لم ينشغل العالم ذات يومٍ بالأدب بقدر ما انشغل بأدب المدينة الفاسدة (الديستوبيا)، وكانت رواية جوزيف هال "(1595) Mundus Alter et Idem" أوّل كتابٍ يصنّف على أنّه أدبٌ ديستوبي وإن لم يستخدم المصطلح بمعناه المناقض لليوتوبيا إلا في إحدى خطابات جون ستيوارت مل البرلمانية عام 1868. غير أنّ العصر الذهبي لأدب الكاكوتوبيا (كما سمّاها جيريمي بنثام عام 1818) كان إبّان القرن العشرين، وقد برزت عدّة روايات بَنَت عوالمها على الخيال الديستوبي منها: العقب الحديدية-جاك لندن (1907)، نحن-يفغيني زامياتين (1920)، عالم جديد شجاع-ألدوس هكسلي (1932)، 1984-جورج أورويل (1948)، فهرنهايت 451-راي برادبوري (1953) وشمس خضراء-هاري هاريسون (1966).

مما يلفت النظر في الديستوبيا قيامها على فكرة الخيال العلمي المحض، أي أنّ عالم الرواية متخيّل من قبل الكاتب ويرى فيه مجتمعاً خيالياً استشرى فيه الفساد لدرجة بات مخيفاً غير مرغوب به، خرِباً يسوده القمع والفقر ويتجرد فيه الإنسان من إنسانيّته ويحكمه نظامٌ شمولي يمسك بكافة مفاصل الحياة.

لا غرابة أن نجد بعضاً من الأفكار المتخيّلة في الرواية الديستوبية تعاش في زمنٍ ما، بل يمكن للقارئ أن يشعر بها في عالمه المحيط به في هذا الزمن وفي أزمان تالية، وهذه ميزة من ميّزات هذا الأدب بقدرته على محاكاة عدة أجيال متعاقبة لدرجة أن رواية أورويل "1984" لا زالت محور دراسات مختلفة حتى اليوم. ومن هذا المنطلق تناولنا ثلاثة نماذج لروايات من مختلف الثقافات العالمية وحاولنا أن نجري مقارنةً بين ما تخيّله الكاتب في عمله وبين عالمنا الحالي: "نحن" ليفغيني زامياتين (الإتحاد السوفييتي)، "فهرنهايت 451" لراي برادبوري (الولايات المتحدة الأميركية)، و"عطارد" لمحمد ربيع (مصر).

***

"نحن" زامياتين وكولونيالية العالم العقلاني

لم يضع يفغيني زامياتين في روايته "نحن" حبكة واضحة أمام المصادفات التي حددت مسارها السردي ولم يكن بباله، وهو الميال للحياة البدائية، أن يؤطرها ضمن قوالب أيديولوجية محددة. فما شغل صاحب "صياد البشر" هو عالم يتصوّره بعد ستة قرون، عالم عقلاني آليّ هادئ محكوم بقواعد الرياضيات والمنطق نافياً لكلّ ما في الطبيعة والحس البشري؛ حتى البشر فيه محكومون برقميّتهم وحياتهم النمطيّة التي وضعت قوانينها "الدولة الموحّدة".

راوي الحكاية هو D503، شخص محكوم بوسواس قهري وهو محاولته الٱبتعاد عن الحلم، مهندس موهوب يقوم ببناء "Integral" وهي المركبة التي يتم تحضيرها لغزو الفضاء، يقع في حبّ I330 التي معها ينجرّ إلى الحركة الٱحتجاجية ضد "المحسن"، حاكم الدولة الموحدة المنتخب سنوياً بنتائج محسومة لصالحه، وصاحب المقصلة التي تمثّل وحشية العقلانية بتحويلها معارضي المحسن إلى رمادٍ وماء.

عالم دون سحر يعاش، لا غاية للفردية فيه ولا هامش لحضورها جراء إجراءات صارمةٍ لتعزيز الجماعية، منها وحدة اللباس والطعام، تنظيم مواقيت الترفيه (وهو محصور بالمشي بأربعة صفوف)، وضع مواقيت مخصصة لممارسة الجنس (العلاقة الجنسيّة المشاعية لمدة ساعةٍ في اليوم، وخلالها يحق للفرد إسدال ستائر منزله الزجاجي).

تبدو لغة الراوي مشوبةً بالسخرية من عالم أسلافه المتوحش حسبما يعتقد مستهزئاً بأساليب حياتهم ومعتقداً بجهل أولئك أمام عالم اليوم (الذكاء الاصطناعي كأفضل من الذكاء الفطري). فمثلاً في التأليف الموسيقي يسخر من فكرة "الإلهام" الخرافية التي تقود لتأليف المقطوعة الموسيقية بوقت يمكن للفرد تأليف 3 مقطوعات في الساعة بكبسة زر، وعن عيشهم في بيوتٍ إسمنتية يراها سبباً في عزلة الأفراد وأنانيّتهم مقارنة بالمنازل الشفافة التي تثمّن للجماعية بشكلٍ ما.

لعل خطأ زامياتين الوحيد في تخيّلاته هو تحديد زمنها وٱستشراف توقيته فقط، فهذا العالم الذي يعيش فيه ما هو إلا نسخة متخيّلة قبل قرنٍ عن عالم اليوم وإن جاءت بعض الٱختلافات بالشكل دون الجوهر. فتصوّره لتحكّم التقنية بالأفكار وٱنفتاح خصوصية الفرد على الآخر موجودة اليوم فيما يسمّى بالفيسبوك، والتي نجحت إدارته في التسلل للعقل وٱنكشاف الخصوصية أمام المشاع تماماً كشقق زامياتين الزجاجية، وما ٱبتكار الطعام من النفط إلا استعارة لمنطق القوّة النابع من السيطرة على الموارد الأولية، ولا خلاف اليوم على أحادية القوى العالمية من خلال سيطرة الولايات المتحدة على العالم تكنولوجياً وثقافياً وحضارياً من خلال العولمة... وما إلى هنالك من أفكارٍ وطروحاتٍ تقدّمها الرواية ويمكن تلمّسها اليوم، والتي تدلّ على عبقريّة كاتبٍ سوفياتيٍ في تقديم هذا التصوّر الخيالي الديستوبي المرير لعالمٍ خاوٍ فقد فيه الإنسان حتى بشريّته وتحول لكائنٍ رقميٍ تسيّره المادة والتكنولوجيا دون غيرهما.

***

"فهرنهايت 451" برادبوري والكتاب كأداة جريمة

جاءت رواية "فهرنهايت 451" لراي برادبوري كردّ فعلٍ على أداء السيناتور الأمريكي جوزيف مكارثي في قمعه للمثقفين الأمريكيين خلال خمسينيات القرن الماضي عقب صعود الٱتحاد السوفياتي وبدء الحرب الباردة بينه وبين الولايات المتحدة، هذه الرواية الصادرة عام 1953 لم تحمل أطراً أيديولوجية أو نقداً سياسيّاً واضحاً لأداء مكارثي، بل تصوّرت واقعاً مريراً سيعيشه المثقف مع الصعود الصاروخي للتطوّر التكنولوجي أواخر القرن العشرين.

تدخل الرواية في نظامٍ شموليّ يرى في الكتاب وسيلةً تدميرية ويعتمد التلفزيون وسيلة دعاية له، ويبرّر ذلك بالعودة إلى التاريخ بحيث يرى المحقق بيتي (حسب وجهة نظره) أنّ الكتابة التقليدية وٱنتشار الثقافة في ذلك الزمن أدّيا إلى تضارب الآراء والمعتقدات فٱندلعت الحرب الأهلية الثانية، وهم قد فعلوا ذلك لحماية السعادة في العالم، موعزين فكرة إحراق الكتب إلى بنجامين فرانكلين قائد أول فوج إطفاء في أمريكا (جرى تحوير قصته بأنه كان يشعل النار وليس إخمادها). بيد أن رجل الإطفاء مونتاغ الذي كان يعمل على حرق الكتب بيده والمرشح لقيادة فوج الإطفاء يدور في رأسه السؤال عن السبب الذي يدعوه لحرق كتاب، ويلتقي بالمراهقة كلاريس التي تنصحه أن يقرأ قبل أن يحرق، وبالفعل يتمكن من خلالها للعودة إلى التراث الإنساني وتولد بداخله تلك الرغبة بالانعتاق من فكرة كونه حارقاً للكتب.

يمكن أن نعتبر "فهرنهايت 451" كمادة نبوءة لعالم تحكمه المادة الجاهزة، فإحراق الكتب ليس بالجديد علينا اليوم أو أمس، ففي كتابها "Libricide" تناولت ريبيكا كنوث تاريخ تدمير المكتبات في القرن العشرين من قبل الأنظمة السياسية كوسيلة لمحو ثقافة الفرد وفكره الخاص، وتجلّى ذلك في مقولة كلاريس بتواجد 6 آلاف لغة سابقاً ولم يبق منها سوى ستين. بل إنّنا نلحظ اليوم تيتّم الكتاب وهجره من قبل الفرد مع صعود ثورة الإنترنت وٱختزال المعارف كافة في طيات محرك البحث غوغل، حتى القراء أنفسهم (كثرٌ منهم إن لّم نقل أغلبهم) تحوّلوا للقراءة إلى الكتاب الالكتروني ePub أو PDF. 

هذا ويشار في الفصل الأخير إلى أسطورة طائر الفينيق الذي يحترق تماماً ليصبح رماداً، قبل ٱنبعاثه من هذا الرماد، كإشارةٍ إلى مونتاغ ورفاقه الذين يحاولون بعث الكتابة مجدداً. وربما ما يُلحظ اليوم هو أن الكتاب الورقي المادي لا زال ماثلاً وموجوداً، هذا مما يثبت ألّا مفر من ٱستمراريّة التثاقف في العالم ونهوضه بعد ركود ولو لقرونٍ طويلة.

***

"عطارد" محمد ربيع حيث الخلاص هو القتل

بسلاسةٍ سرديّةٍ مرنةٍ يقدّم لنا محمد ربيع روايته "عطارد" ضمن ثلاث حبكاتٍ متوازيةٍ مرفقة بمقدّمةٍ جاءت كٱستعراضٍ لمفتاح الرواية، ألا وهو القتل الذي بات مشهداً مألوفاً في عالمٍ كابوسيّ متخيّلٍ لا يمكن ٱعتباره إلا إسقاطاً لعالمٍ واقعي قاسٍ وشرس، هذه الرؤية التي نجدها في نصّ ينسل داخل العقل حاملاً مشاهد العنف والقسوة والوحشية الجنسية بفكرةٍ فانتازية تنادي بجحيمية الأرض.

بداية الرواية مع رجلٍ قتل عائلته وطبخ لحمهم وأكل ووالده منه بحجة خسارته في البورصة، هذه الرؤية التي كانت مفتاح الحبكات الروائية الثلاث في ثلاثة أزمان مختلفة: الأولى عام 2025 بعد احتلال القاهرة من قبل فرسان مالطا والقاهرة المتخيّلة وقتها: خراب بالطول والعرض، إنتشار الجرائم وحالات الٱنتحار، القتل والسرقة، تقنين الدعارة وتعاطي الكربون وتحوّل البشر لأقنعة، كذلك عمل "أحمد عطارد" وفرقته القائم على قتل جنود الٱحتلال والمتعاونين معه من برج القاهرة، هذا القتل الذي كان يعتبره في قرارة نفسه تخليصاً لهؤلاء من الجحيم الذي آمن ألا خلاص لهم منهم إلا كالسابق. والثانية عام 2011 زمن الثورة المصرية مع تورّط "إنسال" في البحث عن والد "زهرة" المفقود في المستشفيات، ومع ولادة زوجته لطفلٍ ميّتٍ يجد نفسه تبنّى زهرة التي بدورها تصاب بمرض جلدي يفقدها حواسها. والأخيرة عام 455 هـ وهو الزمن الذي مات فيه "صخر الخزرجي" وبُعث قائلاً إن الناس يعيشون في جحيم لا متناهٍ، والقيامة قامت منذ زمنٍ بعيد.

هذه الأحداث المتخيّلة ما هي إلا إشارات لوقائع تحدث وتتكرّر بشكلٍ يومي وتترك الكثير من التساؤلات، فالفشلُ السياسي وهزائم الثورات المتكرّرة والصمت حيال هذه الفوضى العارمة هي من العوامل التي كان سببها فقدان الأمل المعلّق على هذه الثورات، فالجنين الميّت هو الثورة المصرية التي علّق الجميع آماله عليها، وفرسان مالطا هي القوى الكبرى التي تتحكم بالبلاد ٱقتصادياً ومالياً دون أيّ جهد يذكر، وفقدان زهرة لحواسها هو الصمت المطبق من قبل الشعوب وبرودتهم إزاء هذا الحفل الجنوني الهزلي للفوضى والعنف الجحيميين يدفعان "عطارد" لتخليص الناس منها، فيكون القتل هو الطريق الوحيد للخلاص النهائي من عالمٍ عنيفٍ أشبه بمرثيّةٍ طويلةٍ للأمل في الحياة داخله.

***

ونشير في الختام إلى أنّ هذه المنطلقات الخياليّة للكتّاب في أدب الديستوبيا لا تعدّ نبوءات بقدر ما تصحّ تسميتها ٱستشرافاً للقادم، فأيّ قارئٍ للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في عالم اليوم، يمكن له أن يضع سيناريوهات مختلفةٍ لمسار هذا الزمن، ولعلّ ما يجري اليوم في هذا العالم هو واحد من سيناريوهات مختلفةٍ متخيّلة قد جعلها الوضع الراهن حقا.