"He who's not busy being born is busy dying. Bob Dylan"

"من ليس منشغلًا بالولادة، منشغلٌ بالموت. بوب ديلان"

 

أنا عالة. لست أشيرُ إلى الآخرين في شيء. أنا عالةُ وَحدي، كما تقولون، نسيجُ وحده. لا أجيدُ فعل شيء غير الكتابة. دعكَ من الأعمال الأخرى كالعمل في منجم فحم، أو الأعمال المكتبيّة، أو أعمال السُخرة. لا أجيد فعلاً غير الكتابة، حتى أنني أحاول ألّا أكتب، وإن فعلتُ شيئًا آخرَ، فلكي أكتب كذلك، أي ما أجيده، بشكل يشبه الاستسراق أو التنصُّت. أنا بسبب ذلك في حالة انفصال مستمر، كما الكتابة، في أدنى تفاصيله، إنفصالُ الحبر عن قلمه، والنَفَسِ عن الحَنجَرة في الكلمة، والكلمة عن اللسان.. أعيش مع هاجس: لا تعِش كأي أحد، وأعيشُ كأي أحد، في طرق قد تخطر على بال، فلا يتبقى في هذا الشأن خصوصية غير الكيفية، الشعرية، كما في الكتابة أيضاً... إذ لا جنةَ ولكن تبديلُ عيون. لذلك سأحاول على هذا الأساس الآن، كتابة المقال القصة مجددًا، وفي هذه المناسبة السعيدة، أحيي العزيز (السينيكال، إرجع صفحةً إلى الوراء لتجده) في الجبهة الأمامية، سريّة "زارعي الحليب"، على تمرير الميكروفون، استعدوا يا ماذرفكرز. 

*

صوّرتم أطفالكَم وهم يتعثرون بخطواتهم الأولى؟ "هيا حبيبي، تعال عند ماما، دادا شطة بطة..." خطواتهم الأولى التي تشبه الفاكهة بشكلٍ ما، رقيقة كالعجين، ولا هدف لها سوى الارتماء؟ شجعتموهم بالضحكات والدموع، وحين علمتموهم هذا المشي، ما كنتم لتعرفوا الجواب لو سُئلتم حينها: "إلى أين سوف أمشي يا أمي؟" هل على الشخص دائماً الذهاب إلى مكان آخر لكي يعيش؟ هل تاريخ البشرية هو تاريخ الذهاب؟ ومن كان يدري أن نفسَ الخطوات العجينيّة تلك، ستقود أحدهم يومًا إلى حافة سطح ويقفز، أو هي نفسها ستقوده إلى أسوأ الدروب، ربما ليس بهذه البساطة، لكن أليس أشقى الدروب قد يكون أيضاً، صراطًا مستقيمًا؟

*

"ستكون بخير. ركّز لأقول لك، القصة كلها قصة توازن، عندك دواسة على كل ميلة، دس واحدة برفق والثانية سوف ترفع رجلك وحدها. استمرّ بتمرير طاقة دفعك أولًا، ولا تفكّر في الذهاب يمينًا أو يسارًا، لن تكسب التوازن إلا هكذا يا بني، ستدور العجلة وسترى حينها الشجر وهو يعبر إلى الوراء وهو يحييك. قيادة الدراجات ليست بالأمر الصعب كما ترى، والآن سوف أدفعك". 

أنا منذ تلك الدفعة على الدراجة يا والدي، أدوس كالمجنون دواساتها كيلا أقع في عمري، لم يعلمني أحد كيف أرتاح وأركن، كيف لا أذهب، أو أذهب عبر الطرق الجانبية، فهذا ما فعلته طوال حياتي، وأسميتموه أمامي الطريق المستقيم، وقد فضّلت، ولا أخفي عليك يا والدي، الطرقَ الترابيّة كثيرًا، وعرفت أصدقاء انحدروا من على رأس التل، تسابقنا وكانت خساراتنا لذيذة. لقد كان الطريق المستقيم شديد الإضاءة والتعبيد، حتى أنني لم أكن أراها أو حتى أرى قدمي، الطريق المستقيم هي من أفقدني التوازن حقًا يا أبي، لذلك أود سؤالك، هل هذه الطريق، تعرف هي الطريق إلى داخلي أنا؟ 

**

 يمين يسار، يسار يمين، مكابح بنزين: "دُس أي شيء يا أحمق، اجعلها تتوقف!" انقبضت رجله بشدةٍ وداس على العُمياني. صخرة. صخرة تقترب بسرعة 50 ميلٍ في الساعة، داس من جديد بلا وعي، فتقافز كل من في السيارة كحبّات بوشار في طنجرة غاضبة. ثلاثة… اثنان… صخرة، دِج. نعم دِج. تطعوج بوز السيارة وأصبح كأحد مسودّات غوستاف فلوبير لرواية مدام بوفاري. 

كنّا نريد من هذا المشهد اللطيف التقاط خيط الضياع الذي يتخلل نصائح قيادة من قبيل "برجل واحدة، تدوس البنزين أو المكابح، حسب الموقف، لا نستعمل الرجلين سويًا أبداً، فهو ليس كالمشي مع الأسف، يعني لن تُحتَسب على الرواقيين إن كنت تريد أن تفكّر وتتأمل وأنت تقود الليموزين فلنقل، هو التباس مهضوم لا شك، وفي النهاية تَعَلّمِ القيادة لتسافر وتعمل سائق أوبر، وكل شيء سيكون تماماً، لا تعتل هم." 

**

على الأقدام مجددًا ومجددًا. إن كنتُ أسرد وأقص عليك فهذا لأنني لست بمعطٍ درسَ تنميةٍ بشرية، ولا عندنا كُتيّباتُ تعلم المشي بطريقة مبتكرةٍ من دون معلم (مع CD). ما عندي وصفات جاهزة لأي شيء، ولا أعرف ما عانيته وتعانيه أنت، لكن تكفي معرفتي أنك موجود، رغم أنك لم تعلن ذلك "أنا موجود"، كنت من تكن، فلا أحد يعلنها مباشرة، لكن حين يقفز شخصٌ من على جسر، فهو يموت ليقول أنه موجود... مفارقة عظيمة كما ترى. حين أودّ أنا إعلان ذلك، أَقرأ. فأنا كما تعلم لم أسقط من السماء وأنا أكتب، لا تفاحةٌ سقطت على رأسي، ولم أصرخ في الشوارع "وجدتُها!". أنا صرخت حينها "ما وجدتُها" وهكذا بدأتُ. اقرأ إذن؛ ترى أن الأدب تشبّع على اختلاف عوالمه، من خلال ما يتكرر قوله في الدراسات "ردات فعل"، فمن الكلاسيكية التي لم تكن تعرف أن اسمها كلاسيكية، مروراً بالرومنسية والواقعية والرمزية والدادائية والسوريالية والبلابلابلائية.. إلخ يا صديقي إلخ… كانت مطية الأمر "ردات فعل"، تنطلق في التأليف والتنظير والتقعيد... ثم الالتفاف على السائد مجددًا، كأنها حركة (عَود أدبي) لا أبدي، عذرًا من شواربك يا صديقي. وهكذا هي اللعبة. بالطبع ليس الأمر بهذه الآليّة، كأن يجلس شخصان، أنا والسينيكال مثلا، في مقهى ويقولان: "هاي مان، تعال نعمل ردة فعل ونصنع مدرستنا الأدبية"، رغم أننا نحاول ذلك يعني. المهم، لا روبوتية في الموضوع، فكل شيء مرتبط بالتجربة الإنسانية، مع تكرار شيء واحد أكيد، ليس بالضرورة انفصالَ لحمٍ عن عظم، إنما انفصال في العمق لا بدّ منه، قد يطال أي شيء. هل من الواجب هذا؟ يجب ولا بد... تعالَ قليلًا.

 

كارل، آه يا ابن أخي، أيها الشقي الجاحد. طريق الإيمان مليء بالشكوك. لن يتأتّى لك ذلك أبداً عبر الاستسلام له. أريدك أن تبلغ الطريق المستقيم، كما أبلغُ أنا، وأنا الآن أصمّ، أقصى غاية لموسيقاي. لكنك، والنهاية أشعر بها تقترب مني، تجعلني مضطرًا إلى إضافة شيء ما، كأن أجمعَ الخط والنغم، البوليفونية وأغنية الشعب، أن أُخرِج من اضطراباتي لحنًا خارجًا عن مواضيع اللحن، منطلقَ النغمات كما تشاء، كتزعزعك، ولْتنتشر في اللاشخصي النوتات والهروبات (Fugue)، ولْتنفصل، خذ رباعيّتي الوترية الأخيرة، حواريّة النفس. لا تحاول الانتحار مجدداً يا كارل، حاول، فهو "القرار الصعب" : 

Muss es sein? Es muss sein " 

(هل من بد؟ - يجب ولا بُدّ...)، ربما يا كارل، تكون الطريق المستقيم، هي كل هذه الطرق جميعاً... 

وداعًا. عمك، محبّك (لودفيك فان بيتهوفن).

Beethoven String Quartet Op. 135 in F Major https://www.youtube.com/watch?v=1hxpIQ3XhXA

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: