طوال حياته، استمتع ألبير كامو  بزيارة المتاحف ومناقشة الأعمال الفنية مع الفنانين. عام 1849، افتُتح  في مدينة روتردام الهولندية متحف "بُويْمانْس فان بُويْنينغن"، الذي يضم مجموعات فرانس جاكوب أوتو بويمانس ودانييل جورج فان بوينينغن. وفي هذه المجموعات أعمال فنيّة تمتد من العصور الوسطى إلى الفن المعاصر، كأعمال رامبرانت وكلود مونيه وفنسنت فان غوخ وسلفادور دالي وولفغانغ غانتنر المعروف أيضًا باسم The Shit Scuplturer أو نحّات الخراء.

وفي أحد أيام شهر يونيو الحارة، نظّم متحف بويمانس فان بوينينغن معرض خراء عُرضت فيه منحوتات ضخمة من الخراء. تحمّس ألبير كامو عندما رأى هذا النوع من الفن المعاصر لأول مرة، فسأل عن الفنان الذي صنع كل هذا الهراء: إنه فولفغانغ غانتنر.

"أين تكمن قيمة العمل الفني؟" سأل كامو غانتنر الذي أجاب بسرعة وحماسة: "الأولى عبارة عن دوامة بُنيّة فاتحة تشير إلى الأعلى وتبدو من زاوية معينة وكأنها أيموجي الخراء. والثانية عبارة عن خراء عملاق أسود داكن يتسلل من غرفة إلى أخرى. أما الثالثة، فهي عبارة عن مجسّم من ثلاث طبقات مع فجوة واسعة يمكن لشخص أن يزحف عبرها. أما الأخيرة فهي كومة كبيرة، تشبه إلى حد ما كريمة المارينغ. وتبدو كتلك الكتل الضخمة من روث الديناصورات في فيلم جوراسيك بارك التي جعلت العالم إيان مالكوم (مثّل دوره جيف غولدبلوم) يرتبك ويعلّق: "إنها كتلة كبيرة من الخراء."

كامو: "إنها فعلاً كتلة كبيرة من الهراء، ولكن هل تعتقد حقًا أنه يمكن تحديد موضِع محدد لقيمة الفن؟ لا يمكن للعمل الفني أن يكون نهاية الحياة ومعناها وعزاءها. الخلق والعدم سيّان. والعمل الفني يفتقر إلى الأهمية."

غانتنر: إذاً أنت تعتبر أن هذا الهراء يفتقر إلى الأهمية؟

كامو: حسناً دعني أسألك، كيف تحدد قيمة الفن؟ هل هي قيمة جوهرية أم أنها مشتقة من مصدر خارجي؟ هل يجب علينا أن نقدّر الفن لأنه قادر على إثارة التجارب الجمالية؟ لأنه يسمح بنقل المشاعر؟ لأنه يمدنا بالمعرفة؟ لأنه يؤدي إلى أفعال جيدة من منظور أخلاقي؟"

غانتنر: "اسمح لي أن أتوسّع في الشرح. هذا الهراء كما نعرضه هو موضوع نحتي، وهو ليس مزحة. إنها فكرة محدودة عن النحت، فالجميع يعرف ماهيته وكيف يبدو، لذلك كان من المثير جدًا بالنسبة لنا أن نفكر فيه على أنه شكل منحوت."

كامو: "نعم، ولكن ما هي القيمة الجوهرية؟ أرى أنه لا يوجد أي قيمة. يريد البشر الوصول إلى أي شيء يجيب في النهاية على سؤال "لماذا": لماذا نستيقظ؟ لماذا نركب الترام؟ لماذا نذهب للعمل؟ بالنظر إلى هذا المفهوم عن المعنى، فإن وجود العبث (أي أن البشر يسعون جاهدين للوصول إلى المعنى الذي لا يمكنهم تحقيقه) يعني أن لا شيء له قيمة جوهرية. ولكن إذا لم يكن لأي شيء قيمة جوهرية، فلن يكون للفن مثل هذه القيمة أيضاً."

*شعر وولفغانغ غانتنر ببعض الارباك في هذه اللحظة*

أشعل كامو في وسط المتحف سيكارة غولواز حمراء وتابع: "أشياء مختلفة تكون جيدة بالمعنى الخارجي أو بالمعنى الأكثر دقة كأداة. الفن هو واحد من تلك الأشياء. للفن قيمة خارجية من خلال تحقيقه وظيفة معرفية ووظيفة أخلاقية محددة. على الفن أن يعزز تحديدًا وعينا بالعبث وموقفنا من التمرد (أي جعلنا نقبل العبث كحقيقة ونرفضه كقاعدة). بمعنى آخر، يجب أن يقودنا الفن إلى أقرب مثال للوجود العبثي."

غانتنر: "أعتقد أن الشيء الوحيد الذي يمكنني أن أتفق معك عليه هو أن المنحوتات قذرة."

كامو: "أوافق، لكن أليس كل فن في الأساس "هراء"؟ أن تعمل وتُبدع من أجل "لا شيء"، أن تنحت في الطين، أن تعرف أن لا مستقبل لما صنعته يداك؟ أن ترى عملك يتدمّر أمام عينيك فجأة مع إدراكك أن هذا ليس أكثر أهمية من فعل البناء لقرون؟ هذه هي الحكمة الصعبة التي تقدّمها العبثية. وبالتالي، فإن الانخراط في مثل هذا الخلق يوفّر لأي شخص فرصة التغلب على أشباحه والاقتراب أكثر من واقعه الفعلي."

قال غانتنر: "حسنًا، ربما تكون على حق. لكن ربما في المرة القادمة التي تكون فيها في المرحاض، ستفكر في المعرض، أليس ذلك عظيماً؟" 

كامو: "نعم سأفعل بالتأكيد. اسمح لي بتوضيح نقطة أخرى ثم سأتركك وشأنك. لكي تكون عملية الخلق "قيّمة"، يجب أن يقاوم الفنان إغراء شرح التجارب التي يتناولها عمله. يفرض العبث عدم جدوى أي محاولة للوصول إلى وحدة فكرية كاملة. مهما حاولنا (علميًا، فلسفيًا، إلخ)، لا يمكننا الوصول إلى الجانب السفلي للواقع. لا يمكننا اختزال ظواهره المتشعبة والمعقدة في مبدأ تفسيري واحد. كل ما تبقى لنا هو "تعداد" و"وصف" التجارب التي نخوضها. يجب ألا تتجاوز الأعمال الفنية أيضًا التعداد والوصف. فقط إذا كانت تتضمن صورًا بدلًا من حجج منطقية، وفقط إذا كانت تكرارًا للموضوعات التي رتبها العالم بالفعل، يمكن لعملية تكوينها أن تعزز الوجود العبثي للفنان. يجب ألا يتمنى المرء أن يفهم أولًا ومن ثم أن يشعر. فالفن يتنافى مع المنطق".


* ملاحظة: يستند هذا النص إلى معرض حقيقي لـ وولفغانغ غانتنر أقيم في متحف Boijmans Van Beuningen في روتردام


بوست فيلوسوفي
http://postphilosophy.com

https://www.instagram.com/post.philosophy

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل أنقر هنا
Patreon support button