يدخلُ شابٌ عشريني أبواب السوبر ماركت بثيابه الطافحة بالحياة، يسأل عن قسم الموالح والسكاكر، يدلّه الموظّف الذي يحاول البقاء بشوشاً رغم إمارات الغم الطافحة على وجهه: من هون أستاذ. عندك صنف محدّد بدّك اياه؟ يطلب منه سلعةً ما، ليخبره أنّها غير موجودة، يتساءل الأول: ليه؟! وهو الذي اعتاد على توفّرها. يكاد يضحك الأخير: مقطوعة أستاذ! اشيا كتير عم تنقطع! يستدير الشاب شاكراً الموظف الذي بدوره يعتذر: لا تواخذنا.

يصلُ رجلٌ في أواسط الثلاثينات، تدلّ هيئته على أنّه موظّفٌ في القطاع الخاص، يأخذ عربة ويكرّجها في الممرات، يسحب من جيبه قائمة مشتريات أعدها بالاشتراك مع زوجته الموظفة أيضاً، يجد ما يطلبه كاملاً، غير أنّه يلاحظ الاختلاف الجنوني في الأسعار، يأتي نحوه موظّفٌ آخر يسأله حاجته، يبدأ الأوّل بشكاية همّه: يا رجل شو هالغلا هيدا؟ هول الغراض اللي معي هلق كان حقن 150 ألف، اليوم صاروا بـ 220 ألف! لوين رايحين الله بيعلم. لتجده بعد ذلك يحاول "فشّ خلقه" بالموظف المسكين: ليش عم تغلّوا كل هالقد؟ والله حرام. فيسارع الأخير بالرد بعفوية: أستاذي احنا مالنا ذنب باللي صاير. الشركات المورّدة للبضاعة هيي اللي رافعة الأسعار بحجة طلوع الدولار. كل شي بيستوردوه بيدفعوا حقو عملة خضرا، وهيك.

في الوقت نفسه تجول سيدة منزلٍ مستفسرة عن ماركة محدّدة لسلعةٍ ما، يخبرها موظّف ثالث بعدم توفّرها عينها، يدلها على ماركةٍ أخرى قد تكون، بنظر المشترية على الأقل، ذات جودة أقل من مثيلتها في تلك. تتأفّف: يا ترى طيبة متل هيديك؟ خايفة آخدها وما يحبوها ولادي! يمكن ما تزبط معي بالطبخة! خلص هفكر بأكلة تانية لبكرا.

في المقلب الآخر يسأل كهلٌ أربعيني عن مكان البرغل، يصل إليه فيتفاجأ بارتفاع ثمنه الخرافي فيشتم قائلاً: شو هالكفر هيدا، يلعن رب هالعيشة، لك برغل ما فينا عم نشتري؟

في حين كانت سيّدتان من الطبقة البرجوازية تستفسر إحداهما عن قسم "الدايت"، ولمّا وصلت هالها ارتفاع أسعارها الهائل نظراً لكونها سلعٌ "شبه كمالية"، غير أنّها تتمتم لجارتها بلهجتها البيضاء المصطنعة: شو بقدر ساوي، بخاف يزيد وزني عن الخمسين كيلو إذا أكلت حايلا، أمري لله. وجارتها أيضاً استغربت غلاء سلع تحضير "السوشي" فتتمتم بنرفزةٍ ناعمة: والله كتير غاليين! بس شو فيي ساوي، زوجي وولادي ما بيقدروا يعيشوا بدون سوشي.

فعلياً إيماءات الوجه واحدة رغم اختلاف الأشخاص، الخوف من المجهول هو القاسم المشترك لجميع هؤلاء، ما يمكن أن تلاحظه هو سقوط فكرة "الرفاهية المصطنعة"، فالمتابع الجدي للحركة الإجتماعيّة اللبنانية يرى أنّ اللبناني يحبّ التمظهر بكل شيء، من طعامه إلى لباسه، ولو على حساب أيّ شيء، كما يقول المثل الشائع "بيتديّن ليتزيّن"، فعلاً هو يتزيّن بالماركات، يجعلها صوراً هشّة يتباهى بها أمام أصدقائه ومعارفه، كأن يقول: "هالجاكيت اللي لابسها جايبها من محل كذا بهالقد بس". وما أدراك ما "هالقد".

وحدهم الفقراء "آكلينها"، المظاهر لا تهمّهم، هم بعيدون تماماً عن المجتمع الاستعراضي، همّهم الوحيد هو تأمين لقمة عيشهم، أما عدا ذلك فهو "خزعبلات"، يقولون بينهم وبين أنفسهم: "إنو شو الفرق مثلاً بين هالماركة وهالماركة؟ كلو رايح عالمعدة ورح ينهضم، وكلو هينلبس ويهتري".

قد لا يعلم البعض أنّ ما يقوله هؤلاء صحيح فعلاً، فالمتتبّع الذكي لسير العمليّات التجاريّة يعرف أنّ الشركات المستوردة للبضائع في الحقيقة تشتري حقوق تسويق إسم ماركة ما في البلد، بينما المنتج الذي يطرح في السوق يتمّ جلبه إلى البلد بالإتفاق مع مصنعٍ محدد قد لا يكون مصنع السلعة الرئيسي، ما يدريك قد يكون نفسه يصدّر لشركتين باسمين مختلفين، أي أنّ البضاعة واحدة، لكن ولأن الاقتصاد قائمٌ على الصورة والاستعراض، تجد المستهلك مقبلاً على شراءِ ماركةٍ دون أخرى ولو كانت بثمنٍ مرتفع. "هاي أطيب، هاي أحلى، هاي أشيك، هاي بحبها أكتر..." مصطلحاتٌ يرددها المستهلك دائماً فيما هو يشتري حاجياته مكرساً مصطلح "الفوتو ماركة" أو الماركة الصورة، والشركات المستوردة تدرك نسبة الغباء العالية له، فتبالغ في المنافسة على صناعة الإعلانات لسلعها والترويج لها بكافة الأشكال.

اليوم يمكن الجزم بأن هذه الظاهرة انهارت أو أوشكت على الانهيار، فالمستهلك اللبناني بكافة الأطياف التي ينتمي إليها بات مدركاً تدهور قيمة العملة الوطنية بين يديه اليوم، فأصبح يخفّض من سقف هذا الاستعراض الشرائي إمّا بتغييره الماركة المشتراة أو بدفع ثمنها الجديد وتغيير لائحته الاستهلاكية بشطب غير المهم منها. هذا في حال توفرت، أما في حالة عدم توفّرها فهو شاء أم أبى مجبرٌ على تعويضها بمثيلٍ لها أقل ثمناً (بحكم ضروريتها طبعاً).

قد يمتدّ هذا الإفلاس لفترة طويلة، وقد يتأقلم المشتري مع الحال الراهن ويستمرّ به حتى ولو انتهت الأزمة، مما يضع في الحسبان شعاراً سيصبح ملازماً لنا الآن وبعد وهو "لا فوتو ماركات بعد اليوم".