كثير من العزلة، قليل من الثورة 

"الطبقة العاملة تذهب الى الجنة" فيلم للمخرج الإيطالي إليو بيتري، حاز جائزة "كانْ" المخملية، لكن التاريخ أهمله ونساه إلى حد ما.  وفيه يمضي العامل "النموذجي"، لولو، أيامه في صناعة أشياء لا تشبهه لا في الشكل ولا في المضمون، أشياءٍ لا تشبه أحدًا، بكل حال، ولا أحد يعرف ما فائدتها أصلًا غير أن لولو اشتهر بشطارته في صنعها. هو يشغّل ماكينة ببراعة فائقة. وبفضل مهاراته التي يحسده عليها زملاؤه ويلومونه، تحوّل ماكينةً بشرية و"ستاندرد" في المعمل.

حياته الجنسية والعاطفية تدمرت. علاقاته الاجتماعية خلت إلاّ من صاحب وحيد كان زميله قبل أن ينتهي في "العصفورية". وعلى رغم ذلك نراه مرتاحًا قنوعًا، فربّ العمل الموَسْوَس، الذي يقيس أداء لولو بثواني الكرونومتر، فخور به وسعيد.

لكن في الأجواء توتر: لولو والعمّال يجيئون ويروحون على وقع صرخات الطلاب الثوريين الذين يحاصرون المصنع ويدعون العمّال الى الإضراب. وهو لا يطمئن لهم. أوجه الشبه بينه وبينهم معدومة. هم النُخب التي تسمح لها أوضاعها وامتيازاتها بالذهاب إلى الجامعات وقراءة انطونيو غرامشي وروزا لوكسمبورغ. لولو يعيش في الحاضر، وتحديدًا في "حاضر المعمل" - في جغرافياه وزمانه. وهو ما جعل لولو يحسّ بالانتماء إلى نُخب ذلك الفضاء الإنتاجي الفاعل.  وهذا العامل النموذجي هو فخر الصناعة التايلورية: حركات جسده وتناغمها مع حركة الماكينة مدروسة ومحسوبة إلى أقصى درجات الفاعلية والإنتاجية. 

لولو، إذًا، كسواه من العمال على مرّ القرون، أو مثل أي عامل أو عاملة في "رامكو" أو "فوكس كون" أو "أمازون"، معزول عن أشياء كثيرة. معزول عن الأشياء التي تصنعها يداه يوميًا. معزول عن نفسه ومشاعره. لا هوية له خارج القيمة المضافة التي تصنعها يداه وعقله في وقته اليومي. وقتُه اليومي مستعمَر. حتى عضوه الذكري يأبى أن ينصاع لرغباته، فيعزله عن زوجته وحياته العائلية. ثم لم يلبث أن ينعزل عن عضو آخر من جسده، بعدما طحنت الماكينة التي يشغّلها إصبعه وابتلعتها.

لاحقًا يكشف المدير أن كلفة الإصبع توازي ٧ بالمئة من إنتاجية المصنع. ونفهم أن إصبع لولو تبتعد عن ذاتها لتفقد حتى مكانتها العضوية التافهة ككتلة من اللحم، وتمسي رقمًا سلعيًا سلبيًا.

معروفةٌ حاجة رأس المال للأعضاء البشرية العاملة. يستهلكها ويبصقها ربحًا. ويغدق الصرف على صيانة ماكينات الإنتاج، لكن صيانة الأعضاء البشرية وتكلفتها لا تدخل في جداول محاسبته. وعلى العمال انتزاع تلك "الفدية" بالقوة... وعلى ذلك ثار لولو.

فورييه: جنس وعمل ويوتوبيا

يكشف لولو لزملائه سر فاعليته وإنتاجيته: "أفكر في أرداف النساء وأركز في الماكينة. الأرداف ثم التركيز والعمل". وعندما يصل العمال إلى المصنع يومياً، وسط هتاف دعاتهم إلى الإضراب، يستقبلهم صوت عند المدخل يقول: "عاملوا الآلات بحب". فينصاع لولو لـ "نصيحة" الأب الرأسمالي بكل مودّة. فتتحول طاقته الجنسية من شهوة لجسد بشري آخر - بعد أن فقد الحميمية مع زوجته - إلى شهوة لبدن آلة أصمّ وشغف بكمالية الإنتاج. هذه العلاقة المنحرِفة بالعمل لم تكن دائمًا بهذا الشكل ولا عليها أن تستمر.

شارل فورييه، الفيلسوف اليوتوبي الاشتراكي، كان واحدًا ممن تخيّلوا شكلًا جديدًا للعمل وتقاربًا بينه وبين الجنس. وكتب عن نظام جديد لعلاقتنا الاجتماعية. وفيه تنفلت المشاعر والغرائز الإنسانية من عقالَيها الأخلاقي والايديولوجي، ويعاد رسم الإنتاج وأسبابه وعلاقاته بالعمل والتعليم والسكن وحتى بجمع النفايات بطريقة مُجدية. وفي هذا النظام يكون الأفراد أحرارًا.

وأراد فورييه أن يكون العمل في نظامه اليوتوبي خارجًا عن أية فرائض أو قيود، بحيث، يعكس ما يعيشه لولو تمامًا. فيكون العمل أشبه بلذة جنسية نابعة من انجذاب بين الفرد وصنيعه. ولا يعزل هذا العمل علاقتنا بأنفسنا، إنما يعززها بالتعاون بين أفراد الجماعة والحب ومشاركة الآخر والثقافة والوقت.

الطبقة العاملة تذهب الى جنة اليسار

بعد فيلم بتري بسنوات قليلة، كتب الفيلسوف الفرنسي اندريه غورس كتابه المستفِز "وداعًا للبروليتاريا"، ضاربًا عرض الحائط سياسات معظم الحركات اليسارية حينذاك، وكانت ترى في العمل والمصنع والعمّال الجبهة شبه الوحيدة للصراع ضد رأس المال. ورأى غورش أن على النظرية الشيوعية، من الآن فصاعدًا، أن تتأقلم مع فكرة لا إنتاجية للنظام الشيوعي الآتي، داعيًا رفاقه الشيوعيين الى قراءة آخر ما كتبه ماركس قبل مماته لتقبل فكرة المكننة والبطالة، كسبل لتحرير الإنسان من قيود الإنتاج.

ومثل كتاب غورس، أثار فيلم "الطبقة العاملة تذهب الى الجنة" ذعر النقاد والنقابيين والراديكاليين في إيطاليا وبقية أنحاء أوروبا. ففي فرنسا، دعا المخرج الراديكالي، جان ماري ستروب الى حرق كل الفيلم حتى آخر بكرة. وبعد عرضه في إيطاليا، قال مخرجه بيتري: "آثار فيلمي استنكار النقابيين والطلاب اليساريين والمثقفين والقادة الشيوعيين والماويين. كلّ منهم أراد أن يرى فيلمًا يشبه قضيته، لكن ما شاهدوه هو فيلم عن الطبقة العاملة."

بعد خسارة إصبعه، تتغير نظرة لولو ويعي واقعه الصعب فينضم الى قوافل الطلاب الثائرين خارج المصنع. ويخفض إنتاجه. ويغضب على أرباب العمل. ويُضرِب ويواجه قمع الشرطة. وعندما يعود في اليوم التالي إلى عمله، يكتشف أنه مطرود. فتتركه زوجته العاملة مثله، والتي تتولى أشغال المنزل وتربية الطفل، فلم تعد تتحمل مزاجه الصعب.

ثم يطلب مساعدة الطالب الثوري الذي كان يوبخه على حضوره إلى المصنع ويحمّسه على الثورة. لكن الأخير خذله لأنه يرى في لولو طبقة مجرّدة مهمّشة، في حين أن الهدف هو تحرير الإنسان. وهكذا، أصبح لولو وحيدًا معزولًا، وفكّر في بيع أشيائه والهرب الى سويسرا. وفي النهاية، لا يذهب لولو إلى الجنة ولا يتحرر، فقد خانه الاتحاد العمالي الذي أبرم نيابةً عنه اتفاقًا أعاده إلى عمله، أي إلى عبودية بوجه إنساني.

لعلّ ما أزعج فئات يسارية في هذا الفيلم هو نقده اليسار ونقضه من وجهة نظر العمال. فبيتري غامر عندما اختار شخصية واحدة لتجسيد الطبقة العاملة بكل طاقاتها وعيوبها. ثم اصطدم بحدودها وسرديتها - فلولو عامل أبيض "ڤولغير" بسيط قدم من شمال إيطاليا محمّلًا بشوائبه السياسية - وبذلك يكون المخرِج ابتعد عن تأليه الطبقة العاملة، منتقدًا النظرة الاختزالية التي يعتمدها اليسار غالبًا.

ويصعب على اليساريين أحيانا سماع بعض الحقائق عن إخفاق مشروعهم ما بعد 1968، والاعتراف بأن حاجة الثورة إلى عمّال، هي نفسها حاجة الفاشية الى تواطؤ الطبقة العاملة وانقيادها. فالبديل عن المشروع الماركسي-الفوريييري لتحرير العمل من شروطه المستعبِدة هو الفاشية التي ينتجها رأس المال كلما بلغت تعارضاته طريقًا مسدودًا. وهي الطاقة الفاشية ذاتها التي رآها رايخ وماركوزي، ومصدرها عزل العامل عما يجعله إنسانًا. فلو تخيّلنا لولو في ٢٠١٨ يفقد إصبعاً، لكان ألقى باللوم على الإسلام أو الأفارقة... وصوّت لسالفيني وأخوانه الفاشيين.

أنجز بيتري فيلمًا صعبًا، متشائمًا، مشبعًا بالأصوات التائهة بين عبقرية إنيو موريكوني من جهة، وضجة المعمل الوحشية والكفكائية من جهة أخرى: فيلم مشبع بالأجساد والمجموعات المشتبكة. فيلم غريب في تجسيده ردات فعل لولو ورفاقه التائهة بين مصادر الشر والسلطة. فيلم متعِب لمشاهديه حتى في القرن الواحد والعشرين: اختفى ذلك المعمل الذي يستطيع ان يجتمع ويحلم فيه العمال رغم عزلتهم، انهار مشروع اليسار العالمي تحت سطوة النيوليبارالية، واستمرّ رأس المال بطرح "الإصلاح" لشراء الوقت. أما الطبقة العاملة فهي لا تزال تحاول الخروج من عزلتها والذهاب الى الجنة. 

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل: