"إنتشولديغونغ!"، يقولها الرجل بعدائيّة حقيقية في أذني مباشرة. وهذه تعني بالمبدأ "عذراً" أو شيئاً مِثل "بالإذن منِّك"، لكن سياقها هنا كان "أنا أحقّ منكِ بهذا المقعد، فزحّطي." قبلها بثوانٍ دلفنا إلى الباص رقم 11، لعلنا كنا أكثر من 15 شخصاً على المحطة، وكنا ننتظر باصنا الذي تأخر، واقفين في الحرارة 3 درجات مئوية، أنا أحمل شنطة ممتلئة بالحاجيات المنزلية على ضهري وكيساً قماشياً ثقيلاً في يدي وكيساً بلاستيكياً آخر به كرتونتين من النودلز الساخن، اشتريتها من كشك صغير طعامه، يعني، أحسن بشحطة من معظم المطاعم البائسة في هذه المدينة.

إذاً، دخلنا الباص، وجدتُ مقعداً فارغاً قرب امرأة ما، وسررت لأنني سأرتاح من حمل الأغراض طوال الطريق. وضعتُ الأكياس من يدي وهممتُ بالتقاط أنفاسي من خلف الكمامة في الباص المكتظ بالناس وأصواتهم. الآن أتنفّس: شهيق، وقبل الزفير قاطعَني الألماني بـ"إنتشولديغونغ!"، كأنها تقريع على خطأ فادح ارتكبته ولمّا أفهم ما هو بعد. وجدتُ نفسي أعتذر منه سريعاً جداً، ألتقط الأكياس في يدي، ألحظُ تبادله النظرات مع المرأة وعيناها تقولان "تخلّص منها"، أسند يدي إلى حائط الباص لأتفادى الوقوع عند توقف السائق فجأة، ثم أسند ظهري إلى أقرب فسحة، محشورة بين الباب وشاب واقف يلهو بهاتفه، وفي لحظة – لحظة فقط – أرى ذلك الرجل يضع مؤخرته البلهاء على المقعد الذي كان لي منذ قليل. 

أدار وجهه ناحية المرأة، زوجته على ما يبدو، وشرعا يتكلمان. ماذا حصل للتو؟ أغلب الظنّ أنه كان يمرر بطاقة الباص خاصته فسبقته زوجته لتحجز مقعدين، وأنني فور وصولي باغتني بعصبية جعلتني فوراً أعتقد أنني ارتكبتُ خطاً ما. لعلّني لا ينبغي لي الجلوس إلى جانب أحد بسبب إجراءات كورونا؟ لعله كان جالساً هنا وقام للحظة فقط فأخذت مكانه؟ لعلني ولعله... لكن، لا، الحقيقة كانت أنه أقامني من مقعدي بلا سبب إلا لشعوره بالاستحقاق. هو، ألماني في منتصف العمر، بلا شنط وأكياس ثقيلة، لا تنقصه الصحة، وأنا، لا أحد. 

غبيّة، غبيّة! لماذا وقفت وتركت له مكاني؟ جبانة! فمي مفتوح يريد أن يقول شيئاً لكنني لن أعرف أن أتكلم بلغة صحيحة. سأحرج نفسي لا أكثر. مدهوشة من الذي حصل للتو، بعينين مذهولتين أبحلق بخلقته. أبحلق طول الطريق، بوقاحة في عينيه اللتان يشيح بهما عني. يحكي ويغرغر مع زوجته وأراه ينظر بطرف عينه فأعرف أنه يعرف أنني أبحلق به... لا، فِعلاً، من أين أتى بكلّ تلك الأحقية، وأنا، لماذا سمحتُ بها؟ "إنتشولديغونغ، أيها الجنتلمان الخَلوق! معي زوجُ تشوبستيكس سأقحمها في..."، وكلّ ما لمْ أقله... 

*****

إنه تشرين الثاني مجدداً، ما يعني أنني دخلت في عامي الثالث في هذه البلاد، ألمانيا، أو كما يسمونها هنا "دويتشلاند"، أمضيت نحو سنتين منها أهاتف أمي لأؤكد لها أن الانهيار حاصل لا محالة وأهلع بسبب الانهيار وأهلع بسبب الانفجار وأهلع بسبب الألمان وأحضّر أوراقاً بلا لزمة لفرنسبنك من أجل الدولار الطلابي المزعوم وأتابع نيو-تي-في وأجرّ رموز فيسبوك وتويتر نزولاً، نزولاً إلى ما لانهاية. ثلاث سنوات منها سنة ونصف تقريباً في الحجر المنزلي وبلا أي احتكاكٍ اجتماعي يُذكر، لكن مع كهرباء متوفرة 24/24 ومياه ساخنة في الدوش لا تنضب أبداً. هذا هو ميزان الأمور، وإنّه لميزان تافه بحقّ، إذ كيف لأي منا أن يقتنع بأن التعقّل والنضج يكمنان فعلياً في اختيار جحيمنا وبالتحلّي بالمسؤولية الشجاعة عن هذا الاختيار؟ 

مثل الكبار، كبرت. ومثل الكبار، اخترت. ومثلهم، سأحمل مسؤولية خياري؟ وحدي؟ هكذا؟... في عامي الثالث هنا، ما زال النظر في وجوه المارة على الطريق مغامرةً كبرى. ربما أخشى أن أرى في وجوههم أنني لا أعجبهم مثلما لا يعجبونني. أخافهم، بصراحة، وربما أخاف من أن يتّهموني، ولعلني أخاف أكثر من أن أجد فيهم ما يعجبني فأخون أهلي وأظنُني أصبحتُ أذكى وأحسن – لا سمحَ الله. لماذا لا يمكنني أن أكون مجرّد فردٍ طبيعي آخر من جوقة "عرب أوروبا"! 

سمعتُ منذ يومَين خبراً مفاده أنهم قد يبدأون بإعطاء المقيمين في ألمانيا جنسيات بعد ثلاث أو خمس سنوات بدل سبعة، بشروطٍ محددة، فوجدتني مسرورة جداً بهذا الخبر – أنا التي علّمتُ نفسي أنّ عليّ أن أكره أن أكون هنا بكلّ صدق. سأغنّي "دويتشلاند يا حبيبتي!"، سآكل البطاطا مسلوقة ومقلية ومشوية وأضعها في السلطة أيضاً كما تشتهون! سأحفظ كل ألوان النقانق والبرتزل والشنيتزل وسأشدّ حنكي بالعرض لألفظ ذلك الحرف الذي ليس شِيناً ولا خَاءاً ولكن في مرتبةٍ ما بينهما. من أجل باسبور، قد ألتهم الكنافة بالسرّ فقط. ولكن قولوا لي، هل هذه هي كلّ المعادلة؟ كهرباء وماء ساخن في الدوش مقابل كلّ مَن أحببت وكلّ ما عرفت طوال حياتي؟ 

إنتشولديغونغ. اللعنة. والله اشتقتُ إلى بيروت. 

كن جزءًا من مشروع "رحلة"
وادعَم صُدور النّسخة الورقيّة الشهريّة

لمزيد من التفاصيل:
Patreon support button