يعيش العالم منذ أشهر حدثاً إستثنائياً أرخى بثقله على حياتنا وفرض "روتينه" الخاص. ها نحن نستيقظ لنحصي مع كل صباحٍ ضحايا اليوم الفائت، ثم نراقب على لوحات التحكم الرقمية الرائجة (dashboard) تزايد أعداد المصابين حول العالم. التساؤلات هي نفسها في كل مكان: هل على الدولة فرض حظر التجول؟ ماذا عن إعلان حالة الطوارئ؟ متى تُعلَن الحرب ومن يقودها؟

إعلان الحرب: Panique Totale

"الانضباط يعتمد على الوعي السياسي. الانضباط البرجوازي ينتج عن الخوف".

(جورج أورويل، الحنين إلى كاتالونيا - 1938).

اللاعب الأساسي في هذه الأحداث هو الدولة، ومهمتها الاساسية إجبار من هم على أراضيها على اتّباع الإجراءات المتخذة. وفي مقابلها شريحة كبيرة من الناس ترفض وتتهرب من القرارات. هذا السلوك يسميه البعض جهلاُ أو كما وصفته قناة ال بي سي (نشرة 15 آذار 2020) باستعلاء: "صنفُ من البشر بلا مخ وعديم المسؤولية". هي نفسها القنوات التي لعبت دور الأب قبل أيام وقالت للناس خوفاً على سلامتها "خليك بالبيت". إلا أن ما غاب عن أصحاب "البصيرة" هؤلاء هو أن أفراد المجتمع الحديث خسروا وظائفهم وقدراتهم لصالح المجال العام لتصبح جميع تفاصيل حياتهم من اختصاص دولة ضابطة الكلّ.

تَكشِفُ قرارات الحكومات حول العالم عن مجموعةِ خطواتٍ تُتَخذ تدريجياً ضمن فترات زمنية متفاوتة لمواجهة خطر وباء كورونا المستجد. تقوم الخطوة الأولى على إعلان الدولة حالة التأهب\الطوارئ (أو الهلع) إستعداداً للحرب. ولكن هذا الإعلان يحدد أيضاً كيفية إدارة وتوجيه طاقة الهلع (الخوف من الموت) إلى طاقة حياة (ليبيدو) تساهم في القضاء على الخطر.

إعلان الهلع هو بمثابة إعلان حرب، إذ تتم الدعوة من خلاله إلى الاستعداد لخوض المعركة. كما يوضح الإعلان أن خسائرَ ستقع وأننا قد نخسر أحباء (مثال: بيانات الحكومات الأوروبية) وأن على الجميع أن يتحملوا مسؤولياتهم بناءً على ما تحدده السلطة العليا. هناك نوعان من الانضباط. النوع الأول يتطلب جهداً وقناعة فردية تدفع الشخص إلى تحمل مسؤولياته طوعاً. أما النوع الثاني، فيشترط فرض الطاعة من سلطة عليا، وغالباً ما يطغى عليه الترهيب أو الخوف.

وكمثال على ذلك، شهدنا كيف تجاهل معظم اللبنانيين الوباء، ولم يصبْهم الخوف إلا بعد "خطابات" (أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها "ديستوبية") أذاعتها قنوات محليّة، بصفتها سلطة رابعة، ضمن نشرات الأخبار ليل الأربعاء 11 آذار.  ذُيّل البيان رقم واحد بِوسم #خليك_بالبيت. وفي الأيام التالية، ظهر زعماء سياسيون ورجال دين على شاشات التلفزة ودعوا جمهورهم (الحزبي) إلى التعامل بجدية مع الوضع، والالتزام بالإجراءات المتبعة إنطلاقاً من تكليف طغى عليه العنصر الديني أو الحزبي. بمعنى آخر، لم يتعامل اللبنانيون مع الوباء إنطلاقاً من شعورهم بالمسؤولية، بل بعد تلقيهم تعليمات "من فوق"، كلّ حسب انتمائه الطائفي أو السياسي.

الجسد: حدود الدولة الحديثة

"الكفاح السياسي اليوم هو الكفاح من أجل الحياة"

(هيربرت ماركوزه، إيروس والحضارة - 1955)

كأي دولة مرت في التاريخ، تخاض الحروب على الحدود وعبرها لمواجهة الخطر الخارجي أو الداخلي. وفي الدولة الحديثة، أصبح الجسد الجبهة الجديدة (New Frontier) والأرض المتنازع عليها. وبما أن الشخصي أصبح في عصرنا هذا عاماً، فإن أي شكل من أشكال الانضباط (أو العصيان)، أصبح بالدرجة الأولى مسألة سياسية محضة. وبذلك، يصبح الفرد وصحته النفسية والجسدية وما يدور في ذهنه وجسده من مسؤوليات الدولة ولها حق فيه وسيادة. باختصار، أصبح عقل الفرد وجسده من اختصاص الدولة.

ولشرح مراحل انتقال "مُلكيّة" الجسد من الخاص إلى العام، يشدّد عالم النفس والفيلسوف الألماني هربرت ماركوزه في مقدمة كتابه "إيروس والحضارة" (1955) أن الوظائف السيكولوجية لدى الفرد والتي كانت مستقلة سابقًا، يتم استيعابها وامتصاصها من خلال وجوده في المجال العام. وبالتالي، تتحول المشاكل السيكولوجية إلى مشاكل سياسيّة: فالاضطراب الخاص (الفرد) يعكس، بشكل مباشر أكثر من أي وقت مضى، اضطراب الكل (المجتمع)، ويعتمد علاج الاضطراب الفردي، بشكل مباشر أكثر من أي وقت مضى، على علاج الاضطراب العام. يقول ماركوزه أن هذا العصر "يميل إلى أن يكون توتاليتارياً حتى ولو لم ينتج دولاً توتاليتارية."

ونتيجة هذه التطورات، أصبح من واجب الدولة الحديثة أن تهتم بحياة وصحة ورفاهية سكانها بصفتها صاحبة السّيادة والاختصاص. ولهذا السبب، أطلق الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو تسمية "الطاقة الحيوية" (Biopower) على شكل القوة في الدولة الحديثة، و"السياسة الحيوية" (Biopolitics) على مجمل السياسة في هذه الدولة. يقول فوكو إن سيادة الدولة كانت تستند سابقاً إلى السلطة العنفية (إحتكار العنف). أما الآن، طُعِّمَت واستُبدِلَت هذه السلطة جزئياً بالطاقة الحيوية (Biopower) التي تسعى إلى الإدارة المسبقة لـ "الحياة" وتحسينها ومضاعفتها وإخضاعها لضوابط دقيقة وقوانين شاملة على مدار الساعة. وتَستخدم الدولة تقنيات حديثة للسيطرة على السكان، كتقنيات تنسيق الرعاية الطبية (برمجيات إدارة المستشفيات)، وتطويع السلوك (الطب النفسي والأدوية)، وترشيد آلية عمل شركات التأمين، وإعادة النظر في مفهوم التنظيم المُدني. والهدف هو "الإدارة الفعالة للأجسام والإدارة المسبقة للحياة من خلال الوسائل العلمية على مدار الساعة. وشاهدنا مؤخراً كمثال على هذا الدور مقاطع مصوّرة تظهر الأمن الصيني وهو يراقب عبر الشاشات حركة السكان وانتشار الوباء باستخدام المسيّرات (الدرونز) وأدوات قياس الحرارة وتحديد الهوية وكاميرات تتبُّع الحركة، ومن ثم تحليل هذه البيانات عبر خوارزميات تتخذ تلقائياً قرارات تسمح بتنقل الأشخاص أو تحدّه بهدف التحكّم بانتشار الوباء.

إدارة الرعب: التقنية والسرعة

"وُلد الأمن من رحم الرعب."

(بول فيريليو، إدارة الرعب - 2010)

يرى منظّر الحرب والسّرعة، الفيلسوف الفرنسي بول فيريليو في كتابه "إدارة الخوف" (The Administration of Fear) عام 2010، أن الدول تميل إلى وضع سياسات لقيادة الخوف وإدارته. وعلى الدولة أن تقنع المواطنين بقدرتها على ضمان سلامتهم الجسدية. ولهذا الهدف، تم إنشاء أيديولوجية صحية وأمنية مزدوجة ومن مظاهرها شيوع مصطلحات يترابط فيها الأمني بالصّحي كـ"الصحة العامة" و"الأمن الغذائي" و"التحكم الحدودي" ومؤخراً شعار "ووهان قاومي".

تمثل هذه الإيديولوجية الأمنية بحسب فيريليو "تهديداً حقيقياً للديمقراطية." ففي عالمنا هذا، على الأفراد نقل صلاحيات اتخاذ القرار إلى الأدوات الرقمية  والخوارزميات التي ستتعامل بطريقة تلقائية مع أي حدث صغيرًا كان أم كبيرًا، وبسرعة الضوء، فلا نضطر إلى القيام بأية حركة. ولا تتطلب هذه السياسة الحيوية منك سوى الموافقة الرمزية على "الشروط والأحكام"، ومن دون حاجة إلى تفكير. وكما قال د. مايكل راين، المدير التنفيذي لبرنامج الطوارئ في منظمة الصحة العالمية، في الثالث عشر من آذار وهو يقدم النصائح للحكومات حول الإجراءات الفعالة لمواجهة وباء الكورونا: "السرعة تتفوق على الكمال"

في وصفٍ أقرب إلى النبؤة، يصف فيريليو مشهد الرعب الذي نعيشه اليوم :"أصبح الخوف بيئة، محيط، عالم. كان الخوف ذات مرة ظاهرة مرتبطة بأحداث محليّة محدّدة ضمن إطار زمني معين. (...) لقد أصبح الخوف بيئة يندمج فيها الأمن والصحة." وبما أن الخوف أصبح في كل مكان، فعلى الدولة أن تتواجد في كل مكان أيضاً. إنه سباق للسيطرة على الهلع، والسرعة هي القوة الحاكمة الحقيقية.

يشرح فيريلو أنه "في حين كان من المفترض أن تكون التكنولوجيا وسيلة الإنسان للسيطرة على الطبيعة، أصبحت التكنولوجيا تتحكم بالإنسان والطبيعة معاً: التكنولوجيا بخوارزمياتها الفائقة الذكاء والسرعة هي صانع القرار الحقيقي الذي يمكنه اتخاذ القرارات وتنفيذها قبل أن يتمكن أي إنسان من التفكير بما حدث."

يضيف فيريلو أننا "نواجه بروز ظاهرة جنون جماعي حقيقي يعززه تزامن العواطف (Synchronization) أو عولمة الأثر النفسي الذي يضرب البشرية جمعاء في نفس الوقت (Real-time) بفضل التقدّم التقني." فعلى سبيل المثال، تَعرُض مِنَصّة فايسبوك على ملايين المستخدمين في نفس اللحظة تنبيهاً حول هجوم إرهابي أو وباء، فتولّد هذه المعلومة في لحظة واحدة خوفاً لدى ملايين من الأشخاص. باختصار، نحن "نهلع" جماعياً على شبكات التواصل ومجموعات الواتساب إلى أن تتدخل الدولة وتدير الهلع.

ليس جديداً ما نشهده في بعض المطارات، حيث أصبحت البوّابة الأمنية ممراً يمتد لعشرات الأمتار، ومساحة منفصلة تماماً عن ما قبلها وما بعدها. البوّابة، يشير فيريليو، أصبحت مكاناً بحد ذاته. عندما تعبر الممر، تعرف الدولة كل شيء عنك. تحوّلت هذه البوابات إلى ممرات، وستصبح عالماً كاملاً يوماً ما. فيها تصبح كل حركة مكشوفة وكل سلوك معلوم حتى قبل حصوله. لن يكون هناك "بوّابة" أمنية بعد الآن، بل ستصبح الحياة كلها ومن فيها داخل البوابة.

يقول ميلان كونديرا في كتابه "فن الرواية" إن "وحدة البشرية تعني: لا مفر لأي شخص في أي مكان".

ويرفع فيريليو من منسوب الهلع قائلاً: "الحل الوحيد هو التنقل باستمرار أو الهروب حتى أجل غير مسمى".

مراجع:

George Orwell, Homage to Catalonia (1938)

Herbert Marcuse, Eros and Civilization (1955)

Michel Foucault, History of Sexuality (1976)

Paul Virilio, The Administration of Fear (2010)