إن وعي "الأنا" ليس سوى شرارة صغيرة في محيط الظلمة العظيم، ومع ذلك، فهو النور.

يقول "سرّيد" السايكاديليك الأستاذ "تيرينس ماكينا" في أحد حواراته إن ثلاثة مشاعل أنارت وعي الإنسان، كانت وُلدت في مدينة زوريخ السويسرية في بدايات القرن العشرين. المشعل الأول هو العالم ألبرت هوفمان الذي اكتشف الـLSD وسافر إلى اللامعقول على دراجته الهوائية. المشعل الثاني هو حركة دادا الفنية التي كتبت المانيفستو المضاد للاعقلانية الإنسان وحروبه. أما الشعلة الثالثة، فتتمثل بالسيد كارل غوستاف يُونْغ، التلميذ الذي تفوّق على أستاذه فرويد، والعالم الخيميائي الذي فكّ رموز اللاوعي. هؤلاء الثلاثة رفضوا الإنصياع إلى رجال العلم ورجال الدين، وقالوا: "فلنبحث عن الحقيقية في الظلمة."

أهلاً بك استاذ كارل. هل تعلم ان الليل منظمة سريّة أسّستها الشّمس في ساعة المغيب؟

لا لا اعلم ، من قال ذلك؟ 

أنا 

السؤال التالي يا عزيزي…

ما هو هذا الجزء المظلم الذي تطلق عليه تسمية "الظلّ"؟ هل له علاقة بألبوم بينك فلويد "دارك سايد اوف بحمدون… ههههه"؟

أوَ تسألني عن الظل بهذه الخفّة. تحلّ بالجديّة لو سمحت… وَلَو!

عفواً… تفضّل أرجوك

استَخدِمُ كلمة "الظلّ" (shadow) لأشير إلى كل ما أنكرناه في أنفسنا وألقينا به في دوامة النسيان (أو "نعمة النسيان" حسب ميادة الحناوي)، هو كل شيء رفضت الأنا (ego) ربطه بنفسها ولصقته بالآخرين. في الظلّ يقع جحيم دانتي. 

دعني أبدأ من واقعنا اليومي. في أي مجال عام، نُقدّم نسخة مبالغ بها عن أنفسنا ونأمل أن تترك انطباعًا ما لدى الآخرين. فالشخصية التي نظهرها في وظيفتنا ليست هي نفسها في المنزل. أمّا عندما نكون وحدنا، فلا نشعر بأننا مضطرون لإثارة إعجاب أحد. في الأماكن العامة، نرتدي قناعًا أو persona تسمح لنا بفرض صورة مُستحبّة عن أنفسنا أمام الآخرين. سلوكك على وسائل التواصل الإجتماعي كفيل بتذكيرك بالشرخ بين الذات الحقيقية والصورة المُركّبة. 

ولكن بتقبُّلي ذاتي بأدنى مستوياتها وأحلك تجلّياتها، أكون زرعتُ بذرة صغيرة جداً في أرض الجحيم. شجرة حياتي سوف تنمو من هذه البذرة أيضاً لتربط القاع بالسماء. في كلا الطرفين، تحت وفوق، هناك حريق وجمر مشتعل. وبين الحريقين تنمو حياتي. وكالنباتات ينمو البشر، بعضهم في الضوء، وبعضهم الآخر في الظلّ. كُثُرٌ هم الذين يحتاجون إلى الظلّ لا إلى الضوء. والطريق إلى الظلمة حالك (يقول الشهيد غيفارا: "الطريق مظلم وحالك، فإن لم نحترق أنت وأنا، فمن سينير الطريق؟). وفي كوميديا ​​دانتي، نُقشت العبارة التالية على أبواب الجحيم: "تخلَّ عن كل أمل يا من دخلت إلى هنا". ولذا، لكي تتقبّل الجنون، عليك أن تحرّر نور جنونك... أن تدعه يشعّ، وسوف يشرق فجراً جديداً. لا تحتقر الجنون ولا تخف منه بل امنحه الحياة. 

كلامك يا كارل أبوكاليبتي ومع ذلك يبعث على الطمأنينة. وحديثك هذا عن الجحيم يذكرني بالشاعر كمال خير بك الذي يقول في إحدى قصائده "نحن أطفال السّنين الموحلة، لم يعلمنا أب أن نستقيم. لم يعلمنا نبي واحد أن نشتهي باب الجحيم." يبدو من كلامك أن الجحيم هو وجهتنا الصحيحة. حسناً، أعتقد أننا جميعاً، عندما نكون وحدنا، ندرك معنى "الظلّ" ونشعر به وبسطوته على ذاتنا الضعيفة. هذا الظلّ غير مرئي لإنه ينظّم عمله في مكان مُظلم. وأعتقد أن معظمنا لا يعترف بسطوته أبدًا رغم وجوده هناك... في الأعماق. أستاذ يونغ، هل بالإمكان دفع الظلّ إلى فوق؟ هل بالإمكان جعله يطفو على السطح؟

الظلّ لا يطفو، عليك أن تغوص في الأعماق لملاقاته. الظلّ عاطفي بطبيعته إذ عليه أن يعارض جمود الأنا (ego). وهو منفصل عن العقل الواعي. ونتيجة لذلك، ننسُب إلى الآخرين كل صفاتنا الشريرة والمنحطّة التي لا نريد الاعتراف بأننا نملكها، أي أننا نُسقطها عليهم  (Projection). وهكذا نستمرّ بإخفاء الظلّ بدل الاعتراف به. ولكن عندما نلاحظ قصورًا أخلاقيًا لدى الآخرين، يمكننا التأكد من وجود نفس القصور فينا. فإذا شعرتَ بغضب عارم وعميق عندما يوبّخك أحد الأصدقاء بشأن خطأ ما، كن على يقين أن جزءًا من ظلّك قد تجلّى أمامك من دون أن تُدرك ذلك. ولذا، تشكّل مراقبتنا لسلوكنا واستيائنا من أنفسنا ومن الآخرين، الخطوة الأولى لاستحضار الظل إلى وعينا (consciousness).

أما إذا بقيت هذه الإسقاطات (projections) محتجبة، فسيتمكّن نموذج الظل الأصلي (Shadow archetype) من الإمساك بمجمل جوانب ذاتنا وحياتنا، وسيُلحق هذا الأمر الأذى بنا نتيجة الوظيفة التي يؤديها، فيشكّل غيمة كثيفة من الوهم تخيّم على الأنا وتفصلها عن الواقع والحقيقة، كما هي الحال مع "الزومبيز" الذين نراهم يعيشون بيننا. 

لذلك، فإن مسألة الظل هي في الأساس مسألة أخلاقية تقف في وجه الأنا. فلا يمكن أحداً أن يدرك الظل من دون جهد أخلاقي كبير. بمعنى آخر، لكي تصبح مدركًا ظلَّك، عليك التعرف على الجوانب المظلمة في شخصيتك والاعتراف بوجودها وحقيقيَّتِها. وهذا الفعل هو الشرط الأساسي لأي نوع من أنواع معرفة الذات (Self-knowledge).

طيب... يعني، لتبسيط الأمور، عَلامَ يحتوي الظلّ؟ وما الفائدة من استحضاره؟ وكيف يتمّ ذلك؟

الظلّ هو الجانب المظلم والمجهول للشخصيّة. وفي وسعه أن يخلق تطوّراً مهمًّا في حياتك وإبداعًا في شخصيتك، كما يمكن له أيضاً أن يتسبّب في التحجّر أو التصلّب وموت الجسد. يجب ضمّ الظلّ، هذا الجانب المُظلم، إلى الأنا كضرورة في عملية التفرّد وبناء الذات (individuation)، أو ضمن جلسات التحليل النفسي. ونتيجة تجاربي في تطوير ما يسمى الآن "العلاج اليونغي"، تعلّمت كيف يمكن أن يكون الظلّ مفيدًا، من الناحية العلاجية، للعثور على "الصّوَر" التي تختبئ وراء العاطفة. ومن المهم هنا أن يميز المرء نفسه عن هذه المحتويات اللاواعية (الصّور) من خلال تحديدها أولاً ثم تجسيدها ومن ثم ربطها بالوعي. هكذا تخرج الصور من الظلّ وتُجرّد من قوّتها أو "سحرها". إلا أننا كأفراد، غالباً ما نهمل هذه العملية، فنسمح للصور بالظهور أمامنا، وربما نتساءل عن معناها، وينتهي الأمر عند هذا الحدّ. ولكننا لا نتحمل عناء فهمها وما يترتب عن هذا الفهم من استنتاجات أخلاقية مرتبطة بحقيقتنا. إن منع هذه الصور من الظهور والحدّ من تجلّياتها يُحدث في اللاوعي آثارًا سلبية كبيرة.

سيد كارل، وثّقت رحلة استكشاف "ظلك" في "الكتاب الأحمر" (غير "الكتاب الأحمر الصغير" للرفيق المجاهد الزراعي ماو). تقول إن هذه التجربة كانت أصعب تجربة في حياتك. فأين تكمن هذه الصعوبة؟

صحيح. في هذه التجربة واجهت اللاوعي من خلال الانخراط المتعمّد في "الخيال الأسطوري" (Mythopoetic imagination) أو رحلة البحث في الذات. باختصار، إنها تجربة عقل يتوق إلى التجوّل في العالم السفلي وإنقاذ روحه، مثلما يدخل الأمير البطل إلى بطن الوحش ليخلّص الأميرة. في هذه الصفحات، وثّقت استكشافي لروحي وعلاقتي مع اللاوعي. كانت تلك السنوات أهم فترة في حياتي. وكل ما حدث من بعدها يتفرّع منها، وكل ما فعلتُه لاحقاً يتلخص في محاولة فهم ما تدفّق من اللاوعي وكاد أن يغرقني مثل تيار أو قوّة يلفّها الغموض. مجمل المحتوى اللّاواعي الذي تدفّق إلى وعيي في تلك الفترة يحتاج إلى أكثر من حياة واحدة لفهمه واستعيابه ودمجه. 

عندما كنت في رحلة اللاواعي تلك، التقيت بالعديد من الشخصيات التي يعتبر معظم الناس أنها شخصيات خيالية، ولكنها فعلياً نماذج أصلية (Archetypes). في تلك الرحلة، وضعت قاعدة لنفسي بأن لا أسمح لأي شخصية أواجهها بالمغادرة قبل أن تخبرني عن سبب ظهورها أمامي في ترحالي. فالقاعدة تقول بأن استحضار أو تجلّي "الأركيتايب" في رحلة الإنسان هو نتيجة للدور الذي يلعبه اللاوعي في هذه التجارب. 

كان "الكتاب الأحمر" بمثابة نداء استغاثة أطلقته روحي، وطالبتني من خلاله بالتخلص من فائض التمثّل بـ "البطل" (hero inflation) وبتخصيص المزيد من الوقت للأنيما (anima - صورة الرّوح لدى الأنثى). كنت أرغب في التغلب على "أركيتايب البطل". من منطلق ميثولوجي، هدف البطل هو العثور على الكنز أو الأميرة أو الخاتم أو البيضة الذهبية أو إكسير الحياة. من منطلق نفسي، هذه الأشياء هي استعارات لمشاعر المرء الحقيقية وقدراته الفريدة، أي ما نجهله في أنفسنا، الكنز الداخلي، المجهول الكامن في الظل. وفي عملية خلق الشخصية الفريدة، تكمن المهمّة البطولية في استيعاب المحتويات اللاواعية بدلاً من الغرق فيها. وفي حال النجاح، تتحرّر الطاقة الهائلة والإبداعية التي كانت مقيّضة بِعقَد اللاوعي.

كما يمكن لقارئ الكتاب أن يرى كيف تحوّلتُ تدريجيًا. وحينها، لم أتحوّل بالطبع إلى ذلك الرجل العجوز الحكيم. بل "فيليمون" هو الذي جسّد شخصيّة هذا الرجل العجوز الحكيم الذي التقيته في رحلاتي الروحية، وكنت خلالها لا أزال رجلاً في منتصف العمر، يكافح لكي يعثر على روحه وينمّيها.

لا بد من أنها رحلة جميلة فعلاً يا سيد كارل. كلامك عن الرحلة في هذا اللقاء مع مجلة "رحلة" دفعني لا إرادياً إلى استعادة تلك الصور الرمزية التي اعتقد أنها تحاكي حالتي الراهنة، والتي أعتقد أنها نفس الحالة التي أمر فيها منذ عشر سنوات على الأقل. في هذه الصور رموز تشبه إلى حدّ ما ما يمكن تلخيصه بالعبارة التالية: "أنا غير قادر على السير قُدماً". أنا في حالة هروب دائم من حريّة موعودة. ونتيجة هذا الهروب، يتعذّر تحقيق الأحلام، يفشل البطل في تحقيق هدفه المنشود. وفي ذلك أيضاً شعور بالذنب. ذنب نتيجة تقصير مع الذات في رحلتها. هذا الذنب يقمعني ويزيد من عدم استعدادي لخوض الرحلة. لا أملك الإرادة، ولكني أملك حفنة من المبررات والصور فأكرر نشر واستخدام عبارات مثل "أجمل رحلاتنا في القطار الذي فاتنا"، "فالس الأحلام المفقودة" (Waltz of lost dreams)، "في انتظار الشمس" (Waiting for the sun). أنا عالق في مكان ما يا كارل، روحي تقبع في سجن مظلم.

أعتقد أنك قمت هنا بعمل رائع ومن دون وعي. لقد رأيت للتو ظلّك ولكنك غير قادر بعد على دمجه في ذاتك وحياتك. أعتقد أنه يجب عليك البحث أكثر، وربما أبعد من سيرة حياتك الخاصة. قد يتوجّب عليك البحث في حياة والديك. قمتُ سابقاً بدراسة معمقة للعواقب المَرَضِيّة لحياة الآباء غير المعاشة على أطفالهم. بمعنى آخر، ما لم يحققه الأهل في حياتهم أو ما لم يعيشوه، له تأثير نفسي قويّ جدّاً على طفلهم. 

ولكن تذَكّر. لا يوجد هدف أبعد من تنمية ذاتك. الحياة هي رحلة، أي أنها ليست الوجهة النهائية. وكما غنّت المطربة اللبنانية "رونزا" في سبعينيات القرن الماضي في سيارة مكشوفة "مش مهم لوين نروح، المهم نروح المشوار". 

حتى في كتاب "هكذا تكلّم زردشت"، استخدم  نيتشه مصطلحات hinubergehen و Ubergang أي "العبور" بالألمانية و Briicke أي "الجسر" في معرض الإشارة إلى تحوّل الإنسان إلى سوبرمان (Ubermensch). فيقول على سبيل المثال: "عظمة الإنسان تكمن في كونه جسرًا وليس هدفًا".

أما في موضوع الشعور بالذنب، فاعلَم أن الذنب سيلاحقنا في الحالتين: إن خضنا الرحلة وذهبنا إلى الأعماق أو لم نخضها. كي نبصر النور، علينا أولاً أن نغوص في "الظل". وفي مواجهتنا الظلمةَ، نحترق بشرارة الذنب والوعي. 

يأتي الذنب والعار مع الوعي، وخاصة مع وعي الذات المُدرِكة عدم كفاءتنا، العالمة بدونيتنا الجوهريّة، المعترِفة بانعدام قيمتنا وضمور الشر فينا. وهذا هو تحديداً معنى أن تعرف ظلّك. يُرافق العار تقطيع للأوصال، أي الانسلاخ عن مصدر الإنتماء الأساسي: الأم، العشيرة، المجتمع، الإله، وغيرها من الهويات. ويأتي مع العار تقطيع أوصال أيضًا بمعنى فصل أو قمع الجزء المخزي من ذاتنا. تمامًا مثل عار حامل الأمانة آدم ورفيقة الدرب حواء بعد سرقتها، للمرة الأولى، 51 في المئة من إقليم التفاح في الجنة. فما أدراك ما التنمية وما التحرير.

أذكر ندوة في 1936 حول "زردشت"، تكلّمت فيها عن "العار\الخطيئة الأصلية". أطلق نيتشه على الإنسان تسمية "الحيوان ذو الخدود الحمراء". فلو بقي الإنسان مجرّد حالة حيوانية غريزية فطرية، لما كان هنالك مجال للشعور بالخجل. ولكن مع تشكّل الوعي بالأنا (Ego Consciousness)، شعر الإنسان بأنه بعيد عن مملكة الحيوان وفردوس اللاوعي الأصلي. ونتيجة ذلك، مال بطبيعة الحال إلى الشعور بالدونية، كما يشعر الشاب العربي لدى استماعه إلى سلطان الطرب أبو وديع بالدونيّة كونه لا ينتمي إلى فردوس العالم الغربي، ويقبع حتى آخر الدهر في الشرق الأوسط الحزين. إذًا، تتميّز بداية الوعي بمشاعر الدونية، ولكن أيضاً بجنون العظمة (Megalomania). إن وعي "الأنا" ليس سوى شرارة صغيرة في محيط الظلمة العظيم، ومع ذلك، فهو النور. عندما تُشكّل وعيك حتّى مستوى معيّن، تصبح منفصلاً تماماً عن الطبيعة لدرجة أنك تشعر أنها تعمل ضدّك. تشعر أنك فقدت النعمة كليّاً. بطبيعة الحال، هذا الشعور حوّلته الأديان إلى قصّة طرد آدم وحواء من جنّة عدن. بمعنى آخر، يشكّل الوعي العائق الرئيسي أمام سعادتنا، هذا الوعي هو المسبّب الأساسي لعار البشرية. لكن الاعتراف بالظلّ، مثل اعترافنا بالعار الذي يصاحبه، يقودنا إلى التواضع الذي نحتاجه من أجل الاعتراف بالنقص. ستتواضعون، فقط عندما يزدحم القاع.

في 1958، كتبتَ إلى الكاهن والمحلل "اليونغي" مورتون كيلسي: "يبدو أن التاريخ الحقيقي للعالم هو التجسد التدريجي للإله". ماذا تقصد بقولك هذا؟

لا مفرّ من الآلهة. كلما هربت من الإله، كلما سقطت بين يديه.

ولذلك فإن الله موجود حيث لا تكون، أي في الظلّ. الله الذي تبحث عنه دائمًا هو الحقيقة. والحقيقة موجودة في الظلّ. لم يتجنب البشر القدماء الله. وبهدف العثور على أرواحهم، ذهب القدماء إلى الصحراء. الصحراء هي صورة، رمز. عاش القدماء رموزهم، لأن العالم لم يكن قد تجلّى كليًا كحقيقة أمام أعينهم بعد. وهكذا ذهبوا إلى عزلة الصحراء ليقولوا لنا إن مكان الروح هو صحراء الوحدة. هناك وجدوا واحة الرؤى وثمار الصحراء وزهور الروح الرائعة.

ولكن بعد انتصار آلهة العقل بعد عصر الأنوار، بدأت تظهر حالة عصبيّة عامة في الإنسان المعاصر. تفكّكت شخصيّة الفرد بنحو مشابه لانقسام أوروبا والعالم خلال الحرب الباردة على جانبي السّتار الحديدي. يمر هذا الخط الفاصل المُدعّم بالأسلاك الشائكة عبر روح الإنسان الحديث، بغض النظر عن الجانب الذي يعيش فيه. وهذا الستار، كالقطيعة بين الإيمان والمعرفة، أحد أعراض انقسام الوعي الذي يميز الاضطراب العقلي المتفشّي في عصرنا. 

ومن خلال الإنفصال عن طبيعته الغريزية، يغرق الإنسان المتحضر بشكل حتمي في الصراع بين الوعي واللاوعي، بين الروح والطبيعة، بين المعرفة والإيمان. هذا الإنقسام يصبح مَرَضيًا في اللحظة التي يصبح فيها وعيه غير قادر على التغاضي عن أو قمع جانبه الغريزي. هكذا يصبح الشر نذير الشؤم المحرّم الذي يجب أن نهابه. وهذا الموقف تجاه الشّر يعزّز النزعة البدائية فينا والتي تدعونا إلى "التعتيم" على الشر ودفعه باتجاه حدود أخرى، إلى شعب أو بلد آخر، ككبش فداء يغنينا عن الحقيقة حتى إشعار آخر.

سؤال سريع. هناك شخصية أكاديمية "انترنتية" تدعى جوردان بيترسون. بيترسون أكاديمي كَنَدي محبوب على الإنترنت وخاصة بين الشباب البيض في المجتمع الغربي. يستخدم بيترسون كتبك ونظرياتك لتفسير عالمنا الحالي. ما رأيك به وباختصار إذا أمكن؟

لا يعجبني. إنه يعبث بالمحتوى الجماعي للبشر. لديه غرور وايغو متضخم. هل تعلم أنه كان يخطط لشراء كنيسة مهجورة ووَعظِ الشّباب فيها؟ إنه يربّي تحت جناح معرفته الناقصة شباناً يائسين من هذا العالم. وهو لا يساعدهم من خلال دمج ذاتهم مع الظلّ الذي يهابونه أو مع الأنيما، بل يبني فاشية جديدة فردانية الشّكل وفاشيّة بكل ما للكلمة من معنى. 

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: