يذهب "أسعد الجبوري" في اللغة بعيداً، يحشرها في عوالمه الغريبة، ذاته الفريدة  البعيدة عن الإفصاح قليلاً لكنها قريبة من الشعر كثيراً. ينثر الجبوري شعره كأنه فدائي على وشك التشظي، يسلّم نفسه الى وهج اللحظة، كأنه يرمي قنابل متفجرة في سهول التعبير فتتخيله فدائياً على وشك التشظي أثناء كتابته للنص. نصّه المتسلح بتركيباتٍ لغوية مكثفة يجعل من تجربته لغة بحد ذاتها حيث لا يبقى سوى الإستعارة أو المجاز وسيلةً لإسعافه.


أسعد الجبوري على عكس الكثيرين الذين إنضووا تحت مجموعة شعراء قصيدة النثر، اهتم بالكتابة وممارسة اللغة المتفلتة أكثر بكثير من التنظير فيها ولو كان منزله الدمشقي منصة حرة، ملتهبة، ينبثق منه مانيفستو التحديث وبيانات مضادة للكلاسيك الممل. هو مشاكس من الطراز الرفيع، يأخذ الرواية ملاذاً اذا لم ينقذه الشعر. بالنسبة له إن التعبير المطلق يأتي أولوية على كل الأنماط أوالأشكال الأدبية. لغته "هاردكور" ومذهلة، مركبّةٍ، ملغومة وحديثة."أديب مشتبك" يقاتل على جبهات الحداثة لينسف الفولكلور الإنشائي المتجذر بالبحور والقوافي والتفعيل. لم نجد ضيفاً مناسباً أكثر من "أسعد الجبوري" لمقابلته في هذا العدد من "رحلة" عن دور اللغة في الإشتباك.



• في إحدى الحوارات الصحفية التي أجريت معك قلت أن "الشعرية العربية لم تبنِ بعد قلاعها الإستراتيجية" وكنت تقصد قصيدة النثر العربية، خصوصاً ما ينشره شعراء الجيل الجديد. ما هي الدعائم الأساسية لهذه القلاع؟

لم أر في الشعرية العربية إلا مجموعة قبائل تجلس إلى طاولة مستديرة للاحتكام إلى الرتابة والتفاوض على تبادل  على النصوص الشبيه بسيوف  أكلها الصدأ ولا ترغب بمغادر الغُمد.

نحن في العالم العربي ، لم نؤسس لحرية النص أسلوباً أو طريقة ما، لأننا لا نريد مغادرة الماضي، ولا التخلص من محركات التراث الشمولية التي أصبحت فاعلاً في النسيج الكتابي وضابطاً في حركة النسل الشعري الذي بات متشابهاً وكأنه نسخ تظهر من رحم النسخ الأخرى.

أمرٌ مؤسف أن تجد الشعر محكوماً بطقوس القصيدة ومناخها رؤيةً وفهماً حتى وان كان ثمة اختلاف معها في البنيان!  

كنت أفكر بضرورة تفجير الجاز في المجاز، وتثوير الكلمة كرحم قابل للانجاب، وليس كطاولة للكتابة .

• نصّ "أسعد الجبوري" يرتكز على حقل معجمي غني وواسع من المفردات الحربية، نقرأ مثلاً في قصيدة "السلاح ":" ...هنا سأنتظر الخريف طويلاً/ لأبدل حروف الحرب/ فتكون عمياء/ بعدها..أستريح من نقل الجثث".  وحتى روايتك الثانية حملت عنوان "الحمّى المسلحة"،  هل الأدب بالنسبة لك ساحة معركة مفتوحة لا قوانين تحكمه؟

لم أنتمِ يوماً إلا لقانون نفي النفي في النص. الكتابة الشعرية وفقاً للأصول المتعارف عليها، سرعان ما تصيبني بالغثيان.وكنت، مثلما أنا الآن في مكان بعيد عنها.

أنا أمارسُ حروباً متعددة ضد التلوث اللغوي بالصيغ الجاهزة وبنظريات النقد المستهلكة والأكاديمية المنفلوطية على حد سواء. فكلّ كلمةٍ في نصّ خندقٌ .وكل جملة شعرية، هي كائن لغوي يثير الالتباس ويقوم بتطوير متعة التأويل ،مما يجعل الصورة الشعرية غانية بصورة دبابة لاقتحام التصحر الذهني، مما يخلخل الثوابت، ويدفع بها بكل مستقر  وحكيم إلى الهاوية. 

• ما هو برأيك دور اللغة تحديداً في واقع يمكن إلى حدِّ ما وصفه بال"صنّمي" ؟ 

ليست اللغة رحماً لمواليد النصوص، بل هي الدرّاجة الهوائية ومركبة الفضاء وقطار الشرق السريع الذي يشقُ مياهَ الأعينِ ويدفع بها نحو الحقول.كلُ ذلك يمكن أن يحدث بوجود طاقات تعبيرية قد تكنس الاصنام من واجهة النص، وتجعلهُ مرناً في المعنى وفي المبنى على حدّ سواء. التحرر من الصنّمية، لا يكمن بانتظار غودوت بالتأكيد. ولا بالاستغراق الطويل  بوجه الموناليزا.

• هناك رأي يقول أن للغة العربية قدسية معينة كونها تنبثق حصراً من الكتاب المُنزَل، وأنه من شأن هذه العلاقة بين الدين الإسلامي واللغة العربية أن تقف حاجزاً أمام تقدم هذا المجتمع وتحرره. كيف تنظر نحو هذا الطرح وهل من "تابو" لغوي يحكم قبضته علينا برأيك؟

هذا رأي غير صحيح. فاللغة العربية موجودة قبل الكتاب المُنزل الذي منحها طاقات بلاغية وتعبيرية ضخمة أدت إلى ضرورة وجود التفاسير والشروح . قصائد الشعر باللغة العربية، كانت موازية لما هو مُنزل. وإذا كان كل واحد منهما يذهب باتجاه، فمعنى ذلك رغبة كل منهما بالفوز بالقارئ حتى جعله طائعاً وعبداً بلا حدود. وفيما كان الشعر يمنح النشوة، كانت النصوص المُنزلة تؤمل للبشر بجهنم وبئس المصير!!

• من ناحية أخرى، هنالك من يزعم أن اللغة تنبثق حصراً من الذات، وعليه أنها سلطةٍ قائمة بذاتها، هل توافق؟ وهل يمكن التخلص من سلطة اللغة؟ 

أجل. فأنا أعتقدُ بأن الذات هي اللغة الأم والأبن وروح القدس كذلك. هي لاهوت الباطن الوصفي لمراقبة حركات النكوص والموت، وهي المَلحدّة الظاهرية التي ترغبُ بجعل الوجود شارعاً عبثياً لا توقف فيه حتى التيه الأعظم.

• يأخذك الأدب إلى عوالم الأموات، شعراء وفنانون لقوا حتفهم، فتسألهم عن مسائل على شكل مقابلات، كيف خطرت هذه الفكرة على رأسك أولاً؟ ما الذي دفعك إلى الذهاب إلى عوالم أدبية ماتت؟

كانت مجرد فكرة، ثم حققتها مشروعاً لنوع من الأدب الجديد، فكان ((بريد السماء الافتراضي)) حيث فتحت المدافن وأبواب السموات من أجل اختبار الشعراء الموتى في حياة ما بعد الموت مرة أخرى. وكذلك تهيئة القارئ المعاصر على أنماط سلوك قدامى الشعراء ممن لم تشملهم الذاكرة المعاصرة. بعبارة أدق، أصبح بريد السماء الافتراضي بمثابة مشرحة لإعادة إنتاج اعظم رموز الشعر في التاريخ. البريد يعيد صياغة التجارب الشعرية بحرية، فيكشف عن اسرار وينقب في حوادث سرية غير معروفة عن الشعراء سابقاً. كما أنه يملئ الكثير من الفراغات التي تركها النقاد والدارسون عن أحوال تلك الشخصيات  الشعرية التي مرت على الأرض. يمكن اعتبار البريد بمثابة رحم جديد لولادات شعراء جدد، لا يملكون من تراثهم السابق سوى الأسماء فقط.

• من هم الأموات الذين استمتعت بحوارك معهم؟ ومن هم الأموات الذين اشتبكت معهم؟

كان الجميع بمركز العناية الفائقة. لكن الشاعر جلال الدين الرومي هو الأفظع في التشابك والاشتباك.

الشعراء موسوعة خيال بالدرجة الأولى. وكل من يضيق به خيالهُ، سرعان ما تجد كلماته على الرصيف. وتلك كارثة لغوية لان النصوص العظيمة تحلق ولا تجلس القرفصاء في شوارع الزمن.

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: