ترجمة وتقديم: إيفا شاهين وبهاء إيعالي


لعلّ أوّل ما يتبادر إلى الذهن في عالم النوستالجيا عربياً هي فكرة الوقوف على الأطلال، والتي كانت أساساً ثابتاً في الشعر العربي الجاهلي، وأجمل ما يستعاد فيها هو ما قاله "الملك الضليل" في معلّقته الشهيرة:

قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلٍ

بسقط اللوى بين الدخولِ فحوملِ.

غير أنّ التسمية الاصطلاحية "نوستالجيا" الآتية من الكلمتين اليونانيّتين "نوستوس" (باليونانية νόστος أي رحلة العودة) و "ألغوس" (باليونانية ἄλγος أي الألم والحزن) بدأ استخدامها كمصطلح طبّي إبّان القرن 17 من قبل طالب الطب في جامعة بازل 4 "يوهانس هوفر"، وأعطاه توصيفاً بأنّه "مرضٌ ناجمٌ عن التعلّق المفرط بموطنٍ بعيد"، ولاحقاً توسّعت دائرة "النوستالجيا" قبل أن يتم إخراجها من خانة توصيفها لمرض وتصبحَ حالة شاعرية إنسانية وصفها شاتوبريان بـ “اللهفة إلى الوطن الأم".

هكذا بات بالإمكان تعريف النوستالجيا بأنّها "ما يمتّ للفرد شخصياً من محيط وذكريات ملموسة"، ولعلّ ارتباطها بالأدب والفن ليس بغريب، نظراً لما تقوم به الآداب والفنون من تذكير المرء وإعادته لما يتذكره، فيكفي أن نتذكّر قصائد "جواشان دي بيلّيه"، أو رواية "البحث عن الزمن المفقود" لمارسيل بروست، أو فيلم "التوت البري" للمخرج إنغمار بيرغمان وغيرها. غير أنّ النوستالجيا لم ترتبط بفنّ بقدر ما ارتبطت بالموسيقى، فالموسيقى، وبحسب بيتر جاناتا عالم النفس في جامعة كاليفورنيا "تتماسك في الذكريات العاطفية بشكل خاص من سنوات تكويننا".

في الأعوام الأولى لمسيرتهم الطويلة، حرصت فرقة الروك الإنكليزية "بينك فلويد" على استعادة جمالية الوقت المتلاشي، فكتبوا أغانٍ كانت بمثابة "استغاثة" للغياب واستذكارات لما انتهى، خاصةً أنّ مؤلّفي الأغاني في تلك المرحلة هما سيد باريت وريتشارد رايت، وهما الموسيقيان الأكثر حساسيّة بين زملائهما في الفرقة، باعتراف الجميع، فسيد باريت هو حجر الأساس في الفرقة الذي، وعلى الرغم من خروجه عقب أزمته الصحية أواخر عام 1967، فإن مساهمته في السنوات الأولى للفرقة بقيت حاضرة وجميلة بما لا يدع مجالاً للشك في موهبته. أما ريتشارد رايت فهو روح الفرقة لما مثله من رقّةٍ وحنانٍ في أغانيه، فلو أنّ مساهماته في الكتابة فترةَ تزعّم باريت للفرقة كان ضعيفاً، غير أنّ الأغاني التي قام بكتابتها حملت ذلك الأسلوب الساحر في الكتابة أشبه بنصّ رومانسي متلوّن ببعض اللمحات السوريالية اللطيفة وبسردٍ متحرّر من كافة أشكال الرقابة.

هذه النوستالجيا التي كانت حسب رؤيتهم الخاصة "التصديق للمتخيل"، أي العودة للطفولة للمس ذلك المتخيّل ومحاولة تحقيقه، قد تمثّلت موسيقياً لديهم بالسايكدليك روك (Psychedelic rock)، هذا النمط الموسيقي القائم على الإبداع المرتبط بالمخدرات التي نؤثر على طريقة التفكير متجلّياً بالقدرة العالية على التخيل، والتصور وربط الأفكار المتباعدة، وقد دأب موسيقيو الروك على العزف تحت تأثيرها في الستينيات مدفوعين بمغامرة خوض تجربة سيكولوجية جديدة، وذروة السايكدليك روك كانت بين 1967 و1969، وهي الأعوام الأولى لفرقة بينك فلويد أي فترة سيد باريت والبدايات المترافقة مع التيار السايكدليك والثقافة المضادة.

وهنا، وبناء على ما تقدّم قمنا باختيارِ أربع أغانٍ من تلك المرحلة للفرقة، وهي أغانٍ صدرت ضمن ألبومات "the piper at the gates of dawn"، "A saucerful of secrets" و"Atom Heart Mother"، وقد كتبها كلّ من سيد باريت وريتشارد رايت بين عامي 1967 و1970.


أتذكر أيّاماً-Remember a day

عندما قام ريتشارد رايت بكتابة هذه الأغنية التي صدرت في 29 يونيو 1968، كان على وشكِ أن يتمّ عامه الثاني والعشرين (حيث أنّ الأغنية كُتبت فعلياً عام 1965)، أمّا حنينه واشتياقه الدائمين لأيام طفولته لم يتغيّرا، فالبساطة والوقت الكافيان للسفر بعيداً بأحلامه كانا موجودين، غير أنّ عبء النجاح الباهر وضغوطاته الكبيرة ترك داخل أفراد الفرقة ذلك الشعور بأنّهم يكبرون بسرعة، أسرع مما يتخيّلون.


أتذكر أياماً مضت

يومَ كنّا في ريعان الصبا

حرّين.. نلهو بالوقت مثلما نشاء

والمساءُ لا يأتي

نغنّي أغانٍ لا يمكن غناؤها

دون قبلة الصباح..

ملكة تبحثُ عن ملكها..

لو شئت ذلك لأصبحت!

لم لا نقدرُ على المرح اليوم؟

لمَ لسنا قادرين على البقاء كما كنّا؟

تتسلقين شجرة التفاح الأثيرة لديك

تحاولين الإمساك بالشمس

تختبئين من بندقية أخيك الصغير

تحلمين بعيداً

لم لا نستطيع الوصول إلى الشمس

لم ليس باستطاعتنا بعث تلك السنين؟

****


والدة ماتيلدا-Matilda Mother

في هذه الأغنية التي صدرت في 5 أغسطس 1967، يحاول كاتبها سيد باريت استعادة الزمن المنقضي، زمن الطفولة حين كانت تروى للأطفال قصصاً وحكاياتٍ مختلفة، فيترك لنفسه استعادة أو تخيّل المتعة التي كان يعيشها هو وأقرانه حين ينصتون لهذه الحكايات.


كان هناك ملك يحكم الأرض

جلالته... ذو السلطة

بعيون فضية، 

النسر القرمزي يُمطر الفضة على الناس

آه، أمي، أخبريني أكثر

لماذا تركتيني هناك

معلقاً، منتظراً في هوائي الرضيع؟

لا عليك سوى قراءة هذه الأسطر

محض خربشة سوداء وكل شيء يشع

عبر الجدول، بأحذية خشبية

أجراس تدق لإيصال أخبار للملك

ألف فارس ضبابي يتسلق

عالياً.... في قديم الزمان

أتجول وأحلم

للكلمات معنى مختلف

نعم لقد فعلوا....

لكل ذلك الوقت المهدر في تلك الغرفة

بيت الدمية..... الظلمة... العطر العتيق

وقصص الخيال التي حملتني عالياً

إلى الغيوم الطافية في ضوء الشمس...

آه، أمي، أخبريني أكثر

أخبريني المزيد.

****


أرى إيميلي تمرح-See Emily Play 

هي نسخةٌ معادةٌ كتابتها من أغنية Games of May، وهي من كتابة سيد باريت وقد رأت النور في 16 يونيو عام 1967، بيد أنّ الآراء تضاربت حول هويّة إيميلي هذه، لعل السيرة الأرجح هي ما قاله الشاعر الغنائي بيتر براون حيث نسب هذه الأغنية لابنة اللورد كينيث التي كانت معروفة لزوار نادي UFO (كانت فرقة البينك فلويد منتسبة لنفس النادي) باسم "الفتاة المخدّرة"، غير أن سِيد يذكر روايةً أخرى حول هويّتها حين يقول: "كنتُ نائماً في الغابة لما رأيت فتاة قادمة من بين الأشجار ترقص وتمرح، تلك إيميلي".


تحاول إيميلي لكنها تُسيء الفهم، آه 

غالباً ما تستعير أحلام شخص آخر

حتى يوم غد

لكن لا غدَ هناك

فلنحاول ذلك بطريقة أخرى...

ستفقد عقلك وتلعب

ألعاب مايو المجانية

أرى إيميلي تمرح

مع حلول الظلام تبكي إيميلي

محدقةّ بحزن وصمت خلال الأشجار

حتى يوم غد

لكن لا غد هناك

فلنحاول ذلك بطريقة أخرى

ستفقد عقلك وتلعب

ألعاب مايو المجانية

أرى إيميلي تمرح

أرتدي ثوباً يلامس الأرض، 

أطفو على نهر إلى الأبد، إيميلي (إيميلي)

لا غد هناك

فلنحاول ذلك بطريقة أخرى

ستفقد عقلك وتلعب 

ألعاب مايو المجانية

أرى إيميلي تمرح.

****


صيف عام 68-Summer ‘68 

هي واحدة من أفضل أغاني ريتشارد رايت، وقد صدرت في 10 أكتوبر 1970، وتستند هذه الأغنية إلى أحداث وقعت بالفعل، وذلك بفعل صدى الندم والاهتمام غير المتوقع لمشاعر الفتاة المحبوبة، هنا نجده يواصل غناءه، غير أنّ شعور الفقد والإرهاق هما روتينه.


أترغبين في قول شيء قبل أن ترحلي 

ربما تهتمين بالبوح بشعورك الحالي..

كانت "وداعاً" سابقة لـ "مرحباً"...

أنا بالكاد معجب بك، فلم أهتم!

وسط جو موسيقي صاخب

قبل ست ساعات من الآن ...التقينا

كسبت يوماً وخسرت سنة لعينة 

بماذا تشعرين... ماذا تشعرين؟

بماذا تشعرين... ماذا تشعرين؟

أود أن أعرف...

لم تُقَل كلمة واحدة، 

لا يزال الليل يخبئ مخاوفنا

قليلاً ما أظهرت ابتسامتك 

ولكن كان ذلك كافيا

منذ مدة شعرت بقشعريرةٍ في غرفة 95

أصدقائي مستلقون تحت أشعة الشمس، كم أتمنى لو كنت هناك

الغد يأتيني بمدينة أخرى...بفتاة أخرى تشبهك...

قبل رحيلك، هل تمليكن الوقت الكافي لتحية رجل آخر؟

أخبريني

بماذا تشعرين... ماذا تشعرين؟

بماذا تشعرين... ماذا تشعرين؟

الوداع...

لقد اكتفيت ليوم واحد بفضل شارلوت برينجلز....

****