخبرتك عنها، إترك الشَرط مفتوحاً، إنتظر سائقاً آخر لتقول له بكل لطفٍ، بكل رقّةٍ، بكل رأفةٍ، ما جاء تماماً في عنوان تلك المعزوفة: "إذا بعد في مجال".

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: